06-يوليو-2019

طالت مدينة بابل الأثرية الكثير من التجاوزات منذ ثمانينيات القرن الماضي (Getty)

أخيرًا، أعلنت لجنة التراث العالمي التابعة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة يونيسكو، في 5 تموز/يوليو، إدراج مدينة بابل على قائمة التراث العالمي، خلال اجتماعها في الدورة 43 بالعاصمة الأذربيجانية باكو، وإخراجها من قائمة المواقع المعرضة للخطر.

وافقت لجنة التراث العالمي يونيسكو مبدئيًا على ضم مدينة بابل الأثرية إلى لائحة التراث بانتظار التزام العراق بالشروط وإزالة التجاوزات

كان موضوع بابل مطروحًا من قبل العراق لضمّها على لائحة التراث العالمي، منذ الاجتماعات التي عقدت في العاصمة الأردنية عمان للفترة من 2011 إلى 2012 بالتعاون مع منظمة يونيسكو، إلا أن مجموعة من المعوقبات حالت دون ذلك، وفق أطراف برلمانية.

اقرأ/ي أيضًا: آثار العراق بين "سقوطين".. إهمال الحكومة شاهد ثالث!

ويعني إدراج بابل، ضمها إلى المواقع الفريدة التي يجب الحفاظ عليها وإبعاد خطر اندثارها، فيما يتوقع من الجهات المسؤولة عن المناطق المدرجة توفير الظروف الملائمة للسياحة العالمية، حيث يرغب الآلاف حول العالم زيارة المواقع التي تعد تراثًا عالميًا، كما تتولى منظمة يونسكو مراقبة هذه المواقع وتنظيم زيارات لتقييم أوضاعها، وإصدار تحذيرات للجهات المسؤولة لإبعاد أي مخاطر تهددها. وفي حال عدم حصول تقدم في تصحيح الموقف يُقنع الخبراء، فمن الممكن أن يعود الموقع إلى القائمة المهددة.

آثار بابل، التي تعود إلى نحو أربعة آلاف عام، كانت مدرجة على لائحة منظمة يونيسكو للتراث العالمي حتى نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ثم شطبتها المنظمة إثر "تلاعب" بمعالم المدينة وتغييرها، وإعادة بناء أجزاء فيها، من قبل رئيس النظام السابق صدام حسين.

بين محتفل ومتشائم

وانطلق في مواقع التواصل الاجتماعي، وسم #بابل_تراث_عالمي، حيث كتب مدونون وناشطون وصحفيون تحت هذا الوسم عدة منشورات تطالب بضم بابل على لائحة المنظمة، قبل أن تصوت لجنة التراث بالموافقة، وتتوالى التهاني للعراق وبابل، فيما عبّر آخرون عن عدم تفاؤلهم بهذا القرار الذي لن يُصلح من حال محافظة بابل حسب اعتقادهم.

كتب الشاعر والصحافي أحمد عبد الحسين،: "مبارك للعالم ببابل العظيمة، بقليل من الاهتمام والإعلام يمكن لهذه الأطلال أن تصبح قبلة لسائحي العالم". ونشرت الشاعرة إيناس فيلب،: "الانتماء لهذا الوطن، مهما كان حجم الجحيم الذي نعيشه، يجعلنا نفرح ونقشعر ونبتسم وندمع حين سماع مثل هذه الأخبار".

من جانبها هنّأت الصحافية أفراح شوقي العراق بإدراج بابل ضمن لائحة التراث العالمي، وتخصيص 200 مليون دولار لحماية الموقع وصيانته، مطالبةً بـ "صيانة المبلغ من أعين السراق"!.

على الجانب الآخر، كتب الناشط رأفت محمود،: "فرحت بضم آثار بابل، لكن تردي البضائع في الأسواق وبقاء وضع المرشدين السياحيين على حالهم، وأوضاع الحمامات والمرافق الصحية، سيسحب بابل من اللائحة خلال سنة"، مطالبًا الحكومة بـ "إجراءات واقعية لتحسين واقع الآثار لتفعيل السياحة الداخلية وجذب السياح الخارجيين".

ويقول المدون حسن الخرسان،: "أرى الجميع سعداء بهذا الإدراج ويتبادلون التهاني والتبريكات، وفي نفس الوقت بابل تعاني من الإهمال والاندثار والسرقة والنهب والتدمير وعدم وجود معالم السياحة فيها، فهي مدينة خربة تملؤها الأوساخ والعشوائية"، معربًا عن أمله أن يكون إدراج بابل على لائحة التراث "مناسبة للالتفات الحقيقي لتاريخنا، وليس العمل على إدراجها ضمن التراث فحسب".

سيطر التشاؤم على كثير من الناشطين والمختصين بشأن إمكانية "صمود"بابل على  لائحة التراث أو الاستفادة من ذلك بالنظر إلى "سلوك"  الإسلاميين وإهمال السلطات

كما طالب الخرسان في حديث لـ "الترا عراق" بـ "العمل بجدية لإعادة تأهيل المدينة مع تغطية إعلامية مناسبة، وعمل كراسة لأهم وأبرز الانجازات التي تحققت في حضارة وادي الرافدين"، مضيفًا: "أتمنى أن لا يتوقف الموضوع عند الإدراج فقط كما حصل مع ملف الأهوار عندما أضيفت على اللائحة قبل عام، ولم نرى أي برنامج تنموي حقيقي خاص بالأهوار".

بدوره قال المدون واثق محمد، مقللًا من أهمية الموضوع،: "العالم يبني بابل جديدة، ونحن نفرح بأطلال بابل القديمة". بينما اعتبر ذاكر حسين إدراج بابل على لائحة التراث العالمي "مخدّر"، مضيفًا: "لو كانت بابل في دولة تعرف كيف تستغل مواردها لكان نصف الشعب يعتاش على وارادتها فقط".

ثرمستون لـ "منع التقبيل"!

فيما كتب الشاعر والإعلامي علي وجيه منشورًا قال فيه،: "مشكلة بابل ليست باليونسكو، بل بالثأر المنظم الذي تقوم به التيارات الدينية ضدها من أجل إعطائها صبغة دينية إسلامية شيعية، ليتحول الموضوع إلى اقتصاد وسياحة دينية بالاستناد على مراقد وهمية يتفق أساطين مراجع الشيعة على عدم وجودها"، عازيًا ذلك إلى "كون بابل تصنع هوية وطنية، ولهذا فأن الثأر منها سيكون منظّمًا ومستمرًا"، كما اتهم الإسلاميين بـ "عدم احترام تراث هذه البلاد، وعدم الاعتزاز به بصدق"، متتقدًا بالقول: "سترون مهنئين؛ لكن تصريحاتهم تبقى مجرد تصريحات إعلامية".

وكتب المدون أحمد عبد الرحمن على  صفحته في فيسبوك،: "هناك حرب مبطنة يقودها الإسلاميون الجدد بحق التراث وحضارة العراق، ألم تروا ماذا فعل داعش في آثار الموصل؟ وقد يعتقد البعض أن هذه العقيدة مقتصرة على فئة معينة من الإسلاميين، بالطبع هو مخطئ فالعقيدة واحدة مهما كانت التوجهات".

إلى ذلك، يروي مصدر من إحدى الجهات الأمنية في بابل رفض الكشف عن اسمه، أن "أحد الحاضرين في باكو، من الفريق العراقي المفاوض من أجل إدراج بابل على لائحة التراث العالمي، حين كان محافظًا لبابل، أغلق مداخل المتاهات في المدينة الأثرية بالثرمستون (مادة تستخدم للبناء)، بعد أن رفعت له لجنة حماية الآثار تقريرًا أشارت فيه إلى ضبط عدد من الأشخاص بوضع غير أخلاقي داخلها".

اقرأ/ي أيضًا: نوتردام والثور المجنح.. لماذا سكت العالم عن "اغتصاب بلاد الرافدين"؟

يقول المصدر لـ "ألترا عراق"، إن "الأشخاص الذين ضبطوا كانوا يتبادلون القبل، ومن الطبيعي أن يقتنص السائحون الأجانب مثل هذه الفرص للتقبيل إذا ما حدث تدفق سياحي إلى بابل، فكيف ستتعامل مثل هذه العقليات مع شروط السياحة في بابل؟".

وعلم "ألترا عراق" من مصادره أن المسؤولين في بابل رفعوا مادة الثرمستون التي أغلقت بها المتاهات قبل مجيء اللجنة المختصة الخاصة لتقيم الأوضاع في المدينة الأثرية بهدف رفع توصياتها إلى المنظمة. فيما رصدت عدستنا آثار بقايا الثرمستون في إحدى مداخل المتاهات.

بقايا أحجار "ثرمستون" كانت تغلق متاهات بابل (الترا عراق)

بابل أمام "معضلة"!

وعلى الرغم من التخصيصات التي تحدث عنها وزير الثقافة عبد الأمير الحمداني، والتي تبلغ 200 مليون دولار من أجل بابل، وبيان البنك المركزي العراقي الذي أعلن فيه "تخصيص مبلغ مليار دينار عراقي من حساب مبادرة تمكين، تُصرف للإيفاء بمتطلبات إدراج آثار بابل على لائحة التراث العالمي"، إلا أن مشكلة أكبر تواجه بابل ومدينتها الأثرية.

حيث اشترطت منظمة يونيسكو على العراق، إزالة كافة المخالفات عن المدينة، والأبنية الجديدة التي غيرت معالم المدينة القديمة، ضمن شروط إدراج المدينة على لائحة التراث خلال موعد أقصاه شهر شباط/فبراير من عام 2020.

يقول حيدر العميري، أحد سكّان بابل، إن "خبر الإدراج مفرح كحالة عامة، لكنه يحمل معه تحديات كبرى، فنحن بحاجة إلى تثقيف المواطن البابلي أولًا بأهمية المدينة، كما لا أظن أن المتصدين للمسؤولية بإمكانهم مواجهة هذه التحديات"، فيما رأى أن "التحدي الأهم حاليًا هو شرط إزالة التجاوزات الذي وضع في الموافقة على الإدراج، وهو شرط من الصعب تحقيقه".

يضيف العميري في حديث لـ "ألترا عراق"، أن "هناك تركة ثقيلة من التجاوزات على المدينة سواء من الحكومات أو من الأفراد، إضافة إلى وجود معلم ديني (مرقد) داخل المدينة الأثرية"، معربًا عن أمله بـ "وضع خطة مدروسة من أصحاب الاختصاص تُرفع إلى مسؤولين تنفيذيين يتحلون بالجدية والقدرة على تطبيق الخطة".

إهمال.. على غرار الأهوار

كانت منظمة يونسكو قد أدرجت مواقع الأهوار على لائحة التراث العالمي، إلا أن تلك المواقع لا تزال تعاني إهمالًا كبيرًا وتواجه خطر الجفاف، وهو ما لا يدعو إلى التفاؤل كثيرًا بشأن مستقبل المدينة الأثرية في بابل، كما يقول الناشط أحمد البزورني، معربًا في حديث لـ "الترا عراق" عن أسفه لـ "استمرار تردي تلك المواقع وغياب مشاريع تطويرها أو الترويج لها بالقدر المناسب على أقل تقدير، حتى بعد أن باتت محط اهتمام عالمي"، مشيرًا إلى ضرورة أن "تعي الجهات المعنية أهمية هذه المناطق باعتبارها إرثًا حضاريًا مهمًا للعراق أولًا، وموردًا اقتصاديًا لا حدود له، فضلًا عما ثمله من أهمية لصورة البلاد أمام العالم".

أمام المسؤولين خمسة أشهر في أفضل الأحوال لإزالة التجاوزات عن أقدم الحضارات البشرية ومن ضمنها "الثرمستون" ومرقد ديني   

وأمام المسؤولين العراقيين خمسة أشهر في أفضل الحالات، لإزالة التجاوزات التي لا تُرهق المدينة وتضفي طابعًا متخلفًا عليها فحسب، بل تحول بين أول حضارة علّمت البشرية القراءة والكتابة وبين لائحة التراث العالمي.

يشار إلى أن العراق يضم خمسة مواقع مسجلة لدى اليونيسكو، بينها قلعة أربيل التي أدرجت في عام 2013، والأهوار في عام 2016، يضاف إليها موقع الحضر، شمال غربي العراق، المهدد بالخطر بحسب يونيسكو، وتم تسجليه عام 2005، وهناك أيضًا مدينة سامراء الأثرية التي أدرجت في عام 2007 على لائحة التراث العالمي المعرض للخطر بحسب المنظمة.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

هدمها "جنود البغدادي" ولن تعود.. معالم اختفت من نينوى

بإهداء نبوخذ نصر ورسوم الآلهة البابلية.. قطعة عمرها 3000 عام تعود إلى العراق