تحديات جسيمة ورهانات غائبة

تحديات جسيمة ورهانات غائبة

المجتمع العراقي بعمومه لا يبحث عن بديل ()

ثمة علاقة اعتمادية بين السلطة السياسية والسلطة الاجتماعية يكمل بعضهما بعضًا. كلاهما يتبادلان أدوار الاستبداد؛ ما تعجز عنه الأولى تكمله الثانية! فالمجتمع ليس بريئًا من شيوع حالة الاستبداد. نتلمّس هذه الحالة في كل مسامات حياتنا اليومية، في حواراتنا اليومية، مناسباتنا العامة والخاصة، وفي علاقاتنا الاجتماعية. تبدو الخصوصية في المجتمع العراقي أمر نادر وغريب، حتى أن الكثير يتدخل في نوعية ملبسك وطبيعة علاقاتك الاجتماعية. أكثر من ذلك، فئات ليست بالقليلة تتخذ من الرجولة والشجاعة وحسن الكلام شروط أساسية لرئيس الحكومة، كما لو أننا في مجتمع "زعران"؛ يتولّى المنصب من هو أكثر شراسة وعدائية.  

المجتمع المهزوم مجتمع يتخذ من الشعور بالدونية نقطة مرجعية لا يتخلّى عنها إلّا ببديل مقنع

لا حلول سريعة إلّا بإنشاء بنية تحتية رصينة للتعليم، وسياسة رصينة تستمد شرعيتها من قيم المواطنة. لقد أعادت الصين نظامها التعليمي عشرات المرات، إلى أن وصلت للنقطة المثالية التي يكون فيها التعليم أحد روافد النهضة الصينية. وتحتل اليوم بعض الجامعات الصينية مرحلة متقدمة عالميًا. والفارق بين الصينيين وبين المٌسَيَّس العراقي، إن الأول آمن بتاريخه الحضاري وثروته البشرية، في حين ظل الثاني يضمر العداء لتاريخه وشعبه، أما الثروة الطبيعية والبشرية فهي ليست سوى أدوات قمار يتلاعب فيها متى شاء، خصوصًا حينما يتوفر له غطاءً شعبيًا واسعًا! المهم في الأمر يبقى التعليم أحد الرهانات المهمة لتحسين مستوى الفرد العراقي؛ ذلك أنه كلما ازدادت نسبة التعليم ازدادت معها نسبة الوعي السياسي والاجتماعي، وبالطبع لا أقصد تعليمنا الحالي الذي حوّل المؤسسات التعليمية إلى مطابع للشهادات الجامعية. وبالتالي ينتج لنا مجتمعًا مهزومًا ومنقسمًا على نفسه وغارقًا في العدمية.

اقرأ/ي أيضًا: غصون الطائفية المتفرّعة وأرجوحة الفاسدين

المجتمع المهزوم مجتمع يتخذ من الشعور بالدونية نقطة مرجعية لا يتخلّى عنها إلّا ببديل مقنع. لكن المصيبة الكبيرة، إن المجتمع العراقي بعمومه لا يبحث عن بديل، بل سيحاربه بشتى السبل لإسقاطه وتشويه سمعته. ثقافة أدمنت على عبادة الرمز، ولا تؤتَمَن على مصالحها، ولا يدخل العيش الكريم في سجلّ أولوياتها. معظم الشعوب تبحث عن الحياة السعيدة والعيش بأمن وأمان والمطالبة بحقوقها، غير أن الكثير من الفئات الاجتماعية في العراق لها رأي آخر في هذه القضية؛ سيختلقون عشرات الأعذار ويغلفونها بالحجج المنطقية لكي يبرروا قناعتهم بالعيش الذليل. جرّب أن تتورط في قضية مذهبية أو عشائرية وسترى طبيعة المجتمع على حقيقتها بلا رتوش!

لو تصفحنا سجّل الأولويات لكثير من العراقيين، سنجدها قائمة على دعامتين:

  • أولًا: إدامة زخم الطقوس المذهبية؛ زيارات الأئمة، والاحتفال بمواليدهم ووفياتهم. وإذا ما أرادت هذه الحشود الغفيرة أن تلبي نداء الواجب الوطني المقدس، فلا تتحرك إلّا من باب العقيدة. بتعبير آخر: إن العقيدة العسكرية لمعظم العراقيين تنطلق من أسس مذهبية محضة تحركها الفتوى الدينية. وفي ظل انعدام مؤسسات الدولة تبقى العقيدة المذهبية هي المحرك الرئيسي لمجمل فعالياتنا الاجتماعية. هل ستتغير هذه المعادلة في ظل وجود دولة قوية؟ قد نتسرع بالجواب بالإيجاب، فالسؤال سابق لأوانه بكثير! وهذا الكلام لا ينطلق من وجهات نظر متعسفة أو من آليات جامدة لا وجود لها في الواقع؛ المجتمع العراقي مختبر كبير ومفتوح، يمكنك أن تكتشف هذا الشيء بنفسك، فنحن بالنتيجة لا نتكلم عن حادثة تاريخية، بل عن معضلة كبيرة وشديدة الراهنية.
  • ثانيًا: إدامة الطقوس العشائرية؛ النزاعات المستمرة بين مختلف العشائر، المناسبات الاجتماعية كالأفراح والأحزان وغيرها. وأسميتها بالطقوس العشائرية لأنها لا تختلف من حيث قوة الولاء وديمومة التقاليد والحفاظ عليها. وكل الوقائع تخبرنا أن هذه التقاليد تشكّل قوة موازية لقوة الدولة. وبالطبع لا تطلب منك العشيرة مؤهلات أكاديمية عالية، يكفي أن تعلن لها الولاء الكامل فتدخل في حمايتها التي تعادل حماية الدولة. بل من الصعب للغاية تدخل الدولة في فض النزاعات العشائرية، فمن هذه الناحية تبدو الدولة ضعيفة ومجاملة إذا تعلّق الأمر بالمذهب والعشيرة. (وقد نسلط الضوء على مشكلة العشائر في مقالة أخرى).

هل ثمّة من يبحث عن التغيير في هذا البلد العجيب؟ نعم، ويمكن تقسيمهم، ليس على سبيل الحصر، إلى ثلاث فئات:

  • الأولى: وظيفتها التذمّر والعدمية واللا جدوى، وإن لم تجد ضدًا يغازل عاداتها السلبية فسوف تختلف مع نفسها! وهذه الفئة كبيرة وواسعة وتعبر عن لسان حال الكثير من العراقيين. يمكنهم أن يشتموا الساسة في البيوت والمقاهي وسيارات الأجرة والأسواق العامة، لكن لا تأثير لهم على أرض الواقع، فهم ينتظرون لمن تتوفر فيه شروط الهيمنة، فيتحول تذمرهم وعدائهم إلى ولاء على الفور!
  • الثانية: وهم فئة الشجعان المستبسلون من الأجيال الجديدة. ويتمتعون بسلوك صدامي عنيف، ولا يقيمون وزنًا لعنف السلطة، ويشكلون مصدر خوف وإزعاج لمن تكتريهم السلطة. غير أنهم انفعاليون وحماسيون، ولا يبدون أي اهتمام يذكر في التفكير والنظر لمستويات بعيدة. ويمكنهم أن يشكلوا قوة هائلة لو وجدوا النخبة الوطنية التي تشرف على تنظيمهم وتدريبهم وحثّهم على الممارسة السياسية. هؤلاء هم الثروة الوطنية التي تصر السلطة على قتلهم وتهجيرهم واختطافهم.
  • الثالثة: وهم العقلانيون الذين يجيدون التفكير. هؤلاء لا يحظون بالاهتمام والاحترام، كما لو أنهم يصرخون في الوديان، ولا أظن الوقت قريب لتغيير هذه النظرة. حينما يتضخم ويتنامى الحس الشعبوي وتهمين الغرائزية والحماس، فعلى العقلانية السلام!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الأجيال الجديدة: لحظة في وجه الذاكرة!

في سنوية تشرين الأولى.. شعلة وسط العتمة