تشرين.. تنظيمات فتيّة وجمهور مثالي

تشرين.. تنظيمات فتيّة وجمهور مثالي

للأحزاب الحاكمة المال والسلطة ولنا "فيسبوك" (فيسبوك)

لا أدري حتى هذه اللحظة عن المعايير المثالية التي يمكنها إرضاء السواد الأعظم من مؤيدي الحراك التشريني. عادة ما ينشط هذا الجمهور في مواقع التواصل الاجتماعي ويعبّر عن سخطه المستمر عن سياسات السلطة الحاكمة، ويترجم أحلامه المشروعة في صفحات "فيسبوك"، ويطالب بدولة عَلمانية، وتنظيمات ديمقراطية، وقانون يصون الحريات وكرامة الإنسان. ومنذ زمن بعيد ترجم هذا الجمهور مجمل نشاطاته السياسية على شكل مدونات شخصية يعبر فيها عن امتعاضه الشديد ضد الفساد، والطائفية، والموت المجاني، وضياع الحقوق، ونحن نكتب هذه الكلمات ينبغي ألا ننسى حجم التحديات والمخاطر الجسيمة التي يتعرض لها كل من يعارض هذا النظام، والحدث التشريني ليس ببعيد، إذ سقط عشرات الشباب ليس لشيء سوى أنهم طالبوا بحياة كريمة تليق بهم كبشر.

 أفرز لنا حراك تشرين أغلبية صامتة يمكنها أن تغيّر المعادلة ولو نظّمت نفسها فستساهم في نجاح التنظيمات المستقبلية التي تولد من رحم الحراك التشريني

إذن، الاستثناء الذي قلب المعادلة هو حراك تشرين؛ إذ آزر هذا الجمهور الحراك التشريني بمزيد من الدعم؛ بالمشاركة الميدانية من جهة والعالم الافتراضي من جهة أخرى. وحين تنتهي غضبة الجماهير تأتي الخطوة الثانية وهو التنظيم السياسي الذي يترجم هذا الغضب العارم لكي لا تضيع الحقوق ونعزز روح الإحباط لدى الغالبية العظمى من الجماهير المتعاطفة مع هذا الحدث المميز في تاريخ العراق السياسي. وقد كتبنا عدّة مقالات عن جدوى التنظيم وضروراته، ولم نغفل عن خطورة الوضع وخياراته المعقدة في بلد مثل العراق يحفل بتاريخ مرعب من القسوة والعنف. تاريخ كُتبت صفحاته بالدم والدموع، ولم يشهد تحولًا ديمقراطيًا وانتقالًا طبيعيًا للسلطة، بقدر ما كانت الأمور تذهب للخيار الوحيد الذي خبرناه دومًا: الانقلابات الدموية والتنكيل بالخصوم السياسيين بمختلف الذرائع. ولم نغفل كذلك من توجيه بعض الملاحظات النقدية التي تصب في صالح شباب تشرين، ذلك أن النقد يفتح إمكانات جديدة للفكر والحياة.

                                                        قناتنا على تلغرام.. تغطيات مُحايدة بأقلام حرّة

 وحتى هذه اللحظة، وبالمجمل، لا زالت هذه المعادلة سارية المفعول: للأحزاب الحاكمة المال والسلطة ولنا "فيسبوك". لكن، وفي هذه الأثناء، حدث بعض الاستثناء متمثلاً ببعض الشباب الذين نظموا أنفسهم للانخراط في صفوف المعارضة، لأنهم يعلمون علم اليقين لا نتيجة مرجوة للمشاركة في العملية السياسية. فساروا في هذا الطريق مدركين تمامًا خطورة الوضع وقلة الإمكانات وضعف الخبرة. وكان معظم رهانهم ينصبّ على هذه الجماهير الغفيرة التي ساندتهم في ساحات الاحتجاج؛ فقد أفرز لنا حراك تشرين أغلبية صامتة يمكنها أن تغيّر المعادلة، ولو على المستقبل البعيد، فيما لو نظّمت نفسها فستساهم في نجاح التنظيمات المستقبلية التي تولد من رحم الحراك التشريني، وتتحول إلى حاضنة شعبية مهمة لهذه التنظيمات الفتية التي تبحث عن نقطة ضوء في هذا النفق المظلم.

غير أن هذا الجمهور ظل وفيًا لعاداته القديمة؛ العدمية، والتشكيك، والتهكم، والاتهام، تاركين هذه التنظيمات في ذمة المجهول. علمًا أن الكثير من هذا الجمهور الغاضب كان يطالب بتنظيم سياسي يحفظ للحراك التشريني ديمومته. ولكي لا تنفرط هذه الكتلة الجماهيرية الغاضبة، وتتعرض لرِدة دكتاتورية عنيفة تحرق معها الأخضر واليابس، حذرنا مرارًا وتكرارًا عن هذا الخطر الوشيك الذي يهدد هذا الحراك، وطالبنا بالإسراع بتنظيم التشرينيين لأنفسهم قبل فوات الأوان، ولم نحصد من هذه المطالبات سوى الشتائم والتخوين والتهكم، لأننا، وبزعمهم، نجامل الصدريين كثيرًا، نظرًا لتحذيراتنا المستمرة عن قوة الصدريين السياسية والاجتماعية. ولا زال البعض من هؤلاء مصرًّا على هذه الخطاب المخجل. لم تتوقف هذه الشتائم على بعض الناس بل حتى بعض الأفراد المنخرطين الآن في بعض التنظيمات. على أي حال، ينبغي ألا ننشغل بهذه التداعيات النفسية، بل علينا، وإلى أقصى حد، دعم هذه التنظيمات الفتية وهي في بداية طريقها، ولا نعطي لأنفسنا أهمية مبالغة بها، ففي نهاية المطاف نحن لا نكتب لأشخاص بل لمواقف وأحداث تصب في مصلحة الناس. أما المواقف الشخصية في ميدان العمل الفكري فهي ليست سوى أنانيات شخصية، لا تشكّل أهمية تٌذكر مقارنة بالنظر للأهداف السامية التي تأبى الدخول في هذه النزاعات الصبيانية المخجلة.

اقرأ/ي أيضًا: شجعان التحرير.. بين شبح الاستبداد وقلق التنظيم

بيد أن جمهورنا الغاضب، كما عوّدنا دومًا، يبحث دومًا عن تنظيمات ميتافيزيقية لا وجود لها في الواقع؛ مكانها في الذهن فقط، تعبر عن نفسها بطرق مثالية وتجريدية يصعب ترجمتها على أرض الواقع. إنهم يبحثون عن تنظيمات معصومة، والحال لا يوجد تنظيم معصوم، بل يوجد تنظيم سياسي جديد يسعى للتعلم من التجارب. ولا أدري بالضبط متى تم اختبار هذه التنظيمات لكي يحق لنا التذمر والرفض. وإذا بقيت عاهة إطلاق الأحكام متفشية بين أوساط هذا الجمهور فعلينا ألا نتفاءل كثيرًا. وإذا تسرب الإحباط لدى القائمين على الأمر فهي مقدمة خطيرة لتنامي العدمية بين أوساط الجماهير المؤيدة. لكن اعتادت ثقافتنا المتطرفة أن تسارع في إطلاق الأحكام بدلًا من التفكير المتأني. نعم ليس كل الناس تفكّر، لكنّهم ليسوا بالضرورة أعداء لبعضهم البعض أمام قضاياهم المصيرية، خصوصًا حين يسعون دائمًا للتمايز عن التنظيمات العقائدية.

 ليست ثمّة ضمانات أكيدة للنجاح، فالعمل السياسي شائك ومعقد لدرجة الإحباط في كثير من الأحيان، وفي العراق ليس العالم ورديًا على الإطلاق. وبالطبع لا نعطي بهذا الدفاع تبريرًا للانحرافات التي قد تحدث في المستقبل، لكننا نتحدث عن اللحظة الراهنة بكل شجونها وخياراتها الصعبة؛ أحزاب مهيمنة، وعصابات، ومافيات خطيرة، ودعم داخلي وخارجي لهذه السلطة المهيمنة. ويبدو أن جمهورنا الغاضب لا يضع كل هذه التحديات موضع الجد، فهو يكتفي بالتذمر فحسب نظرًا للإغراء الذي تعززه مواقع التواصل الاجتماعي. على طول تاريخنا السياسي لم ننجح لمرة واحدة من تفنيد هذه الحقيقة، وهي أننا أعداء لبعضنا بامتياز، أعداء لدرجة اهتمامنا بالمواقف الشخصية مفضلين إيَاها على العمل المؤسسي. ثم يحلو لنا التميّز على الآخرين بدعوى العَلمانية، والحرية، والديمقراطية، ونحن لا نحسن الحوار الديمقراطي فيما بيينا.

 مرة أخرى، مؤكد لا أحد يتسامى عن النقد بكل تأكيد. لكن ثمة فارق كبير بين التذمر والعدمية واللا جدوى وبين والنقد. هذا هو الموجود، وهذه هي أقصى الإمكانات المتاحة،  فنحن نعيش وسط مجتمع تقليدي، تحتل الولاءات العقائدية جزءًا كبيرًا منه، فأي محاولة خارج هذه الأسوار العقائدية فهي خطوة جيدة ومغامرة فريدة وإن لم تعجبنا نحن الذين لا نجيد سوى لغة الشتائم والسباب. ينبغي قبل كل شيء أن نصغي لهذه التنظيمات الفتية ونشكل معها علاقات اجتماعية منتجة، فالتعارف مهم للغاية، ولا أقصد هنا التعارف من خلال منصات التواصل الاجتماعي، بل التعارف على أرض الواقع، فكلام "فيسبوك" يمحوه النهار.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التنظيم السياسي.. وقاية من الدكتاتورية المضادة

أحزاب "عملية" وجماهير عقائدية