16-ديسمبر-2020

المسار العراقي يستدعي الخواء في مؤسسات الدولة (فيسبوك)

كُتب الكثير عن "فرض" الديمقراطية فرضًا على بلداننا العربية سواء عبر تأثيرات خارجية أو ضغوط داخلية، ومقارنة ذلك بتاريخ الديمقراطية الغربية الذي أخذ يتطوّر تدريجيًا مع نضالات ونجاحات وانتكاسات وصراعات متعددة الاتجاهات. ولعل التجارب العربية خصوصًا في ثورات 2011، أزالت الكثير من الفروق بين الديمقراطية الناشئة من الخارج نحو الداخل، أو من القاعدة الشعبية الداخلية نحو الهرم السياسي، واستدعت مآلات الديمقراطية المصرية الجديدة والثورة المضادة وعودة الاستبداد، إعادة التفكير في نقد النظام العراقي الذي يُعزى سبب فشله إلى استنساخ الديمقراطية الغربية وتطبيقها في بلادٍ خرجت للتو من حقبة دكتاتورية طويلة الأمد، بالذات حين احتفلت نخبٌ سياسية مصرية بالانقلاب وعدّته خيرًا من حكم "الخصوم" الإسلاميين الذين تولوا الحكم عبر صناديق الانتخاب، ليؤشر ذلك خللًا بنيويًا في ذهنية ونفسية النخب العربية بغض النظر عن "شكل الطريق" إلى الديمقراطية، وإن كان نوع الطريق سيفرز نتائج مغايرة بلا شك.

التخادم بين القوى الشيعية والسنية والكردية استدعى وجود تدخل خارجي "يرعى" مصالح تلك القوى، فباتت التعددية سُمًّا تتجرعه الكتل مرغمةً للبقاء

في العراق، "تورّطت" الأحزاب والشخصيات السياسية بالنظام الديمقراطي أو قُل الدستور الديمقراطي الذي يفرض نفسه بطبيعة الحال، ويعيق "بعض" تحركاتها، ويضّطرها لبذل المزيد من الجهود للبقاء في السلطة، وتَجرُّع وجود أحزاب أخرى وصحافة ومنظمات حقوقية وغير ذلك بما يسمح فيه الدستور.

اقرأ/ي أيضًا: "الماكياج" والحياء يسقطان في السليمانية وبغداد

حاولت القوى الشيعية والكردية الاستفادة القصوى من النظام الجديد، الأولى متسلحةً بأغلبيتها التي تتيح لها الاستحواذ على الحُكم بالانتخابات، والثانية بابتزاز الأولى والحصول على المزيد من المكاسب مقابل الدعم السياسي والبرلماني؛ لكنهما – كما أثبتت الوقائع لاحقًا – غير مؤمنيَن بالديمقراطية.. ناهيك عن القوى السنية التي رفضت النظام منذ البدء ثم ولجته للحصول على حصصها.

فُرض النظام عن طريق دولة خارجية، والتخادم الذي أشرنا له أعلاه استدعى وجود تدخل خارجي "يرعى" مصالح تلك القوى، فباتت التعددية سُمًّا تتجرعه الكتل مرغمةً للبقاء. إنها حالة شبيهة بما يشير إليه موسى البديري في "الديمقراطية وتجربة التحرر الوطني" في وصف التعددية الفلسطينية التي فُرضت عبر تدخل العراق وسوريا من خلال منظمات وفّرت لها الحماية، ما اضطر منظمة التحرير إلى إرضاء تلك المجموعات وإتاحة الفرصة لها للتحرك السياسي.

رغم الفارق بين الحالتين، النضالية ضد الاحتلال والتي لا تشترط الديمقراطية بالضرورة في حالة منظمة التحرير الفلسطينية؛ وبناء الدولة الجديدة بعد الهدم، التي تشترط القبول بقواعد الديمقراطية مثل حالة عراق ما بعد 2003، نقول، رغم الفارق بين الحالتين إلا أن التشابه في "التعددية المفروضة من الخارج" يبدو واضحًا، وقد ينتج عن ذلك ذات النتائج كما سنرى.

إن الديمقراطية، والتعددية على مستوى الرأي مثلًا، تغيب عن الأحزاب ذاتها، فهي لا تجري انتخابات دورية، وموقع الزعيم والقائد والرئيس لن يتغير بتغيّر آراء أعضاء الحزب أو وجهة نظر الجمهور بأداء الحزب، وتلك القوى وزعاماتها لا ترى في العمل السياسي الديمقراطي إلا قدرًا مفروضًا لم تستطع حتى الآن التخلّص منه، وهي تنزع هذا الرداء حالما انتفضت الجماهير، أو تصادمت مع بعضها البعض كما حدث في تشرين الوسط والجنوب وكانون الشمال. ولعل عدم وجود رئيس وزراء منتخب من أغلبية الشعب وممثليهم، خير دليل على عبثية الانتخابات في العراق.

المسار العراقي يستدعي الخواء في مؤسسات الدولة وضعف أدائها

بالنتيجة، انعكست توجهات الأحزاب الرئيسة في البلاد على واقع المؤسسات التي باتت ثكنات أو شركات لهيئاتها الاقتصادية، وأصبحت المؤسسات التشريعية والتنفيذية فارغةً من محتواها. "خُلق فراغ في قمة السلطة، أخذ يملأه رجل واحد"،  والاقتباس للبديري في ذات الكتاب، واصفًا الديمقراطية الفلسطينية في لبنان، وقد "حل الزعيم محل المؤسسة". والمسار العراقي ليس ببعيد عن ذلك، حيث يستدعي الخواء في مؤسسات الدولة وضعف أدائها وتعثّر التجربة الديمقراطية الحاجة لقائد، زعيم، يغذّي عطش الجمهور لوجود فعالية سلطوية بدلًا من تعددية فوضوية، لتملأ الدكتاتورية فراغ الديمقراطية.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الحركات المتشددة.. معادلة الأتباع و"الآخر" (1ـ2)

الحركات المتشددة.. معادلة الأتباع و"الآخر" (2ـ2)