جيل

جيل "البوبجي والعطواني": نقطة التحوّل الوطني!

رفع الشباب في الاحتجاجات الأخيرة الأعلام العراقية فقط وهو الأمر المختلف عن مرحلة ما بعد الاحتلال (Getty)

شكّلت مسيرة الاحتجاجات الأخيرة نقطة تحوّل كبرى في مسار الوعي السياسي لدى الشباب العراقي، كانت بجهود ذاتية انطلقت من ضرورة ملحة لدى الفرد بالمطالبة بحقه كمواطن له حقوق مقدسة قد غيبتها الكتل السياسية التي تسيطر على المشهد منذ الاحتلال الأمريكي لليوم.

في الاحتجاجات الأخيرة تلاشت فكرة الانتماء والولاء الطائفي تجاه الرغبة المتوقدة بالهوية الوطنية التي تعبر عن الرفض لأي تدخل في الشأن العراقي

لم يشهد الميدان في تاريخ الاحتجاج الحديث فئة شبابية مجردة من كل الأيديولوجيات التي كانت تعتمدها الكتل لتحريك الشارع، فقد ذاب المقدس بمقابل الحقوق، وتلاشت فكرة الانتماء والولاء الطائفي تجاه الرغبة المتوقدة بالهوية الوطنية التي تعبر عن الرفض لأي تدخل في الشأن العراقي. إنها صورة الشعور بالمسؤولية، لوحة وطنية تبعث الأمل في النفوس التي اتعبتها المحاصصة.

اقرأ/ي أيضًا: "لا علمانية ولا دينية".. عراقية هويتها الحقوق!

انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر خلقت تصورًا جديدًا لمسار العمل السياسي وطبيعة العلاقة بين الفرد والحزب ديني أو السياسي، سقطت أسطورة الخط الأحمر والمقدس بمقابل قوة الحقوق والمواطنة. هي حسابات جديدة فرضها جيل "العطواني والبوبجي" أعقد من كل التي مررنا بها في تاريخ العراق الحديث.

إن "الزعامة والقداسة" مقابل الحقوق، أوهام صنعتها الأحزاب الطائفية لترسيخ جذورها في السلطة. ولم تستطع التحايل أو إسكات هذا الجيل الأكثر جرأةً في التعاطي مع الأساليب القمعية التي واجهوها بشكل مذهل ومنقطع النظير، حراكهم كان الأقوى تأثيرًا في زعزعة بنيان السلطة الفاسدة لأنه لا ينتمي لنظرية الطاعة العمياء ومقولة نفذ ثم ناقش، لم يتربّ على حلقات الدرس الحوزوية أو الجلوس في سناتر جامعات العالم المتطور، لم يقرأ فلسفتنا أو ما وراء الفقه، جيل تكنولوجي لا يعي غير مفهوم السرعة والاستجابة والتكنيك، ويعيش بين أحلامه في عيش شرف التحول التاريخي والوطني.

جوبهت ساحات الاحتجاج بعنف مفرط ليس انطلاقًا من الإحساس الفعلي لخطر يهدد الدولة كدولة لها إيقاعها السياسي، بالرغم من كونها لم ترق إلى هذا المستوى بمعناه الحقيقي، وإنما من باب تقويض السلطة التي تدير هذا البلد وتعيث به فسادًا ومحاصصة ومغانم، كما لو كان سوقًا للنخاسة. كل أشكال التخوين ونظريات المؤامرة كانت حاضرة لقمع صوت المتظاهر للتقليل من شأن الظاهرة المنبثقة من ركام المعاناة والبؤس والخذلان لسنوات عجاف تمثلت بحكم "أحزاب الإسلام السياسي" رغم فشله المتكرر.

بدا واضحًا أن هناك سلطة وحشية تقف وراء شكل الحكومة البريء الظاهر في الإعلام، هذه السلطة يديرها رجال ملثمون، يمثلون أدوارًا إجرامية بلا اعتبار للنتائج المترتبة، المهم أن يبقى نظام المحاصصة على قيد العمل. ولا ندري كيف لنظام سياسي متهالك بلغ مرحلة من التعقيد السياسي أن يبقى صامدًا إلى هذا الحد؟! أنهم لا يعون ما سينتجه القمع. 

هناك سلطة وحشية تقف وراء شكل الحكومة البريء الظاهر في الإعلام، هذه السلطة يديرها رجال ملثمون، يمثلون أدوارًا إجرامية بلا اعتبار للنتائج المترتبة

يتكأ هذا النظام على ركيزتين أساسيتين يغذيانه ليبقى كما هو (أمريكا - إيران) وعلى جثة هذا الميت تلتقي مصالح الخصوم، ومصائب قوم عند قوم فوائد، إذ لا يكاد يخرج أي قرار إلا بعد أن يخضع تمامًا لرأي هاتين القوتين، نحن نرزح تحت وطأة غزو سياسي يصادر كل صوت وطني يهتم لشأن هذا البلد، وبقدر ما نهتم برفضنا للتدخل الإيراني، ينبغي أن لا يختلف عن رفضنا للأمريكي والسعودي والتركي، ولأي شكل من أشكال التدخل، نريد سيادة مكتملة لصنع قرارنا العراقي لترتيب الأولويات وتضميد الجراح.

وفي الواقع، بعد الذي حدث عاد الأمل مجددًا ليفرض تصورات جديدة تدفع باتجاه إعادة النظر كليًا بالنظام السياسي وكل ما يتعلق به من دستور ومؤسسات، وهو الذي ترجمته دماء الشباب على أعتاب السلطة القمعية في انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

سحل العملية السياسية ونهاية العقد "السفاهتي"

انتفاضة الغضب: حين يُفقد الوطن والأمل والعمل!