خصومات مزمنة ومعارك ذهنية

خصومات مزمنة ومعارك ذهنية

المطالب التي يترقب الشباب لتحقيقها تحتاج إلى التنظيم أولًا (Getty)

بعد هذه السنين العجاف التي أفرزت لنا ثلاثة حركات احتجاجية، وأعني بها، حراك 2011، 2015، وانتفاضة تشرين التي فاقت التصورات، وهي الأقوى كميًا وكيفًا: عدد من الشهداء والجرحى، هو الأكثر، ولا زال نزيف الدم جاريًا، وصفة نكران الذات هي الميزة التي طبعت هذه الانتفاضة. إنّها الأكثر نقاءً مقارنة بالاحتجاجات السابقة بشهادة الكثير.

كلّنا تقدميون ونكره الرجعية المتمثّلة بالأحزاب الدينية الحالية ونتمنّى استبدالها بأحزاب تقدمية علمانية. لكن لم نفرز قيادة واضحة، أو تنظيم سياسي موازٍ لهذه التنظيمات المتواجدة في الحكم

من خلال تتبعي لسير أحداث الاحتجاجات الثلاثة، أستطيع الجزم بحقيقة مفادها: نحن "المعارضون"، كلّنا نتفق أن ثمّة خلل بنيوي في هذا النظام القائم على التقسيم الطائفي. كلّنا نسعى إلى تغيير هذا النظام، ضمن الطرق الشرعية المسموح بها. كلنا نطمح بنظام عادل، ومؤسسات عصرية، وفصل حقيقي بين السلطات، ودولة عًلمانية، وتبادل سلمي للسلطة، ومجتمع مدني ونحو ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: التنظيم السياسي.. وقاية من الدكتاتورية المضادة

بتعبير آخر: كلّنا تقدميون ونكره الرجعية المتمثّلة بالأحزاب الدينية الفاسدة والفاشلة في إدارة الحكم، ونتمنّى استبدالها بأحزاب تقدمية عًلمانية. لكن.. لم نفرز قيادة واضحة، أو تنظيمًا سياسيًا موازيًا لهذه التنظيمات المتواجدة في الحكم. بل ساهمنا، بشكلٍ وبآخر، في نشر غسيلنا علنيًا في العراء، وأقدمت السلطة في حينها باستبدال جلودها لتعلن "مدنيتها" بكل أريحية!

لم نتجاوز حساسياتنا الشخصية، وتخويناتنا المستمرة، وتبادل الاتهامات، وإلقاء اللوم على بعضنا البعض، كتبرير لإخفاقاتنا المتوالية. لم يتوحّد خطابنا السياسي حتى هذه اللحظة؛ فمن يتصدّى لمهمة توحيد الجهود سيصطدم بأهواء عنيفة، لا يهدأ لها بال إلا باتهامه وتخوينه وتسقيطه. والطاقة الحماسية التي أهدرناها بالاتهامات المتبادلة كانت كافية لتنظيم أنفسنا، لكننا فضّلنا الفوضى بدلًا من التنظيم. والمفارقة هنا: إن كل هذه الفترة العصيبة لم تفرز لنا شخصية قيادية واحدة تلتف حولها الجماهير، الأمر الذي له أكثر من مغزى ويشير بوضوح إلى فقرنا السياسي مقارنة بكفاحنا الحماسي المشتت.

إذا كان الصدريون خصومنا السياسيين، فلننافسهم سياسيًا بتنظيم يتفوّق عليهم تنظيرًا وسلوكًا. بمعنى أن يتفوق أداؤنا السياسي مقارنة بهم، لكي نحقق النموذج المطلوب، بدلًا من حصر المعارضة معهم بالجانب النفسي؛ فنحن نطمح بمنافسة الصدريين سياسيًا وليس نفسيًا، ذلك أن هذا التناحر النفسي والفارغ وغير المنتج سيجعلنا ندور في حلقة مفرغة ومؤلمة اسمها الصدريين. أكثر من ذلك، سنرسم صورة سلبية عنّا في ذهنية الجماهير، وسنتحوّل إلى مادة للتهكّم.

ستدفعنا هذياناتنا إلى أن نكون عبارة عن حشود شعبوية ثرثارة، تتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي نقطة انطلاق لدعم غرائزها المنفلتة، ولا يمكنها، الائتمان على مصالحها، وتعجز، بل وتصاب بالشلل، في إثبات تفوقها على خصومها، وتغرق في نرجسيتها الطفولية. وفي نهاية المطاف سيتم تجاهلها ويكون الأوان  قد فاتها في تصحيح المسار.

وعلى سبيل المثال؛ في السنوات الخمس الماضية، لو استثمرنا خلافاتنا مع الصدريين، باعتبارهم قوّة سياسية نختلف معها، وأثبتنا لهم أننا أكثر تقدمية منهم، وأكثر بصيرة في استشراف الأمور مقارنة بهم، وبما أننا نتمتع بوعي سياسي مميّز، فكان الأفضل لنا وللجماهير"العَلمانية" أن نمثّلها بتنظيم سياسي. نحن نصرّح دائمًا، سرًّا وعلنًا، بنزاهتنا ووعينا العميق مقارنة بهذه القوى السياسية التي نختلف معها، غير أن الكثير من الناس لا زالوا في ردهة الانتظار لإثبات صحّة هذا المدعى.

لقد انشغلنا بخصومات وملامات وعراكات صبيانية كانت سببًا جوهريًا في احتقار السلطة لنا لأنها أدركت رخاوتنا وضعفنا وعلى أثرها ذهبت فرصتنا الذهبية نحو المجهول

تصوروا لو كان هذا التنظيم السياسي حاضرًا اليوم في انتفاضة تشرين كيف سيكون حضوره وكم سيساعدنا في هذا الفراغ السياسي المرعب؟ هل كنّا سننشغل بهذه الخصومات المؤلمة التي لا نفع لها سوى الهم والغم وضآلتنا في أعين الآخرين. هل كنّا سننشغل في إطلاق النكات على خصومنا السياسيين؟ كان الأولى بنا تأسيس عدالة انتقالية خاصّة بنا، يكون على عاتقها بناء التنظيم خلال هذه الفترة الطويلة، لكن البناء المنطقي شيء والواقع شيء آخر!

اقرأ/ي أيضًا: العقل الجمعي يقدّم الدروس للمثقف العراقي!

لقد انشغلنا بخصومات وملامات وعراكات صبيانية كانت سببًا جوهريًا في احتقار السلطة لنا لأنها أدركت رخاوتنا وضعفنا وعلى أثرها ذهبت فرصتنا الذهبية نحو المجهول. وتصحيح المسار ليس بهذه السهولة؛ فالنفوس حينما تصاب بالصدمة والنفور والإحباط، فقسم منها يتحوّل كالزجاج المتطاير يصعب التئامه، أما القسم الآخر فسوف يفضّل العزلة والانزواء، ما عدا جيل الشباب الجديد (وثّلة خيّرة من الحكماء) تعيد الترميم والبناء.

أكرر السؤال: متى نتّعض من التجارب؟ متى نكّف عن أحوالنا النفسية؟ متى ندرك أن قضيتنا أكبر من أن يكون سببها شخص واحد وإنما سياق سياسي مضطرب؟ متى نفصل بين الرغبة والمعرفة، بين الحلم الذهني والواقع؟!

 

اقرأ/ي أيضًا: 

سائرون.. جرح التيار الصدري النازف!

عن "محللنا" البوليسي الجديد