خطاب

خطاب "الخوف" والقطيعة

كشفت الاحتجاجات الأخيرة في العراق أنماط من الوعي لم تكن موجودة فيما سبق (Getty)

لا مشكلة للدولة الدكتاتورية في بسط قوتها وهيمنتها على الأفراد، فلها أجهزتها القمعية البوليسية المعروفة، ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية الخاضعة لها، والتي تعمل بطريقة مباشرة وواضحة في بسط نفوذها.

النمط الديمقراطي ليس خيارًا جاء عن ترف بل نتيجة لنضالات طبقات اجتماعية لها حقوقها السياسية والاجتماعية

وهذه هي واحدة من غايات الحكومة التاريخية، لذا كان وما زال النمط الديمقراطي في الحكم - بما يتضمنه من مستلزمات وضمانات لتشكله بصورة كاملة - ليس خيارًا جاء عن ترفٍ، بل نتيجة لنضالات طبقات اجتماعية لها حقوقها السياسية والاجتماعية، وكذلك نضال من هم خارج حتى هذه الطبقات.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا سنروي عن "الديمقراطية العراقية"؟

إن عناصر الهيمنة تتطوّر بتطوّر أنماط الحكم، ومن هذه العناصر التي رافقت "دولة الرفاه الديمقراطية" كان "خطاب الخوف". تحتاج الحكومات بالطبع لإدارة هذا الخوف وصناعة أدبياته لأجل خلق حالة من اللايقين الاجتماعي ليُشِعَر الأفراد بعجزهم عن حماية أنفسهم من الخطر المجهول والأزمة  القادمة، ثم يأتي طور إعادة إنتاج هذا الخوف من خلال شبكات السلطة الرسمية وغير الرسمية بمساعدة وعاظ وسلاطين ومثقفي السلطة وغيرهم.

وحتى تصنع السلطة الخوف عندنا تسمي فعلنا الاحتجاجي بالأزمة ليُعاد إنتاجه بفعل محركاتها وينتج تهديد "الأزمة "، وبالتالي الخوف منه تلقائيًا عند الأفراد والجماعات، يقول أنسي الحاج "أنا يائس فممَ أخاف"، هل هي القطيعة إذًا؟! القطيعة هناك بوصفها تعاملًا لا اكتراثيًا ولا تفاعليًا بطريقة تقطع التواصل العقلاني مع خطاب السلطة. أنها فعلًا القطيعة العقلانية؛ لم يحدث أن يعيش هذا الشعب قطيعته العقلانية مع حكومته على مر التاريخ الحديث مثل الذي أنتجته احتجاجاتنا الأخيرة في تشرين الأول/أكتوبر 2019.  

الحكومة تصرخ بحزم القرارات والوعود صباحًا ومساءً، لكن لا أحد يستمع إلى صرخاتهم، وصل الأمر إلى إلغاء وتجميد مؤسسات كبيرة ودستورية منتخبة، ولم يعلّق أو يتفاعل أحد على هذا الموضوع، إنها فعلًا القطيعة واليأس من هذه الحكومة، وهذا مرةً أخرى يحيلنا لسؤال الشرعية. إذ لا صدى لخطاب السلطة ولا تواصل يحققه هذا الخطاب داخل حقولها الاجتماعية كافة "ما خلا المنتفعين منها "، رغم صوتها العالي وخطاباتها الكثيرة، وهذا مصداق جديد لعدم شرعيتهم.

إن شرعية أي سلطة على وجه الأرض يتحقق بتواصل وتأثير خطابها داخل مجالها الاجتماعي بطريق يحقق التفاعل والتواصل إيجابًا، فمؤشر الشرعية يكون رهان هذا التفاعل بين سلطة الحاكم والمحكوم ليتحقق به الوجود الرمزي والقبول الضمني للسلطة داخل مجالها الاجتماعي، وهذا لمصاديق أخرى منها، المقاطعة الشعبية الكبيرة للانتخابات البرلمانية السابقة، رغم ترويج شبكات الإعلام الموالي ومنظمات المجتمع المدني "المنفصلة عنه" كما تبين، إلا أن نسبة المشاركة منخفضة جدًا، بل يمكن حصرها بفئات اجتماعية لها مبرراتها للاشتراك بالانتخابات، فلم يحقّق "خطاب المشاركة " تفاعله المطلوب داخل المجال الاجتماعي.

حتى تصنع السلطة الخوف عندنا تسمي فعلنا الاحتجاجي بالأزمة ليُعاد إنتاجه بفعل محركاتها وعلى مزاجها

هذا كله يؤشر لهيمنة "اليأس الإيجابي" على أمزجة الناس وبالتالي قطع التفاعل والتواصل مع خطابات السلطة بكل أصنافها، فلم يتفاعل خطاب الخوف داخل أمزجة الناس الذين ترفعوا حتى عن مطالبهم الفردية نحو مفهوم تحقيق دولة/الأمة الاجتماعية، وهذه الغاية المثلى.

 

 

اقرأ/ي ايضًا: 

ديمقراطية "الرعاة" في العراق!

هل يمكن بناء دولة في ظل ذاكرة تكره الديمقراطية؟