هل يمكن بناء دولة في ظل ذاكرة تكره الديمقراطية؟

هل يمكن بناء دولة في ظل ذاكرة تكره الديمقراطية؟

في العراق لا يمكن أن تسمى الدميقراطية الموجودة ديمقراطية.. إنها وجدت للانقسام والتفتيت (فيسبوك)

علينا أن لا نتغافل عن حجم الخسائر الفادحة التي يتكبدها الشعب العراقي جراء الحروب الاستنزافية التي خاضها. ونحن لا نعلم إلى أين نتوجه ومن يخبرنا عن حجم الضحايا والمعاقين والمفقودين والأرامل والأيتام. فأغلبنا مجمعون على الصمت والتغافل من هذه الكارثة الكبرى التي حلّت على هذا البلد. البنية التحتية شبه متهالكة، والخدمات بمنزلة العدم، والعقوبة الجماعية التي نتعرّض لها يوميًا بسبب نقص الكهرباء تحت درجات حرارة مهلكة. فضلًا عن الفساد المستشري في كل مكان، حتى أضحى الفساد ثقافة متأصلة في أوساط المجتمع العراقي.

 الرهان الوحيد أمام هذا الانحطاط هو تعميق الوعي الوطني، وانتظار نخبة وطنية تعي مشاكلها جيدًا وتبتعد عن التكالب على المتاع الرخيص والنجومية الصبيانية

لم يبقَ سوى الملكية العامة التي يحوم عليها جماعة الخضراء لبيعها وتوريط الناس في معاناة مضافة لمعاناتهم التي لا تعد ولا تحصى. كل شيء مستباح في هذا البلد العظيم؛ فنحن لا نملك حياتنا ولا نملك مؤسساتنا العامة ولا نملك تاريخنا!.

اقرأ/ي أيضًا: قصة الدولة في العراق: ذلك السؤال الغائب

ولا نستبعد، بعد فترة من الزمن، أن يتحفنا أحد المستكشفين أننا أقوام نازحة من أحد الجزر النائية مثلما استباح صدام لنفسه إخراج عرب الجنوب من عراقيتهم لأنهم جاءوا مع الجاموس من الهند!

ماهي الحلول؟ الرهان الوحيد هو تعميق الوعي الوطني عسى أن ينضج، وانتظار نخبة وطنية تعي مشاكلها جيدًا وتبتعد عن التكالب على المتاع الرخيص والنجومية الصبيانية، ويتذكروا أن هناك دستور يجذّر كل أشكال الخراب، ويتذكروا أن هذا النظام هو المولود المشوّه للدستور، قبل التورط بمحاكاة الغرب والكفران بثقافتنا ولغتنا، يحسن بنا التعلّم من تجارب الحضارات.

 فما يحدث في العراق حدث عند الغير بشكلٍ مضاعف. ظهر للصين ماو تسي تونغ، وظهر لألمانيا بسمارك، وظهر لفرنسا نابليون، وظهر للولايات المتحدة الآباء المؤسسون. أما نحن من يظهر لنا؟ وإذا ظهر من يبقيه على قيد الحياة؟ وإن بقى على قيد الحياة هل نضمن أن لا يصاب بعدوى الاستبداد لا سمح الله القدير؟!.

لا نشك ببراعة الأمريكان وتخطيطهم الاستراتيجي المحكم وتفتيتهم الدول، فالحرب الباردة ليست ببعيدة. لقد استطاعوا طبخ العراق على نار هادئة: حرب الثمان سنوات، حرب الخليج، الحصار المنحط، سقوط نظام البعث، استثمار التوتر الشيعي السني؛ النخب السنية خسرت امتيازاتها والشيعة والكرد في طور الطبقة المهيمنة.

 لم تدرك الأطراف الثلاثة شيعة وسنة وكرد مغزى الوحدة الوطنية، وبتعبير أكثر شفافية، أنهم كانوا مطايا التفتيت والانقسام عن علم وقصد

 لم تدرك الأطراف الثلاثة مغزى الوحدة الوطنية، وبتعبير أكثر شفافية، أنهم كانوا مطايا التفتيت عن علم وقصد. ضغط الأمريكان على زر الطائفية الجاهز في ثقافتنا وزر الجماعات الإرهابية المتوحشة؛ فتاريخ الأمريكان واضح وجليُّ من هذه الناحية وطالبان خير شاهد. ثم ضغط  العم سام على الزر الثاني، وهو التقسيم وقد بدأت ملامحه في كردستان، وقد أتحفنا برزاني بعطاياه "الكريمة" ليقول ستكون كردستان جارة طيبة وحبوبة للعراق. ولم يبقَ سوى السنة المتأهبين للتقسيم الثاني. ولكي لا ينشغل العراقيون بوحدتهم هب الداعشيون من كل حدب وصوب لإغراق البلد بحرب طاحنة أحرقت معها الأخضر واليابس.

ماذا كانت النتيجة؟

دائما ما يخرج العراقيون من حروب استنزاف لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ترى لو كان قتال العراقيين من أجل وحدتهم الوطنية ما هي النتيجة؟! ترى لو طالبنا بحقوقنا وحرصنا على وحدتنا الوطنية مثلما نحرص على مقدساتنا ماذا سيحصل في حينها؟!. لكن هيهات أن نتعارك يومًا ما على وحدتنا، فمن يقاتل للطائفية؟!.

اقرأ/ي أيضًا: شرط الدولة المفقود عراقيًا

متى ما كان "الهم الأقصى" لدى "النخبة" العراقية هو بناء الدولة، لعلنا سنتحرك خطوة مهمة للأمام حينما يتحول مفهوم الدولة إلى هاجس يومي يقلق تفكير المثقف. وأولوية قصوى في خطابه بدلًا من الخوض في الاستهلاكي والمكرر، عندها ستتضح الرؤية لدى أي حركة جماهيرية.

إن وجود أي حركة اجتماعية هو بدافع غياب الديمقراطية، وعلى هذا الأساس تنبثق الحركات الاجتماعية في ظل غياب وتشويه الديمقراطية. أين الحركة الاجتماعية العراقية المطالبة بالديمقراطية ولماذا لا تظهر في مثل هذه الظروف الصعبة؟.

لا زالت السلطات الثلاث تتمركز في شخص الرئيس بطريقة غير مباشرة، وما نراه من سلطات ثلاث ما هو إلا غطاء مزيف ومسرحية مضحكة؛ فالبرلمان يتحول إلى ساحة احتفال كبرى يوم الانتخاب وبورصة للصفقات الفضائية، والقضاء لا يمكنه عبور الخطوط الحمراء!، والسلطة التنفيذية تابعة لقادة المحاصصة.

محاولة استدعاء رئيس السلطة التنفيذية بين فترة وأخرى هو ضحك على ذقون الناس. لا زالت الأحزاب التي تتمتع بنفوذ كبير تتصرف بالمال العام كما يحلو لها، والقصور الرئاسية الفخمة والبذخ الذي نراه أمام أعيننا، وعدد الحمايات والهيمنة على أغلب مفاصل الدولة، كله شاهد على غياب الدولة.

لا يمكن قيام دولة في ظل ذاكرة تكره الديمقراطية.. وما لم تعي النخبة مسؤوليتها التاريخية أمام الناس والبلاد سيبقى الاستنزاف إلى أجل غير مسمى 

هل يمكن القول إن الشعب العراقي - وكذا الشعوب العربية - يكره الحرية والديمقراطية، ويكره تقسيم السلطات؟!. هل يمكن القول إنه يعشق الفرد، الشيخ، الخليفة، الخطيب؟

لا يمكن قيام دولة في ظل ذاكرة تكره الدولة والديمقراطية!. ما لم يتبدل المزاج العراقي المتقلّب، الذي طحنته الانقلابات والحروب والاستبداد، سيبقى حلم الدولة العراقية عبارة عن هذيانات وكلام مقاهي، ويبقى الاستنزاف إلى أن تعي النخبة مسؤوليتها التاريخية أمام الناس والبلاد.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ماذا فعل "شيعة السلطة"؟

ماذا سنروي عن "الديمقراطية العراقية"؟