ذاكرة الدم والاستبداد

ذاكرة الدم والاستبداد

تشكل أقضية حزام بغداد قضية شديدة التعقيد (فيسبوك)

للذاكرة امتدادات زمنية طويلة، ولا يختفي أثرها أن لمجرد تبدل الأشخاص. فالمجتمعات التي عاشت ثقافة الطغيان السياسي أمامها سير طويل من التحول الديمقراطي لتنشئة أجيال تؤمن بالديمقراطية والحرية والعيش المشترك. لا زالت بعض الفئات الاجتماعية في العراق تهوى قلوبها نحو حكايات الجلّادين، وتستثمر المنعطفات السياسية لتعطي لأنفسها تبريرًا لاستعادة ثقافة "الجثث المعلقة". وهذه المرة، الدعوة لتجريف قضاء الطارمية بسبب الحادث المؤسف الذي تعرض له ضابط عسكري كبير. وفي ضمير هذه الأصوات النشاز، ينبغي على أهل الطارمية أن يدفعوا الثمن، ويتم تجريف القضاء مثلما حدث في عملية جرف الصخر! وهل كانت عملية  جرف الصخر إبادة جماعية، هل كانت هذه المعركة الحاسمة شبيهة بعملية الأنفال سيئة الصيت لكي تستبيحوا لخيالاتكم المريضة هذه المقارنة الحمقاء؟! فلنقارن إذن بين منعطفين تاريخيين كان للحسم العسكري فيهما دور بارز وأساس، وأعني بهما عملية الأنفال سيئة الصيت التي تمت في إقليم كردستان، وعملية عاشوراء التي تمت في بلدة جرف الصخر. لنبرهن أي غباء يستوطن دعاة التجريف ومقارنتهم الفجّة؟

حملة "الأنفال" المشؤومة

لا يخفى على أحد مدى طغيان صدام حسين وبلوغه أقصى درجات عبادة الذات، فهو لا يتورع من تشبهه بالأنبياء والأولياء، بل بأسماء الله الحسنى! وقد وصل به الطغيان وعبادة الذات حدًا أن يضع سورة قرآنية لها دلالاتها التاريخية عنوانًا لإبادة جماعية راح ضحيتها آلاف المدنيين الكرد. باختصار شديد، تعني كلمة الأنفال في الفقه الإسلامي بالغنائم الحربية. وقد نزلت آية قرآنية تحمل هذا الاسم كانت مناسبتها معركة بدر التاريخية التي انتصر فيها المسلمون على قريش، وتفسر هذه الآية شرعية تقاسم الغنائم بين المسلمين. وتم توظيف النص القرآني لحملة الإبادة الجماعية التي قام بها علي حسن المجيد، الذي أمر فيها "شرعية" النهب والسلب للممتلكات والأموال والبشر، واستخدمت فيها مختلف المعارك البرية والجوية، فضلًا عن استخدام السلاح الكيميائي. واستمرت حملات الإبادة لثلاثة أعوام (1986-1989)، تم تدمير القرى والمستوطنات وتشكيل فرق الإعدامات. وصل عدد القرى المدمرة إلى 4500 قرية كردية و 31 قرية آشورية، ونزوح ما يقارب المليون مدني، وبحسب منظمة العفو الدولية فقد تم اختفاء 17000 شخص. وكالعادة مرّت هذه المجزرة المروعة أمام صمت دولي وعربي مطبق. فالمصلحة تستدعي آنذاك السكوت عن جرائم "حامي البوابة الشرقية". بل حتى هذه اللحظة، فإن محبي" القائد الضرورة" يمكنهم الهذيان بكل شيء ومهما بدت ضحالته إلّا التذكير بهذه المجزرة. والمؤسف في كل هذا، أنه لمجرد ظهور حدث ما يصرخ بعض العراقيين، مدفوعين بأشواق الطغيان وذاكرته الأثيرة، للانتقام وتصفية الحساب.

عملية عاشوراء

لم تأخذ عملية عاشوراء من مقاتليها سوى يومين. إذ تحولت بلدة جرف الصخر(جرف النصر حاليًا) إلى مقبرة كبيرة  لمقاتلي داعش. ولهذه المعركة دور استراتيجي واضح، اندحرت على أثرها جميع معاقل الإرهابيين وبدى عليها الضعف والانكسار بعد هذه المعركة النوعية. وبذلك استطاع الجيش والحشد الشعبي من تأمين العاصمة بغداد من جهة ومحافظة كربلاء من جهة أخرى، وما تشكلّه من خطر محدق بملايين الزائرين وخطورة الطرق والمنعرجات التي يمرون بها، والتي تشكل فضاءً مفتوحًا يطل على بلدة جرف الصخر. ولا زال مشهد الجثث المتفحمة في ساحة الأمامين في كربلاء ماثل في ذاكرة الزائرين، فضلًا عن المجازر المروعة التي حدثت في طريق كربلاء - النجف. إذ ليس من الصدف أن يتم اختيار هذه الأرض المنبسطة والمتصلة مع مدينتي الفلوجة وعامرية الفلوجة، فضلًا عن اتصالها بمدن اللطيفية، والاسكندرية، واليوسفية، والمحمودية. بعبارة أخرى، أنها مركز حيوي ونقطة تماس مع المدن التي اشتهرت بسيطرة داعش على أهاليها، فأما السكوت وأما الموت، فكانت عملية عاشوراء الحد الفاصل والضربة القاصمة التي لم تقم من بعدها لمقاتلي داعش قائمة. ومن الضروري أن نفهم، أن هذه العلمية يمكن تسميتها بالمعركة المركزية التي فتحت الباب واسعًا لكل معارك التحرير الشرسة التي أرجعت المحافظات المحتلة من قبل هذه الطغمة الإرهابية. فنحن كما نرى هي معركة استراتيجية. وعلى الرغم من ترحيل سكانها لإجراء الجهد الهندسي في تطهير البلدة كليًا من العبوات الناسفة ـ بحسب الادعاء آنذاك ـ غير أن قرار الترحيل لا زال ساريًا حتى هذه اللحظة. وهناك تعليلات كيفية تذهب على أن البلدة ذات الأغلبية السنية كانت متعاطفة مع الإرهابين، غير أن الخطاب الرسمي العسكري، من الجيش والحشد الشعبي، لم يلتزم بهذه التعليلات اللا مسؤولة.

دعوات التجريف!

يعتبر قضاء الطارمية أحد الأقضية الستة التي يطلق عليها حزام بغداد. ويحتل هذا القضاء أهمية استراتيجية نظرًا لكونه يربط أربع محافظات عراقية هي بغداد وصلاح الدين وديالى والأنبار. ولهذا القضاء ذو التركيبة العشائرية المتنوعة، وكما يذكر بعض المهتمين " امتداد واسع على مناطق ساخنة وغير ممسوكة بشكل جيد على حدود جزيرة سامراء وقاطع الأنبار غربًا وعبر دجلة باتجاه ديالى شرقًا، ومن مناطق هور الباشا وخط اللاين غربًا باتجاه النباعي وصولًا لجزيرة الأنبار"، وهو جغرافية محلية شديدة التعقيد، ذلك أنها تحتوي على آلاف البحيرات وعشرات البزول والبساتين والأحراش والأشجار. ويشكل هذا الامتداد تحديًا استراتيجيًا واضحًا للقطعات العسكرية، وهي، كسابقتها جرف الصخر، تشكّل ملاذًا آمنًا للعصابات الإرهابية، فدائمًا ما تكون الأطراف هشة وضعيفة ونقطة انطلاق مثالية للقطعات المعادية. وهذا ما شكّل هاجسًا مزعجًا لسكّان القضاء الذين يرغبون بالعيش الآمن والمستقر. فمن هنا تشكل أقضية حزام بغداد، ومنها قضاء الطارمية، قضية شديدة التعقيد لسكّانها من جهة، وللقطعات العسكرية من جهة أخرى. فهذا القضاء الخصيب الهادئ، تحاول العصابات الداعشية ، بين الفترة والأخرى، أن تجره إلى حلقة صدام عنيفة بين الأهالي والحكومة.

تشكل أقضية حزام بغداد، ومنها قضاء الطارمية، قضية شديدة التعقيد لسكّانها من جهة، وللقطعات العسكرية من جهة أخرى

تعالت الأصوات الغاضبة مؤخرًا لتجريف قضاء الطارمية على أثر اغتيال الشهيد العميد الركن علي غيدان آمر اللواء التاسع والخمسين بالفرقة السادسة في قضاء الطارمية  أثر كمين نصبه له  مسلحو داعش، ما أدى إلى استشهاد آمر اللواء مع جنود كانوا برفقته. والملاحظ من هذه الأحداث هو تحفيزها للذاكرة الجماعية التي عاصرت الكثير من الأحداث الدموية، حتى أنها ما عادت تفرق بين الجلّاد والضحية. والأسوأ من ذلك كله، أنها تدعو لتجريف الطارمية أسوة بمثيلتها جرف الصخر! كما لو أن العملية التي حدثت في جف الصخر مشابهة لعملية الأنفال! ولا حاجة إلى تكرار الكلام، فالتفاصيل أعلاه تسلط الضوء، وتبرهن على مدى غباء الجماعات المسعورة وهي تذكرنا بتاريخ البعث المشؤوم. ما جعل رئيس الوزراء الحالي أن يطمئن أهالي القضاء، ويذكرهم ثمة فرق كبير بين الجلاد والضحية. فمن غير المعقول أخذ الأبرياء بجريرة الإرهابيين.

اقرأ/ي أيضًا: غضب بعد دعوات "تجريف الطارمية".. واستذكار لانتفاضة تشرين لمواجهة "الطائفية"

من غير المؤكد أن قضية العيش المشترك ونبذ المقولات الطائفية والعرقية والمناطقية ستزول في المستقبل القريب عند بعض الفئات على الأقل، فكما نرى، لمجرد يبرز حدث ما تتجلى ذاكرة الدم على شكل خطابات ومقترحات وحوارات. وحينما ألتقي مع بعض الناس واسمع خططهم،  يمنحوني كمية إضافية من التهكم و"التحشيش" على مستقبلنا المجهول، وأنا أسمع مقترحاتهم "العبقرية" وخططهم البوليسية فيما لو كانوا مسؤولين سياسيين (ربما لحجزنا من الآن بطاقة لجوء في البلدان الغربية). معظم هؤلاء يجمع على حقيقة واحدة كما لو أنهم تم تلقينهم، ومقترحاتهم الجهنمية هي كما يلي: لا رحمة مع المواطنين، سحل المجرمين في السيارات أما العامة ليكونوا عبرة لغيرهم، نصب المشانق العامة في الشوارع لتخويف من تسوّل له نفسه الانحراف عن القانون.. هل تتذوقون كمية الدفق الشعري في هذه المخططات الإبداعية؟! هذا الصنف من المجانين والحمقى يطلون علينا بكل مناسبة لتذكيرنا بتاريخ الدم والدموع والمشانق والسحل. ومن حسن الحظ أن أجيال العراق الجديدة لا تتفاعل مع كل هذا الهراء، وهي ليست معنية بتقديم فروض الاحترام لهذه النماذج التاريخية.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

العمليات المشتركة تنعى آمر لواء 59.. وتوجيه عاجل من الكاظمي

صدام حسين والميليشيات في حلم واحد!