صدام حسين والميليشيات في حلم واحد!

صدام حسين والميليشيات في حلم واحد!

صدام حسين (فيسبوك)

قبل أيام، حلمت حلمًا غريبًا برمزية أرعبتني. رأيت صدام حسين يركب سيّارة "بيك آب"، وهي ما يسمى في العراق محليًا بـ"الداعشية". كان يلاحقني وكنت أركض مذعورًا إلى أن سقطت في حفرة أيقظتني من نومي. القائد الأوحد كان في سيّارة استخدمها عناصر التنظيم الإرهابي، وكذلك، استخدمها من قاتل "داعش"، وفي نفس الوقت، داهمت بها "ميليشيات مجهولة" الشباب في انتفاضة تشرين وقتلوهم، إذ دخلوا بهذه السيّارات، نفسها لجسر السنك في أيام الدم المسفوح، كانوا في موكب من المركبات، مرّوا عبر نقاط التفتيش في بغداد ليلًا ونفذوا هجومًا دمويًا بحق المتظاهرين في كانون الأول/ديسمبر 2019 ما أسفر عن مقتل وإصابة أكثر من 150 شخصًا. لم يتحرّك أي أحد بوقتها لإنقاذ الشباب من النار المفتوحة بشكل مباشر على الأجساد الصغيرة، كانت حالة من اللادولة استمرت حتى الصباح، ولا زالت أجوبتها غامضة. 

تظهر عقلية صدام حسين واضحة في سلوك الميليشيات في العراق. إنها عقلية واحدة في إسكات المختلف والمعارض ومن يعتقدون أنه يهدّد سلطتهم

شخصيًا، ظل صدام حسين شبحًا يلاحقني في كثير من المواقف. إنه الرجل الذي كذبت بسببه لأول مرة في حياتي عندما كنت طفلًا. دخل أمن صدام على بيتنا في نهاية التسعينيات، كانوا يبحثون عن والدي المعارض، سألني ضابط مغرور عن "مكان الشباب"، وحتى أتجنب صفعة ثانية منه، قلت له: إنهم "فوق السطح"، الذي أعلم أنه فارغ. هل سأكذب الآن حين يسألني ميليشياوي يحمل سلاحًا عن رأيي بأي "حجّي أو قائد" من جماعته؟ ربما سأقول له إنه حامي أعراضنا نعم، وعندما يدور وجهه سأقول كلامًا بذيئًا عن الأعراض التي أعرفها منذ آدم وللآن. الخوف يعلّم الناس على الكذب والنفاق بذات الوقت، وهو سلوك تنشأه الظروف التي تصنعها السلطة أحيانًا. كانت للجدران أذان في زمن صدام حسين، يخاف الناس أن تنقل كلامهم الذي ربما يؤدي إلى حبل المشنقة، واليوم، لا يختلف الأمر كثيرًا في أجواء السلاح المنفلت، ربّما كلمة أو رأي أو احتجاج، سيؤدي بصاحبه إلى نهاية يرسمها سلاح الكاتم أو "البندقية المقدسة" الموجهة على صدور العراقيين وتسيطر على مؤسسات الدولة في العراق. 

اقرأ/ي أيضًا: "أمنستي": كيف مر كل هؤلاء المسلحين من نقاط التفتيش إلى السنك؟

تحمل "البيك آب" بالنسبة إليّ رمزية القتل ومشروعه الدائم في البلاد، كلّما رأيت واحدة منها بالقرب منّي في الشارع، صارت حياتي مثل "لعبة معطلة". تتقاذف الصور أمامي، وأردّد أنهم سينزلون منها وأرمى في أي "مزبلة"، لا يدري بوحشتي صديق أو عدو وأنا مفلوق الرأس والجسد. كبرت هذه الرمزية عندي حين شاهدت مجموعة مسلّحة مجهولة دخلت على جسر السنك وفتحت النار لساعات طويلة على متظاهرين شباب دون أن يقول لهم أحد: يكفي. لا تختلف هذه "السيّارة"، عن مركبات البعثيين وجهاز الأمن البوليسي في ذلك الوقت، كان مرور واحدة منها في الشارع يحمل معه صور الموت المجهول والتغييب القسري في سجون لا يعرف مفاتيحها غير صدام حسين وأجهزته الموزعة على طول البلاد. 

لكن إعادة هذه الرمزية مع صدام حسين لها دلالتها المؤلمة بالنسبة إليّ. لا يختلف المستبد عندي عن الذين جاءوا بعد "الديمقراطية الأمريكية". دمر مدنًا كاملة لأنها خرجت ضده، وضرب أخرى بالكيمياوي، وقتل إلى أن تعبت حبال المشانق من الرقاب المتعبة، فيما تعامل النظام الحالي أو من يحميه من الميليشيات بطريقة لا تختلف أبدًا، لكنها "أقدس" ومغلّفة بحقوق الطائفة والمظلومية والغبن التاريخي الحاضر دومًا منذ الاحتلال الأمريكي. رأيت قبل أيام فيديو مصور عن سائق شاحنة مرّ من نقطة عسكرية للميليشيات لا يريد أصحابها أن يمر أي أحد، قال له رجل يحمل بندقية؛ إن لم تجبني عن سبب مرورك سأنهي حياتك، تمتم الرجل بكلام، وقبل أن يكمله، فتح النار عليه وسقط مقتولًا، كان القاتل من الميليشيات، مرّت هذه الحادثة بصمت، والآن، الرجل المقتول في سفر الطويل مع الموت، ولم يفتح أي تحقيق بهذه الحادثة أو يذكرها أي مسؤول، وربما تصارع عائلة الرجل المقتول ألم الفراق واليتم بنفس الطريقة التي قتل فيها أبوهم، بربكم ماذا تختلف هذه الصورة عما كان يفعله الذين يضعون المتفجرات في صدور العراقيين بالحقبة التي سبقت 2003؟

بدا لي صدام حسين في دعوات تحويل الطارمية إلى جرف الصخر ثانية وتجريفها في الأيام التي مضت، ورأيت جلاوزته يقفون فوق رأسي عندما قتل هشام الهاشمي، الباحث الذي ما يزال قتلته أحرارًا و"مجهولين" بالنسبة للنظام، بينما أرى "الحجّي أبو عدي" يتحدث بنرجسية عالية كلّما شاهدتهم على التليفزيون، شاهدت الذين لا أستطيع أن أذكر أسمائهم الآن لأنهم يستطيعون أن ينهوا حياتي وأغدو قصة منسية من قصص الموت والفجيعة في العراق. كان صدام حسين رئيسًا مستبدًا يتعامل بعقلية العصابة أو القبيلة، والآن، عصابة تسيطر على الدولة وتختزلها فيها.

سيبقى صدام حسين حاضرًا في كل حادثة تأتي بإطار إنهاء مشروع الدولة في العراق واغتيال الحلم الديمقراطي، وإن فعلها من يقول أنا معارض له، أو ينشر المخاوف من عودته وعودة حزبه. الحزب والسلطة تغيّرت، لكن العقلية واحدة، عقلية الدم وتضخم الإقطاعيات السياسية على حساب مشروع الدولة الذي ندفع الأرواح رخيصة لأجله حتى هذه اللحظة. لا زالت المعركة هنا قائمة، كان صدام حسين وحزبه يسيطرون على الدولة وهويتها ومؤسساتها، واليوم ،الحرب على كسب "هوية الدولة" ومحاولة السيطرة عليها مستمرة بين المكونات وأمراء الهويات الفرعية، لكن طرفًا جديدًا بالمعادلة دخل في 2019 عند بداية انتفاضة تشرين، قال هذا الطرف نريد وطنًا لا يخضع للأنماط الطائفية والعرقية والتمايزات التي رسمها الاحتلال الأمريكي ومن قبله الاستبداد، نريد دولة وطنية وحسب، ورغم أنه قوبل بالعنف ومنهج الاستبداد نفسه، لكن أسباب قيامه واستمرار معركته لا تزال قائمة إلى الآن.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

استدعاء الدكتاتور صدام حسين.. الحاجة إلى البطل!

أنا وصدام حسين.. من الذي انتصر؟