استدعاء الدكتاتور صدام حسين.. الحاجة إلى البطل!

استدعاء الدكتاتور صدام حسين.. الحاجة إلى البطل!

صدام حسين (Getty)

في كل مرّة يظهر فيها صدام حسين بالمجال العام تكون ردود الفعل من قبل السلطة العراقية هي ذاتها، تقوى ولا تتراجع منذ الغزو الأمريكي عام 2003. إضافة إلى ردود كثيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، مستنكرة ظهور الرئيس الذي قتل ودفن ودمر وذوب في حامض السيانيد. لم يختف صدام حسين من الجدل العراقي في "فيسبوك"، وطرحه في سياق التفاضل بين زمنين، زمن آمن ومستقر، وزمن فوضوي يعتبر الفساد من أبرز تجلياته، والحقيقة أن الطرفين لهما مبرراتهما الموضوعية إذا أٌخذت في جانب التحليل الموضوعي لا الطائفي الذي ينظر من ثقب الجماعة بما تعانيه بإسقاطاتها الماضية والحاضرة.

يطرح اسم صدام حسين في سياق التفاضل بين زمنين؛ زمن آمن ومستقر وزمن يعتبر الفساد من أبرز ملامحه دون النظر للاستبداد ومخلفاته الهائلة.. إنه تفكير الناس!

لكن ردود فعل الحكومة العراقية، لم تكن لأن صدام كان مستبدًا دكتاتورًا فشل في بناء الدولة والهوية، وقام بتضخيم السلطة الحزبية والعائلية والمناطقية على حساب الدولة، إنما هي ردود  تعبر عن العجز في مواجهة الفشل المستمر في طريقه، فضلًا عن فشلهم بتسويق نظام صدام على أنه نظام دكتاتوري، ونظام المحاصصة نظام ديمقراطي ناجح. هناك "خوف" مريع لدى الأطراف الحاكمة في العراق من "بعبع البعث" الذي نرى أنه انتهى إلى الأبد، يخافون من طالب جامعة يرفع صورة صدام حسين، أو حفلة يُستمع فيها إلى أغنية تعود إلى أيام حقبته، كل هذا يتعاملون معه على أنهم معارضة وليسوا سلطة تستطيع أن تخلق البدائل السياسية والثقافية. ولهذا تكون ردود أفعالهم انفعالية وغير محسوبة، كما حدث في فصل طلاب جامعة كانوا أطفالًا عندما سقط النظام، وتم إنهاء مستقبلهم لأنهم رفعوا صورة صدام حسين دون أن يدركوا بالضرورة ماذا يعني هذا الرجل.

اقرأ/ي أيضًا: صدام حسين.. الدكتاتور الذي يأبى الموت

لقد صنع النظام السياسي في ما بعد 2003 صدام حسين عدوًا طائفيًا في مسار مكوناتي يعبر عن منهج النظام الجديد، قدّم تصورًا يقول إن صدام كان "عدوًا للشيعة وعدوًا عرقيًا للكرد وصديقًا للسنة"، دون أن يعمل هذا النظام على عبور حقبة دكتاتورية لم ينج من مآلاتها أي عراقي. وهو نتيجة طبيعية لنظام المحاصصة الذي يستنهض الغبن التاريخي في محاولة سيطرته على الجماعة الطائفية، إضافة إلى أن الأحزاب التي حكمت لم تكن معنية بالديمقراطية وصناعتها وتحويلها إلى منهج يضم الجميع دون النظر إلى هوياتهم الفرعية. بقي صدام حسين مقسمًا إلى ثلاثة تصوّرات مكوناتية، كل تصوّر يُصاغ بشكل شعبوي خاضع إلى تفسيرات العامّة ونخب الطوائف، دون أن يدخل في التفسيرات المسؤولة والتي تهدف إلى بناء الدولة لا العصبيات، فيما أظهر النظام السياسي بعد الغزو الأمريكي مصطلح "الاجتثاث"، بمعنى اجتثاث ملايين العراقيين ليكون مكملًا وبدايةً للتنافس الطائفي لتوزيع الدولة العراقية التي أريد لها أن تقسم وتتفتت وتتحكم بها الإرادات الفرعية لا الإرادة الوطنية الجامعة.  

الفترة الأخيرة، التي أحدث فيها صدام حسين ضجة في الفضاء العام، هو ظهوره في ذي قار، أي في جنوب العراق لأكثر من مرة، وهو ما يزعج النظام السياسي ويضرب التصوّر الذي حاول أن يفشيه بين الناس، "صدّام، القريب من السنة البعيد عن الشيعة"، لكن الدكتاتور ظهر في موطن قواعد حكومات المحاصصة، الجنوب الذي طالما لعبوا على الوتر الطائفي لتأجيج الناس فيه، الأمر الذي لم يدركوه منذ أكثر من 16 عامًا؛ فشل "الديمقراطية"، يؤدي إلى حنين الناس للدكتاتورية ويخلق حالات عصبية ضدها. هي معادلة بسيطة، ارتبط بذاكرة الناس أن الاستقرار والأمان والاكتفاء الذاتي لموارد البلد كانت في زمن الدكتاتورية، وإن الفوضى وتسليم ثروات البلد للخارج، والفساد والسرقة غير المحدودة ارتبط بما سمي بـ"الديمقراطية"، وبالرغم من أن الديمقراطية في العراق ليست ديمقراطية حقيقية، إنما هي توافقية تجعل من الجماعة فوق الفرد، لكن الناس بالنتيجة ليسوا علماء اجتماع سياسي، وهي قضية ملقاة على عاتق النخب المؤمنة بالديمقراطية ومحاولة فصل ما حدث في العراق من ترسيخ للهويات الفرعية في المجال السياسي، عن القيمة التي ينبغي أن تناضل الشعوب من أجلها وهي الديمقراطية.

عربيًا، لا زال صدام حسين هو الأكثر إثارة للحنين، الرجل القوي، الذي يقدم التصريحات والتهديدات تلو الأخرى ضدّ الأعداء، وحتى وإن اكتفى بالشعارات الوهمية دون التنفيذ، وإن كان جزءًا من صناعة المشهد الحالي الخرب لاعتبار أن ما حدث ويحدث من بين النتائج التي تركها الاستبداد، لكنه أمر يتعلّق بشيء غير موجود في الوقت الحالي، غياب الصراخ حتى في أوقات الهزيمة. في سياق صفقة القرن ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة الكيان الصهيوني على الجولان، ينظر الإنسان العربي إلى السيسي ومحمد بن سلمان وبشار الأسد والدول السائرة بالسر والعلن صوب التطبيع، ولا يجد من يصرخ بالنيابة عنه. في حنينه إلى صدام حسين يعبّر عن حاجته إلى بطل، بغض النظر إن كان وهميًا أم حقيقيًا، لكنه يريد من يخرج من ركام الهزائم ويقول أنا موجود وأواجه، الأمر ينطبق على جمال عبد الناصر أيضًا، وفي وقت لاحق، أظن أنه سينطبق حتى على أسامة بن لادن وأيام "زمن إرهابه الجميل" وسط حفلات الهزائم وتمدّد الكيان الصهيوني على الأراضي العربية، ورؤية الرؤساء الأمريكيين كيف يسلبون الحكّام العرب مليارات الدولارات دون الاعتراض، إنما تبرّر بالتفاخر بعلاقات استراتيجية بغض النظر عن حلب الأموال على طريقة ترامب.

إذا استمر الفساد والتراجع ومحاولات تقسيم العراق طائفيًا ومناطقيًا فإن صدام حسين سيتمدد في المناطق التي يظن أمراء الطوائف أنها تمتلك عصمة من حزب البعث في سياق حاجة الناس إلى البطل وإن كان وهميًا! 

عراقيًا، وإذا استمر الفساد والتراجع ومحاولات تقسيم العراق طائفيًا ومناطقيًا، فإن صدام حسين سيتمدد في المناطق التي يظن أمراء الطوائف أنها تمتلك عصمة من حزب البعث، خاصة بعد 2003. إنه درس لكل من يتخلى عن المسؤولية الأكبر، بناء الدولة، ويلجأ نحو بناء الجماعات الطائفية، ولا يعمل على تقديم النموذج الديمقراطي الناجح ويريد من الناس أن يكرهوا الدكتاتورية التي يعاملها بشكل طائفي أو عرقي، فيما ستبقى "الديمقراطية العراقية" في خطر دائم ما دامت الناس تتنقل بين أطر الفشل لتصل إلى قناعة الحاجة إلى البطل الذي ينهض بها من هذا التراجع المريع في كل مفاصل الحياة، ولا يهم من يكون البطل، الأهم أن يكون عسكريًا شديدًا "لا يرحم من يختلف معه" كما تستدعي ذلك الذاكرة المتعبة من آثار الاستبداد البعثي والاستعمار الأمريكي!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عندما فجر جرح السيادة الحنين إلى صدام!

الحلم العراقي.. من الاستبداد إلى المحاصصة!