شباب العراق يعزلون عزلته

شباب العراق يعزلون عزلته

تريد السلطة أن يتوسع العنف ويُرد عليه لتبرّر ما تقدم عليه من عنف وحشي (Getty)

منذ أربعة أيام والاحتجاجات مستمرة في العراق. منذ اليوم الأول والعنف يتصاعد ويتفاقم ويتوسع من محافظة إلى أخرى حتى سقط عشرات الشهداء وآلاف الجرحى بأسلحة السلطة ونيران قناصتها. حتى أن الحال  وصل  بالسلطة إلى استخدام "القنّاص" الذي نشرته السلطة، التي أيضًا تتبادل أدوار القمع مع الملشيات الرديفة، فوق أسطح المباني والعمارات التي يمر بينها المتظاهرون العزل إلا من سلميتهم وشرعية مطالبهم.

السلطة في العراق في موقع من يقول أعلم الخراب الذي أنا جزء منه، لكن لا تعترضوا!

في ليلة الجمعة، وبعد أن كان الدم هو اللغة الوحيدة التي تتواصل السلطة بها مع المتظاهرين، خرج رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، يمن على العراقيين بأنه رفع الكتل الكونكريتية من بغداد وقام بتقليل عدد سيارات موكبه؛ كأنه يقول: ألا تستحق هذه الإنجازات أن تصمتوا أمامها، وإن كثر الفساد وانعدمت الخدمات وغابت فرص الحياة كلها أمام الشباب.

اقرأ/ي أيضًا: السلطات العراقية تصعد عمليات قمع المتظاهرين العزل وتخرق الدستور.. أيضًا!

كان رد عبد المهدي مستفزًا للمتظاهرين، يشبه رد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي على اتهامات محمد علي بخصوص بناء القصور. قالوا في الساعة الحادية عشرة مساءً إن رئيس الوزراء سيخرج في خطاب للمتظاهرين، تأخر الخطاب لساعات، كأن شيئًا تغير، وخرج الخطاب ممنتجًا، قطعت منه أشياء، وغير مترابط، ربما أراد أن يقول الرئيس شيئًا آخر وتغيّر بإرادة ما.

لا يفهم النظام السياسي في العراق هذا الجيل الشبابي الجديد. جيل محتج، غاضب، هويته الحقوق فقط، ولهذا ليس لها لغة للتواصل معه غير الرصاص، ليس لها لغة غير التخوين وأنه مدعوم من السفارات بالرغم من ملابسه الرثّة، وعدم امتلاكه لأجرة النقل من بيته لساحات الاحتجاج!

يعجز النظام السياسي في العراق عن فهم هذا الجيل الشبابي الجديد وتقدير أوضاعه

تعيش الكتل السياسية المسيطرة على النظام أزمة الإنجاز بالمعنى الحقيقي، إذ لا يوجد ما تقدم به نفسها غير البعد الطائفي والعرقي، ولهذا هي عاجزة الآن عن تقديم الحلول، تبرّر ما يحصل بتبرير قديم استخدمه الكل: الخراب موروث من الحكومات السابقة.

بعد عبد المهدي، خرجت المرجعية في خطاب ظهر الجمعة. حاولت فيه أن تمتص غضب المتظاهرين وقامت برمي الفشل على الكتل الكبرى والبرلمان والحكومة السابقة. تحدثت عن العنف الذي يولد العنف المضاد، وطالبت الحكومة بإنهاء القمع. لكن الحكومة استجابت لها بصعود "القنّاصين" على المباني بعد ساعات ليسقط العشرات من المتظاهرين، شهداءً وجرحى.

كأن الشعار شديد الابتذال "الخراب موروث من الحكومات السابقة" أصبح طوق نجاة طغاة العراق الجدد

حتى وصل حال القنّاصون لمنع حتى المسعفين من إنقاذ الجرحى. كان المشهد مرعبًا بحق، يسقط الشباب كالأغصان الندية عندما يدركها أيلول دون  منقذ أو صديق. تريد السلطة أن يتوسع العنف ويُرد عليه لتبرّر ما تقدم عليه من عنف وحشي لم يستخدم إلا مع "داعش" وأخواتها.

قطعت السلطة اتصال العراقيين بالشبكة العنكبوتية الذي يعطي زخمًا للاحتجاج، قطعت الشوارع والحركة كذلك، لكن الشباب تواصلوا في التظاهر، اخترقوا الحجب الإلكتروني، كما أنهم اخترقوا قطع الطرق، ليقولون: نحن هنا فوق العزلة، فوق الدم، وفوق الصلف السلطوي الذميم!

تريد السلطة أن يتوسع العنف ويُرد عليه لتبرّر ما تقدم عليه من عنف وحشي لم يستخدم إلا مع "داعش" وأخواتها!

لا يبدو أن الاحتجاجات ستنتهي دون نصر. هناك نصر سيكتبه الشباب الذي لم يخرج بتأثير من النخب الثقافية أو طبقات المنتفعين من المسميات الرديفة، التي فشلت  جميعها فشلًا ذريعًا بأدنى أدوار الإنسانية ضمن مصفوفة الاجتماع الحديث حتى، أو كذلك النخب الدينية التي فشلت أيضًا فشلًا أشد وطأة. هؤلاء الشباب خرجوا من تراكم عمره 16 عامًا، نستطيع أن نقول إنهم يؤسسون لهوية جديدة لم يألفها العراق سابقًا، شباب يشعرون بالغبن، فيجتمعون، يقف الكل ضدهم مع قمع وحشي، فيثبتون وجودهم بشجاعة مفرطة، وربما، يغيرون مالم تستطع النخب تغييره طوال عقد ونصف. أنه نصر الحقوق على الطوائف، على المحاصصة، على الانقياد للخارج والاستعمار الباطني غير المبطن بأي حالٍ!

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف نتقدم؟.. سؤالنا الراهن

سلطة المحو في العراق