عالة التعليم العالي

عالة التعليم العالي

يعتمد طلاب العراق وخصوصًا في الأقسام العلمية على قنوات اليوتيوب (Getty)

كل ادعاءات السيد وزير التعليم العالي تبطل بحجج منطقية؛ فلا الامتحانات الإلكترونية معيارًا للرصانة ولا سمعة التعليم ستتأثر لأنها سمعة سيئة من الأساس، فيما يتناسى أن التصنيف العلمي معياره البحث وهو الشق الثاني والأهم من اسم الوزارة والقسم الأكثر إهمالًا فيها، طالما أن أي كلية عراقية الآن لا تقدم علمًا يصعب تحصيله من مكان آخر فهي إذن لا تعدو عن كونها، أي الكلية، سبيلًا للحصول على وثيقة التخرج التي تفيد بإن حاملها تخرج من هذه الكلية، وستجد هذه الوثيقة مكانها الدائم في دولاب المتخرج المنسي، سيأكلها التراب إذا لم يكن المتخرج يملك وساطة تدبر له وظيفة.

مائدة اليوتيوب

يعتمد طلاب العراق وخصوصًا في الأقسام العلمية اعتمادًا كبيرًا على قنوات اليوتيوب التي تقدم محتوى علميًا مجانيًا، مثل قنوات الجامعات الهندية والمصرية، يحصل الطالب العراقي من هذه القنوات على حصته التعليمية الناجزة، ولو لا مستوى اللغة الإنجليزي المنخفض لصارت قنوات الجامعات الهندية من أكثر المنصات الإلكترونية اكتظاظًا بطلبة العراق.

تمثل الطبقة التدريسية في السواد الأعظم منها نخبة زائفة بينما الكفاءات الحقيقية يختفي صوتها بين أصوات النشاز العالية

كل هذا يحصل بينما التدريسي العراقي كان يمنع منعًا باتًا تصوير أي جزء من المحاضرة وكأن كاميرا التلفون هي البعبع الذي سيأكله. لكن فجأة بعد الجائحة صار التدريسي العراقي يدعو لاستثمار التكنولوجيا في طرق التدريس، بعدما رفضوا البوابة الإلكترونية في السنوات السابقة وتجاهلوها متحججين بأوهن الحجج التي تعكس مدى سطحيتهم، باستثناء قلة قليلة كانت تدعو باستمرار للعمل بالبوابة الإلكترونية. وبين رفضهم السابق الذي يدفع الطلاب ثمنه الآن وقبولهم المتأخر بعد الجائحة، تقبع الطبقة التدريسية العراقية في منطقة قصر النظر وفقر الإبداع متناسيةً تمامًا أنها أكثر طبقة معنية بالإبداع والابتكار، لكنها تستسهل إبداء موقف العجز وعدم الحيلة أمام قرارات الوزارة مهما كانت، وكأنها خطوط حمراء لا يجوز حتى النقاش فيها.

اقرأ/ي أيضًا: هل ينجح التعليم الإلكتروني في العراق؟

تمثل الطبقة التدريسية في السواد الأعظم منها نخبة زائفة بينما الكفاءات الحقيقية يختفي صوتها بين أصوات النشاز العالية، والتي يصفها القصيمي في كتابه (العرب ظاهرة صوتية) بأنها عالة واقتبس منه، إن "أسوأ فاقدي المواهب هم المتعلمون تعليمًا عاليًا وأن أفضلهم أو أقلهم سوءًا هم الذين لم يتعلموا هذا التعليم. إن أردأ الناس هم الفاقدون للمواهب الذاتية إذا علموا تعليمًا عاليًا وأن أقل من هؤلاء رداءة هم الفاقدون لهذه المواهب إذا لم يعلموا هذا التعليم، إنه لا عقاب ولا تشويه ولا إفساد لأي إنسان أو مجتمع مثل أن يعطى العاجز عجزًا ذاتيًا شهادة بأنه قد أصبح نبيًا أو عبقريًا أو مبدعًا أو خبيرًا أو عالمًا أو مفكرًا أو شيئًا آخر عظيمًا"، هذا الوصف الدقيق هو خلاصة لطبيعة الطبقة التدريسية التي جوعت الطلاب علميًا طوال سنوات حتى كاد الطالب يقتله جوعه التعليمي لولا مائدة اليوتيوب.

 وصفة نجاح

يصرح مسؤول في الوزارة بإن الامتحانات الإلكترونية هي بمثابة وصفة نجاح، وهو يراهن بهذا التصريح على إمكانية الغش واختراق هذه الامتحانات! وبهذا ينكشف تناقض تصريحات الوزارة؛ لأن الذي يريد المحافظة على رصانة التعليم لن يراهن على الغش الجماعي وامتحانات الـ(open book). يرفض الوزير الاستماع لغير نفسه حين يصم آذانه ويغمض عينيه عن مناشدات الطلبة وشكواهم من معاناة التعليم الإلكتروني. فبين عدم التزام الأساتذة بجداول المواعيد وضعف خدمة الإنترنت في العراق يجد الطالب نفسه وسط فوضى من المحاضرات المتراكمة. وبعد أن ينهي الطالب الكورس الأول يفاجأ بقرار الوزير الذي يطالبه بامتحان الكورس الثاني بعد شهرين فقط، وتؤجل امتحانات الكورس الأول إلى الشهر التاسع على طريقة (ميم البطريق الشهير).

يتسم قرار الوزير بالصرامة والحسم فيما يخص الامتحانات الإلكترونية، بينما ترتخي نبرة القرارات الأخرى التي تدعو لتقليص المنهج أو تخفيض الأجور، فلم تحدد أي سياقات لتقليص المناهج، ومنح الأستاذ صلاحية التقليص وحسب شكوى العديد من الطلبة، فإن الأساتذة لم يقلصوا المناهج بالنسبة المطلوبة، بل أن بعضهم تجاهل قرار التقليص تمامًا. كما أن الكثير من الجامعات أعلنت لطلابها بإن قرار التخفيض لم يرد في كتاب رسمي يلزم الجامعات بالتخفيض وإنما هو لا يعدو عن كونه دعوة أو مقترح لتخفيض الأجور بنسبة ما.

 ينفرد الوزير بقراره هذا، ولكن عليه أن يتحمل تبعاته الكاملة لأن رفض الاستماع لمقترحات بعض الأكاديميين والكثير من الطلبة الذين طالبوا بإنهاء العام الدراسي، من خلال تقديم تقارير وهو حل واقعي لا يضر بسمعة التعليم في شيء بل ربما يرفعها، كونه يرسخ فكرة البحث العلمي وهو ما أقدم عليه وزير تعليم إقليم كردستان، لكن وزير الحكومة العراقية يرى أنه قرار خاطئ بينما أكد وزير الإقليم في لقاء له بأن "وزير التعليم العالي في اقليم كردستان آرام محمد على أن "قرار العبور الذي تم تطبيقه في جامعات إقليم كردستان كان أحسن قرار ولا يخالف قرارات اليونسكو والتعليم الدولي، بل هو تعليمي تمامًا وطلبة الجامعة يقومون بتسليم تقارير علمية ويعبرون لمرحلة أخرى". إن إصرار الوزير على إنهاء العام الدراسي بطريقته من أجل تحقيق مجد شخصي يحسب لوزارته يأتي على حساب الطلبة ووضعهم النفسي ومستقبلهم، إصراره يشي بوجوب استيفاء أجور التعليم مهما كلف الأمر، وهو اصرار ينبئ بالمهزلة.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التعليم الإلكتروني وتدابير إنقاذ العام الدراسي

مقترح وزاري حول الأجور الدراسية في الجامعات الأهلية