على الطريقة السامريَّة

على الطريقة السامريَّة

الوضع العراقي أقرب ما يكون إلى الحلقة المفرغة (فيسبوك)

أحببت كثيرًا وأنا صغير، قصص الأنبياء، خاصَّة وأن كثيرًا من مفارقات هذه القصص كانت تستوقفني وتدعوني إلى التأمل، كمفارقة "عجل بني إسرائيل". إِذ لم أفهم وقتها كيف يمكن لمجتمع خرج توًّا من عقيدة تعدّد الآلهة، باتِّباعه نبيًّا يدعو إلى التوحيد، أن يعود سريعًا إلى عبادة صنم على شكل عجل ما أن يغادره نبيُّه لفترة وجيزة. والمفارقة الأهم؛ أن مغادرة النبي كانت بغرض لقاء الرب والرجوع منه بخطاب موجَّه للمجتمع نفسه إكرامًا له على التوحيد؟! وفعلاً، ألا تجدونها مفارقة غاية بالغرابة وتضرب كل المنطق العقلي؟

 ما نحتاجه لإعادة الحياة لديمقراطيتنا الميتة هو إعادة الحياة للقانون وللنظام الإداري التنفيذي الصارم

لكن ما فهمته بعد ذلك تدريجيًّا، أن الطبيعة البشرية ليست منطقيَّة، ولا تتصرف وفق سياقات عقليَّة. لا بل هناك تصرفات يجب ألا تكون منطقيّةً وإلا أُفرغت من محتواها. وهذا ما حدث في واقعة العِجْل. فكل جماعة تحتاج إلى معبود يوحدها وتجتمع عليه، وأغلب البشر مجبولون على عبادة ما يمكن إدراكه؛ لأن عبادة ما لا يمكن إدراكه تحتاج إلى تجريد عالٍ، كما أن اختيار المعبود وفق سياق منطقي يتوقف على التحصيل العلمي، وعندها سيترك الناس أعمالهم ويتفرَّغون للبحث الديني المعرفي، فيختلفون وتتفكك علاقاتهم ويتعرَّضون إلى الخطر لفقدانهم التكافل والدعم الاجتماعي. إذا لا يمكن للفرد أن يعيش اعتمادًا على قوَّته وامكاناته الخاصَّة. بل لا بد له من الانضواء تحت لواء جماعة تُقَدم له الدعم والإسناد. وعلى هذا الأساس، فمن الأسلم ألا يتمتَّع أغلب البشر بأي قدرة على نقد الدين أو العقيدة أو الأفكار والقيم الأساسيَّة لدى جماعاتهم، حفاظًا على تماسكها.

اقرأ/ي أيضًا: خروج عن قواعد الرقعة

ما ينطبق على الإله ينطبق على القائد، فالجماعات تحتاج إلى قائد يوحد أفرادها، لتكريس وتنظيم عملية التكافل والحماية والدعم بين الأفراد. وعليه فَتَـرْك عمليّة اختيار القائد إلى العقل والمنطق يجعل العمليَّة صعبة جدًا. إذًا، ليس هناك قائد يَسلم من النقد، أو تكون تصرفاته على وتيرة واحدة من الإقناع والاستقامة، عليه لا بد أن تتقدَّم العواطف على العقول في هذه العمليَّة.

هذا الأمر يتكرر داخل المجتمعات شرقيَّها وغربيَّها، والفرق الذي نجده في تعامل بعضها مع الآلهة والقادة لا يعود إلى أن بعضها يستعمل سياقات منطقيَّة في هذين الاختيارين، فالعاطفة تبقى حاكمة بين القائد وجمهوره، لكن الفرق أن تلك المجتمعات يسودها قانون صارم، وفيها أنظمة إدارية تُطَبِّق هذا القانون بعدالة على الجميع، ومن هنا لا يعود أمام القائد مساحة واسعة لاستغلال قوّة جماهيره في التمدّد على حساب الآخرين.

على هذا الأساس، فان مطالبة العراقيين بانتخاب الأصلح أو الأجدر، أو ترك خياراتهم العاطفيّة لحساب خيارات منطقيَّة، هي مطالبات غير مجدية، ولا تتفق مع الفهم الأنثروبولوجي لميول الجماهير وتوجهاتهم. ما نحتاجه لإعادة الحياة لديمقراطيتنا الميتة، هو إعادة الحياة للقانون وللنظام الإداري/ التنفيذي الصارم، وعند ذلك لتختار الجماهير ما طاب لها من القادة، لأن قضبان السجون ستكون بانتظار من يحاول الاعتداء على غيره كائنًا من كان.

ستقولون لي بأن بناء النظام الإداري/ الحكومي الصارم يتوقف على انتخابات تفرز برلمانًا نزيهًا، وسأقول لكم للأسف هذا صحيح، واعترف بأن وضعنا أقرب ما يكون إلى الحلقة المفرغة، وأننا سنبقى في متاهتنا هذه لسنين طوال.

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

خطيئة الابتهال

بوصلة الانتخابات