عن عالمنا الموازي الجديد.. فيسبوك!

عن عالمنا الموازي الجديد.. فيسبوك!

تستهدف المشاريع الغربية تدجين الشباب على فيسبوك وتحويلهم لأدوات استجداءٍ للمشاهدات (إليزابيث بروكواي/ الديلي ميل)

فرق بين المزاج الشخصي والصالح العام؛ فالأول يمثل انطباعاتنا الشخصية ونفورنا النفسي الذي لا يرتبط بمعيار منطقي. والثاني يمثل بصيرة ورؤية وقراءة عقلانية للواقع، إنها محاولة لالتقاط الظواهر للخروج بإطار نظري يحلل الواقع. نقرأ الواقع من خلال ما متوفر لدينا من مفاهيم لكي نخرج بنتائج مهمة تتحول إلى سياسات لاحقًا. بعض ما متوفر في مواقع التواصل هو مزاجات نفسية تحاول تحليل الواقع، والعقد النفسية لا يمكنها أن تتحول إلى براهين نظرية.

بعض ما هو متوفر في مواقع التواصل الاجتماعي هو مزاجات نفسية تحاول تحليل الواقع، والعقد النفسية لا يمكنها أن تتحول إلى براهين نظرية

 يحلم الكثير من ذوي الأمزجة النفسية المعقدة بزوال الدين، على سبيل المثال، وإنه لمن الخيانة التكلم بالدين حتى لو كان الدين جزءًا من الحضارة، أو هو أحد العوامل المهمة في بناء الحضارة، المهم في الأمر، وعلى طريقة "الكومبارس الفيسبوكي"، لابد أن ننظر للدين نظرة شيطانية مطلقة. إن ذوي الأمزجة المعقدة ينظرون للأشياء بهذه الثنائية ذات المزاج الصبياني: المواضيع إما شر مطلق أو خير مطلق، إما شيطنة مطلقة أو تقديس مطلق، وهذا ما يدعوه أحد الباحثين بـ"أيديولوجيا الشطط".

اقرأ/ي أيضًا: بينهم فنان ورجل دين.. تعرف على أكثر 10 صفحات "متابعة" في فيسبوك العراق

الحضارة الغربية، الرأسمالية الليبرالية العلمانية، خير مطلق، يقابلها، الإسلام، العرب، شر مطلق. بكلمة واحدة: العرب حاضرهم وماضيهم شرّ مطلق. لا ينحصر هذا الأمر عند بعض مدوني مواقع التواصل، وإنما يتعداه عند بعض الكتاب وإن على استحياء. لا نريد حصر الأمر بمدوني مواقع التواصل، وإن كان الأمر يخصهم بالذات، فهؤلاء تدفعهم عقد نفسية مستحكمة، ومساحة لم يحلموا بها من قبل، فالكتابة مغرية في مواقع التواصل، ولا تخضع لمعايير معينة، إذ يمكن لشخصية مختبئة بصورة مزيفة أن تتقيأ ما يحلو لها من هذيان. وبالمناسبة بعض المدونين يتعذرون لهذه الأقنعة بالاحتياطات الأمنية، خوفًا على أمنهم الشخصي، كما لو أنهم كشفوا أحد أسرار "السي آي إي". مهما يكن من أمر، إن الحياة لا تتوقف عند مدوني الفيس، ولا يوجد لهم أدنى تأثير في الحياة فيلتجئون لمواقع التواصل. لكن الموضوع أبعد من ذلك بكثير، فهذا التذمر والشيطنة والكفر بكل شيء له ما يبرره عمومًا، فالناس لا تؤمن بفراغ، ومالم يتوفر النموذج فستلتجئ نحو الأساطير الفردية والاجتماعية والطقوس الدينية الخرافية النابعة من الديانة الشعبية لتعويض غياب النموذج. فمن هنا يتعاظم الاستياء والتذمر والكفران، ويكثر المتفلسفون والمتمنطقون، ويتعاظم دور الحكواتية وأنصاف المتعلمين.

إن من سوء الحظ ، أن يعمد الكثير من رواد مواقع التواصل إلى إجراء عملية انقلابية مشوهة على شخصيته الحقيقية لكي تتماشى مع المعتاد والمرغوب. إنها حالة تشبه عمليات التجميل التي تجري هذه الأيام ويتزايد عليها الطلب بشكل ملحوظ. الاستنساخ واللصق والتحوير تبدو كما لو إنها سمة طاغية، وتتواصل هذه العدوى بالانتشار من خلال ما نراه في  هذه المواقع؛ إذ يعمد بعض المدونين إلى إجراء تحويرات باهظة الثمن وانتحال صفة العدمية لكي يتشابه شكليًا مع بعض التقليعات الشغّالة. تسحرنا المماثلة "أحب الصالحين ولست منهم"، وتغوينا فكرة سحر الآخرين ومحاولة الحصول على بطاقة إعجاب منهم أو حيازة بعض التقدير حتى لو كان مجاملة. نسعى جاهدين للتعاطف، مثلًا، مع قضايا الغرب والإعجاب بـ"النموذج الإسرائيلي". والحق إننا مهما مارسنا حالات التزويق والاستنساخ واللصق والتشبه بالآخرين فسيعوق علينا حالة اكتشاف أنفسنا، ويؤخر عملية التصالح مع الذات لدرجة أن نموت ولا نعلم ماذا يحدث.

علاوة على ذلك، لا يجعلنا محترمين من قبل الغرب، فالتنوير لا يعني لبس الأقنعة، والحداثة لا تعني التقمّص المشوه، بل تعني نزع السحر عن العالم حسب تعبير ماكس فيبر. الغرق في الآخرين يعني مزيد من المعاناة، والتصالح مع الذات يجعلنا في حل مما يريده الآخرون، والانتباه لرغباتنا المتزايدة ومحاولة تقليلها يسرع من عملية التصالح. من الصعب جدًا أن نتحول إلى قطع غيار مستعملة، أو قطع من الخردة لا تصلح للاستخدام أو المنفعة إلا للاضطرار. لكل واحد فينا منفعة خاصة يبديها للآخرين ويشكل حلقة في هذه السلسلة المدهشة، فلا يوجد مبرر لهذه النسخ المشوهة سوى عدم الثقة وتقدير الذات والشعور بالامتنان. ومتى ما شعرنا بالامتنان واحترام الذات سنكف عن لعب دور الكومبارس.

تنتشر في الفيسبوك فكرة مفادها أن الحضارة الغربية، الرأسمالية الليبرالية العلمانية، خير مطلق، يقابلها، الإسلام، العرب، شر مطلق. بكلمة واحدة: العرب حاضرهم وماضيهم شرّ مطلق. لا ينحصر هذا الأمر عند بعض مدوني مواقع التواصل، وإنما يتعداه عند بعض الكتاب وإن على استحياء!

 إنّ العالم الافتراضي يشبه عالم الذهن؛ تداعي مستمر من الأفكار غير المنضبطة، تيار متدفق، حزمة ذهن- نفسية كثيفة. إن الكتابة في العالم الافتراضي - إجمالًا- عبارة عن دوافع تخضع لهذه التداعيات الفوضوية، إنه حزم نفسية مؤلمة تبحث عن تفريغ، ومعظمها لا يمثل دوافع وهموم  حقيقية، وإنما "حشر مع الناس عيد". يظهر إن معظم هذا " التفريغ" يراد منه لفت الانتباه للفوز بالتقدير من الآخرين، أو هي استغاثات مبطّنة لنحظى بلمسة حنان نفتقدها؛ فالشعور بالاحتقار والدونية والملل والفراغ في بلداننا يجعلنا "ثوريين" في مواقع التواصل.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مساعٍ غربية للهيمنة على فيسبوك العراق.. حديث صناعة الوهم

مجلس الوزراء يشعل سخرية فيسبوك بـ "نص كيلو عدس" ويهرب!