غبن الجغرافية العراقية

غبن الجغرافية العراقية

منذ تأسيس دولته يعيش العراق في معاناة مع جغرافيته المعقدة (Getty)

توطئة

يعاني العراق من غبن جغرافي كان دائمًا باديًا للعيان، وهذا الغبن لا يتعلق بمحورية موقعه الرابط بين قارات العالم القديم، ومركزيته في منطقة الشرق الأوسط، ولا بحجمه الجغرافي، ولا كذلك بتنوعه التضاريسي، وغناه بالموارد الطبيعية؛ وإنما يخص ذلك الذي جعل منها دولةً شبه قاريةً ذات إطلالة بحرية غاية في الضآلة تطل على الخليج العربي، وتكاد لا تتجاوز سواحلها الـ(60) كم "عنق الزجاجة"، التي لا تتناسب مع حجم الجغرافية العراقية البالغة (432.162) ألف كم2، ولا أهميتها، مما أدى إلى اختناق العراق، وتعقد خيارات صانع قراره منذ ميلاد الدولة العراقية الحديثة في عام (1921) وحتى يومنا هذا.

 كان نوري السعيد لا يحبذ الخيار الصلب في سياساته الخارجية، لسبب أن العراق لا يمتلك هذه القدرة

الأمر الذي جعل من السهولة بمكان ابتزازه من قبل الدول الأخرى، لا سيما الكويت جارته الجنوبية، التي هي على العكس من العراق؛ فهي ضئيلة جغرافيًا "دولة قزمية"، إلا أنها ذات إطلالة بحرية متميزة قياسًا بحجمها الجغرافي تقع على الخليج العربي أيضًا، إذ يبلغ طول ساحلها حوالي (491) كم، بينما حجمها الجغرافي يبلغ (17.820) ألف كم2. وربما يعود هذا الأمر إلى بريطانيا التي عملت على تقسيم المنطقة "سايكس - بيكو" بالتوافق مع فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى، لا سيما أنها سيطرت على العراق وبقية المنطقة الخليجية، وهي التي رسمت حدوده الجغرافية، وهي من عملت على حماية الدويلة الكويتية من الخطر العراقي، قبل أن تتولى الولايات المتحدة الأمريكية هذه المهمة بعد انسحاب بريطانيا من المنطقة، ولربما كانت نواياها تذهب باتجاه الحيلولة دون تمتع العراق بإطلالة بحرية متميزة، عبر منحها في غالبيتها للكويت؛ حتى يمكن التحكم فيه مستقبلًا، ولكي لا يخرج من تحت العباءة البريطانية، وفرض بعض الإردات عليه إذا ما تطلب الأمر.

اقرأ/ي أيضًا: العراق وسوريا.. لعنات الإمبراطوريات الأبدية

يأتي السؤال هنا، كيف تعامل صانع القرار العراقي منذ ميلاد الدولة العراقية الحديثة مع هذا المتغير الخطير على مستقبل العراق، وحركيته الجيوسياسية؟ للإجابة على هذا السؤال سأعمل على الأخذ بأنموذجين مختلفين حكما العراق في مدتين مختلفتين، فضلًا عن اختلاف الأنظمة بين الملكية، والجهورية، وهما رئيس الوزراء العراقي في العهد الملكي (نوري السعيد)، وكذلك الرئيس الأسبق لجمهورية العراق (صدام حسين)، من أجل تبيان طبيعة تعاملهما مع غبن الجغرافية العراقية.

حركية السعيد الجيوسياسية

نجد أن السعيد وبعد قيام الدولة العرقية الحديثة، والتي كانت لا تتمتع بأدنى متطلبات التطور في ذلك الوقت، إذ تشير (فيبي مار) في كتابها تأريخ العراق المعاصر، أن العراق في عام (1917)، لم يكن يمتلك شارع واحد معبد. أمام هذه التحديات الداخلية فضلًا عن الخارجية المتأتية من تركيا، وإيران، ونجد "التي أصبحت فيما بعد المملكة العربية السعودية"، وضع نصب عينيه ضرورة تعزيز تحالف العراق مع دولة قوية مؤثرة، وكان له ذلك في بريطانيا، على اعتبار أنه دولة وليدة، تقع في وسط دول ذات ماضٍ إمبراطوريٍ كتركيا، وإيران، واللتان لديهما أطماع حيال العراق، لذلك لا بد من حماية خارجية له تمكنه من إتمام بناء دولته حتى تستطيع الوقوف على قدميها.

أما بخصوص تعامله مع مسألة الغبن الجغرافي، كان السعيد لا يحبذ الخيار الصلب في سياساته الخارجية، لسبب بسيط أن العراق لا يمتلك هذه القدرة، وخيارته لا تسمح له بالعمل على هذا الجانب، لذلك كان الخيار المرن، والدبلوماسي، ونسج العلاقات الممتازة مع جوار العراق، وحلحلة المشكلات العالقة معهم عبر الخيارات السلمية التي يسميها (هانز مورغنثاو) وسائل الإقناع، والتوفيق، هو الطريق الذي سار عليه طيلة وجوده في الوزارة العراقية. وحسب علمي كان مشروع الهلال الخصيب أول مشاريعه الجيوسياسية التي عمل عليها في بداية أربعينيات القرن العشرين، الذي من المفترض أن يضم العراق، ودول بلاد الشام (سوريا، والأردن، وفلسطين، ولبنان) التي تعد بمثابة المجال الحيوي للعراق، وكان هدف السعيد من هذا المشروع ضمان وصول العراق إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط؛ من أجل تقليل الغبن الجغرافي الذي يعاني منه على صعيد المنافذ البحرية، وهذا يتم عبر نسج علاقات، وتحالفات متبادلة سياسية، واقتصادية بالدرجة الأولى مع بلاد الشام، وهذا أيضًا يعطيه مزية إستراتيجية يستطيع عبرها المناورة مع القوى الإقليمية الأخرى.

إلا أن هذا المشروع واجه معارضةً بريطانيةً، إذ كانت بريطانيا ترمي إلى وجود كيان تنظيمي عربي إقليمي يجمع كل الدول العربية، ولا يفرقها حتى يسهل التحكم قدر الإمكان في القرار العربي، ولهذا ساندت مشروع جامعة الدول العربية التي انبثقت إلى الوجود في عام (1945)، وكان العراق من الدول المؤسسة لها، حتى أن دولة عربية مثل مصر لن تقبل بهكذا مشروع يجعل من العراق قائدًا في منطقة المشرق العربي، بالتالي لم يُكتب النجاح لمشروع الهلال الخصيب.

هذا الأمر لم يقلل من عزيمة السعيد التي ترمي إلى معالجة غبن الجغرافية العراقية، حتى مع فشل مشروع الهلال الخصيب، إذ نجد أنه سعى خلال خمسينيات القرن العشرين، إلى العمل على مشروع حلف يجمع العراق والدول الراغبة بالانضمام إليه، وبالفعل أُسس هذا الحلف في عام (1955)، وكانت بغداد هي عاصمة الحلف، وضم في حينه دول (العراق، وتركيا، وإيران، وباكستان، وبريطانيا) فيما ظلت الولايات المتحدة الأمريكية عضوًا مراقبًا، كانت غاية السعيد من هذا الحلف تهدف إلى وجود حلف قوي يحمي العراق في ظل بيئته الإقليمية المضطربة، وجعله قبةً يلتقي تحتها الأعضاء لحلحة مشكلاتهم بالطرق السلمية، لا سيما فيما يخص تركيا، وإيران، اللتان تعدان مكسبًا كبيرًا للعراق حين تم انضمامهم لهذا الحلف، إذ أنهما كانتا حتى زمنٍ قريبٍ من قيام الحلف لا يعترفان بالدولة العراقية الوليدة، التي يمكن عدها تقع ضمن الإستراتيجية التي يسميها الدكتور (علي حسين حميد) بـ "التحوط الإستراتيجي"، أيضًا هدف السعيد إلى تعزيز ارتباط البلاد بالغرب أكثر، فهو كان لا يثق بالروس على الإطلاق، منذ أن كان ضابطًا في الجيش العثماني. فيما كانت نية الغرب من هذا الحلف، هي أن يجعله مصدًا للتيارات الشيوعية في المنطقة، فضلًا عن الوقوف بوجه محاولات الاتحاد السوفيتي للتغلغل في المنطقة.

سياسة السعيد هذه وموقفه من المعسكر الغربي، يمكن أن نصفها بسياسة "التماثل الغرضي" الوصف الذي أطلقه الدكتور (منعم صاحي العمار) على توجهات الدول المتشابهة في غاياتها الدولية، وتماثلاتها الغرضية، وعلى هذا الأساس تتفق، وتتآزر، وتتحالف. مما دفع بالعراق في العهد الملكي كما أشرنا سالفًا إلى تعزيز ارتباطه مع دول الغرب؛ لأنها الخيار الأسلم له، إذا ما أراد الحفاظ على وجوده.

ولم يتوقف عند هذا الأمر، بل عمل بعد ذلك على إقامة الاتحاد الهاشمي في عام (1958)، الذي ضم العراق والإردن "المملكتان الهاشميتان"، وكانت المساعي السعيدية تهدف كذلك إلى ضم الكويت إلى هذا الاتحاد. تمثل الهدف الرئيس منه هو الوقوف ضد دولة الوحدة العربية التي قامت بين مصر، وسوريا تحت زعامة الرئيس المصري الأسبق (جمال عبد الناصر)، إذ كان العراق يخشى من أن يتم ضم الدول العربية الأخرى إلى هذه الوحدة، مما يؤدي إلى عزلته عربيًا، فضلًا عن ذلك كان ينظر إلى سوريا باعتبارها مجاله الحيوي، حتى أن السعيد كان يعتقد أن السوريين يرغبون بالوحدة مع العراق أكثر من مصر، فيما لو ترك لهم الخيار الحر. انتهت هذه المشاريع الجيوسياسية مع قيام انقلاب (1958) الذي قاده (عبد الكريم قاسم)، والذي أنهى به الحكم الملكي العراقي، التي لو قدر لها الاستمرار لكان وضع العراق في المنطقة مغايرًا البتة لما هو بعد الانقلاب. وسأبحث في الخاتمة أسباب فشل سياسات السعيد هذه رغم حيويتها.

صدام حسين وعصاه الغليظة

يعد الرئيس العراقي الأسبق (صدام حسين)، والذي وصل إلى الحكم عام (1979) واستمر إلى غاية العام (2003)، النقيض التام لنوري السعيد، فالسعيد كان شخصية سياسية ماكرة، تحبذ غالبًا الخيارات السياسية، والدبلوماسية المرنة، وسياسات الأحلاف مبتعدًا كثيرًا عن النهج الصلب في السياسة. أما (صدام حسين) فكان شخصيةً صلبةً لا تعترف بالخيارات السياسية، ولربما كانت في ذيل قائمته، الشاهد على ذلك أنه افتتح عهده بحادثة قاعة الخلد، التي عبرها عمل على تصفية كبار قادة حزب البعث، تحت تهمة التآمر على النظام بالتعاون مع البعث السوري.

تعامل صدام مع قضية الغبن الجغرافي الذي يعانيه العراق، بسياسةٍ صلبةٍ لا خيارات دبلوماسية فيها، إذ دشن عهده بحربٍ مع إيران استمرت لثمان سنوات من العام (1980-1988)، كانت حجته أن الإيرانيين يتجاوزون على الأراضي العراقية، وأنهم لا يطبقون الجزء الخاص بهم من اتفاقية الجزائر التي عقدت بين الطرفين في عام (1975)، والتي عبرها تنازل العراق عن نصف شط العرب لإيران حتى تتوقف عن الدعم العسكري للأكراد في شمال العراق. عمل صدام مع بداية الحرب مع إيران على إلغاء التزام العراق بالاتفاقية، على الرغم من أنه قاد المفاوضات مع الشاه أيام ما كان نائبًا للرئيس الأسبق (أحمد حسن البكر)، وأكد على أن العراق لن يتنازل عن حقه في شط العرب، استمرت هذه  الحرب حتى نهايتها، ولم يحصل العراق لا على حقه في شط العرب، ولا انتصر فيها كما زعم، فهي الحرب التي لا ينبغي أن يخرج طرفًا منتصرًا منها كما يقول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (هنري كيسنجر)، لأن ذلك يعني أن المنتصر سيحاول فرض إرادته على منطقة الخليج العربي، مما يؤدي إلى تهديد المصالح الأمريكية فيها، لا سيما وأن كيسنجر يرى بأن العراق، وإيران، هما الدولتان الأقوى في الخليج. مع ذلك عد العراق نفسه بأنه الطرف المنتصر في هذه الحرب، على اعتبار أن إيران هي التي أعلنت عن وقفها لإطلاق النار، وهو بمثابة الاستسلام في الحرب، وأنها لم تحقق أهدافها منها، وحتى العراق لم يحقق أهدافه من ذات الحرب!

أضحت هذه الحرب عبئًا إستراتيجيًا على العراق، إذ لم يستطع صانع قراره على تذويبه كما يرى الدكتور (منعم صاحي العمار)، هذا العبء تمثل في الخسائر الاقتصادية الكبيرة، والديون الخارجية التي أثقلت كاهل البلاد بسبب حرب الثمان سنوات، وغيرها من المشكلات الداخلية التي كانت تعاني منها. هنا وجدت القيادة العراقية ضالتها في الكويت، حتى تُذوب عبء الحرب مع إيران عبر الخيار العسكري! وكذلك تحقق الطموح العرقي بالسيطرة على الكويت التي دائمًا ما كانت حاضرة في ذهنية صانع القرار العراقي منذ ميلاد الدولة العراقية الحديثة.

الخيار الخارجي الأسلم للعراق، يتمثل في اتباع النهج الذي سار عليه نوري السعيد على الرغم من بعض الإخفاقات التي ألمت به

تعزز هذا التوجه بعد أن أخذت الكويت باتباع سياساتٍ تضر مصلحة العراق، تلك التي تتعلق بأسعار النفط، وسياسات إغراق السوق النفطية العالمية، الأمر الذي أدى إلى خسارة العراق مليار دولارًا سنويًا حسب ما قالته في حينها القيادة العراقية، وهو رقمٌ كبيرٌ حسب قياسات تلك المدة، في الوقت الذي كان العراق بأمس الحاجة إليه؛ من أجل إعادة بناء البلاد بعد انتهاء الحرب مع إيران. سياسات الكويت هذه كانت بدفع أمريكي من وراء الكواليس، من أجل استفزاز العراق، ومحاولة جره إلى خيار التدخل العسكري في الكويت، وبالفعل هذا ما حدث في 8 شباط/فبراير 1990، وفي وقتها حذر رئيس جهاز المخابرات العراقية (فاضل البراك)، القيادة من مغبة الإقدام على هذا الخيار، لأنه كان يدرك أن هذا فخًا أمريكيًا أُعد للعراق؛ لأنها كانت تخشى من فائض القوة الكبيرة التي خرج بها بعد الحرب العراقية – الإيرانية، كما كانت تدرك أن العراق سيحاول فرض هيمنته على منطقة الخليج العربي، المنطقة المهمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ولا يمكن لها السماح لدولةٍ إقليميةٍ بفرض هيمنتها عليها، لأن ذلك يعني أنها ستتحكم في مصادر الطاقة، التي تستأثر بها هذه المنطقة، سواءً من ناحية الاحتياطيات، أو الإنتاج، فضلًا عن أهميتها كموقع جيوبوليتيكي، يربط بين قارات العالم القديم، كما أن ذلك سيجعل من القوة الإقليمية المهيمنة عليها دولةً كبرى، تبحث عن تعزيز نفوذها في المناطق العالمية الأخرى.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا قال المحقق الأمريكي الذي استجوب صدام حسين؟

تناست القيادة العراقية في حينها أن الكويت تقع تحت الحماية الأمريكية، بالتالي أن العراق إذا ما أراد تبني سياساتٍ قد تخالف التوجهات الأمريكية، سيتم تحريك الورقة الكويتية للعب ضد العراق عبر العمل على تعقيد خياراته في عنق الزجاجة، وبالفعل تم هذا الأمر بعد انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية في عام (1988). لذلك وبعد أن وقع العراق في فخ الكويت، عملت الولايات المتحدة الأمريكية على تشكيل تحالفٍ دوليٍ بقيادتها، وبموافقة الأمم المتحدة، من أجل إخراج العراق من الكويت، الأمر الذي أدى إلى تدمير قدرات الدولة العراقية بشكلٍ شبه تام، وتم بعدها فرض حصارٍ دوليٍ شديدٍ على البلاد، كانت نتائجه وخيمةً على الشعب قبل القيادة السياسية. مما مثل "حدثًا انتكاسيًا" بحسب تعبير الدكتور (منعم صاحي العمار)، كانت نتائجه كارثيةً على الأمن الوطني العراقي، وكذلك الأمن القومي العربي. كانت أسبابها ذهاب العراق باتجاه خيار اللعبة الصفرية، والإستراتيجية الصارمة، فإما أن يربح كل شيء، أو يخسر كل شيء، والخسارة التامة كانت لها الكفة الراجحة؛ لأن القيادة العراقية لم تحسب كلف الخسارة والربح، ولا حجم قدراتها، ولم تدرس ما يمكن أن يحدث من ردة فعلٍ من قبل القوى الدولية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

المتمعن في كلا الأنموذجين اللذين تطرقت لهما، سيجد أن العراق إذا ما أراد التحرك نحو تعزيز تحالفاته مع الخارج سيثور ضده الداخل، لأن هنالك قوى داخلية لا ترضى بتوجهه حيال إحدى المعسكرات الخارجية كما حدث مع (نوري السعيد)، وخلافه المستمر مع القوى القومية العراقية التي لم تكن على وفاقٍ مع سياساته المتمثلة بتعزيز تحالفاته مع الغرب. بالمقابل إذا ما أراد العراق التوجه نحو التحرر من التزاماته، وتحالفاته الخارجية، سيجد أن القوى الخارجية ستتحد ضده، كما حدث مع (صدام حسين)، وحتى قبله (عبد الكريم قاسم). الإشكالية هنا بتصوري تتعلق بالهوية العراقية التي لم تكن واضحةً طيلة عهد الدولة العراقية الحديثة،  كما ولم يتم الاتفاق على شكلها وكيف يمكن أن تكون؟ مما أدى إلى تعقد خياراته الخارجية التي ظلت متأثرةً بالداخل المرتبك، واللامتوافق.

وبرأيي الشخصي أن الخيار الخارجي الأسلم للعراق، يتمثل في اتباع النهج الذي سار عليه (نوري السعيد)، على الرغم من بعض الإخفاقات التي ألمت به، من بينها فشل السعيد في إقناع الداخل العراقي بسياساته الخارجية، وكذلك كانت البلاد تعاني من بعض التحديات الداخلية كالفقر مثلًا، شكلت عبئًا على صانع القرار في العهد الملكي، مما أدى إلى عدم استقرار التشكل الحكومي، واستمرار الانتفاضات الداخلية ضد النظام، كحركة (1941)، وانتفاضة (1948)، وكذلك وثبة (1952)، ليأتي انقلاب (1958) الذي شكل الضرب القاضية للنظام الملكي المتهالك في حينها. أيضًا من أسباب فشل أنموذج السعيد؛ يعود إلى الدعاية المصرية المضادة التي كان يقودها (جمال عبد الناصر)، التي كانت تمثلها إذاعة صوت العرب، مما أثر في العديد من التيارات العراقية الداخلية سواءً أكانت سياسيةً، أم عسكريةً، إذ كانت هذه الدعاية تصور العراق على أنه يعمل بالضد من المصالح العربية، وأنه يقف مع الغرب ضد العرب وغيرها من الاتهامات، التي إذا ما بحثنا ما ورائِها، سنجدها في الحقيقة خلافًا وصراعًا على الزعامة العربية، إذ لم يكن عبد الناصر على توافقٍ مع السعيد، ولا مع حلف بغداد، لأن الأخير يقف بالضد من الزعامة المصرية للدول العربية التي كان يهدف إليها عبد الناصر.

كذلك أن فشل السعيد يعود في جزء منه إلى عدم فهمه لطبيعة التحولات في القوى المسيطرة بعد الحرب العالمية الثانية، إذ ظل متمسكًا بالتحالف مع بريطانيا، التي أخذت تنحسر قوتها شيئًا فشيئًا، وأخذت الولايات المتحدة الأمريكية على ملء الفراغ الذي تتركه في مختلف المناطق العالمية التي كانت تحت سيطرتها، ومن بينها منطقة الخليج العربي، بالتالي كان يفترض بالسعيد التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، وترك بريطانيا، كما عملت الأردن في حينها، وكذلك المملكة العربية السعودية، لذلك نجد أن الأنظمة الملكية العربية التي ظلت على تحالفها مع بريطانيا، قد تم الانقلاب عليها، كما حدث مع النظام الملكي المصري في عام (1952)، والنظام الملكي العراقي في عام (1958)، وكذلك النظام الملكي الليبي في عام (1969). وقصدي هنا ليس أن الموضوع كان مؤامرةً، بقدر ما أن هذه الأنظمة لم تفهم طبيعة التحولات الجيوسياسية عقب الحرب العالمية الثانية، بالتالي فقدت أهم متغير المتمثل في الحماية الخارجية للنظام والدولة، من قبل حليف خارجي قوي.

لهذا كنت قد أوضحت فيما سبق ما يفترض على العراق السير عليه على الصعيد الخارجي، وعبر مقالتين الأولى في عام (2018) كانت بعنوان "أمننا المركب لا الأحادي"، أي بمعنى أن بلادنا لا بد لها من تعزيز تحالفاتها مع الخارج القريب والبعيد، حتى تضمن أمنها؛ لأنها لا تمتلك في العصر الراهن القدرات التي تؤهلها لأن تحفظ أمنها بمفردها، والمقالة الثانية نشرت شهر شباط/فبراير من العام (2020) عنوانها "ماذا تريد أمريكا من العراق؟"، وفيها إجابة على الإستراتيجة التي من المفترض السير عليها المتمثلة بخيار حليف واحد وشراكات متعددة. السبب البسيط الذي دعاني إلى أن افتراض هذه الافتراضات، يتعلق بغبن الجغراقية العراقية كما أشرت في بداية المقال، التي عقدت من خياراته الخارجية، وكذلك صعوبة مرونته الحركية الجيوسياسية.

أما فيما يخص نهج الخيار الصلب الذي سار عليها (صدام حسين)، فلا يمكن البحث فيه، أو في مدى قدرة البلاد على الذهاب باتجاهه؛ لأن مآلاته واضحةً للعيان، وغالبية الشعب العراقي عانت منه الأمرين، مر الحصار وشظف العيش والطغيان، ومر الاحتلال الأمريكي في عام (2003)، الذي أجهز على ما تبقى من بقايا دولةٍ عراقيةٍ، ليحولها إلى كانتونات اقطاعية متقاتلة على الجغرافية، والماء، والكلأ، والسلطان.

الباحث في كلا الأنموذجين من الناحية السيكولوجية، سيجد أن من أسباب تبني كل من السعيد، وصدام، للخيارات التي ساروا عليها؛ ترجع إلى طبيعة شخصيتهما، وكذلك التنشئة الاجتماعية المختلفة لكلايهما، فنوري السعيد كان ضابطًا في الجيش العثماني، عاصر السياسة العثمانية، وتنقل في مختلف المناطق التي كانت تسيطر عليها، وشارك في حروبها، ومع قيام الحرب العالمية الأولى هرب من الجيش العثماني، لينضم إلى الثورة العربية الكبرى التي قادها (الشريف حسين)، وعبرها توطدت صداقته مع الأمير فيصل، الذي أصبح فيما بعد ملكًا على العراق، وكان مرافقه إلى أوروبا إبان محادثات السلام في باريس، وشكل معه الحكم في سوريا قبل أن ينهار على يد الفرنسيين، لترسوا باخرتهم أخيرًا في العراق، ليشكلا بعدها وبمعاونة البريطانيين الدولة العراقية الحديثة. هذه الأسباب جعلت من السعيد شخصية سياسية بامتياز؛ لما خبره من سياسات الدول، وما يدور في أروقتها، وطبيعة التوازنات التي تحكمها، مما حدا به إلى اتباع النهج الذي سار عليه.

مسألة الغبن الجغرافي الذي يعاني منه العراق تبقى قدره المحتوم، مما يدفعه إلى البحث عن الخيارات التي تقلل من كلفته

أما صدام حسين ترعرع في بيئة قبلية بامتياز، عاش يتميًا إذ فقد فيها أباه في عمرٍ مبكرٍ، ليتربى تحت كنف خاله (خير الله طلفاح)، الأمر الذي جعله يعيش مرارة الحرمان من الأبوة، فضلًا عن قساوة العيش، والفقر الذي لازمه في بداياة حياته، جعلت منه شخصًا حاد الطباع، أدت به فيما بعد إلى الانضمام إلى حزب البعث، حاول الالتحاق بالكلية العسكرية، كحال بقية أقرانه من البيئة الريفية، والفقيرة، الذين دائمًا ما يحاولون الانضمام للكلية العسكرية، رغبةً منهم في التخلص من واقعهم، زيادةً على البحث عن المكانة الاجتماعية التي ستوفرها لهم هذه الكلية، لأن البيئة الاجتماعية تنظر بإيجاب اتجاه ضباط الجيش، إلا أن صدام فشل في مسعاه هذا. مما ولد لديه أمر أشبه بالعقدة النفسية، جعلت منه فيما بعد لا سيما عندما وصل إلى كرسي الحكم، شخصيةً تحاول إبراز مدى قدرتها على الفهم العسكري، والتقليل من شأن الضباط العساكر الفعليين، بدليل أنه كان يقرب منه أشخاص لا يمتون إلى العسكرية بصلةٍ، أو أنهم من ذوي المراتب العسكرية المتدنية، وضعيفي الشخصية، حتى أنه لقب نفسه بالمهيب، وحسب علمي لا توجد هكذا رتبةً في الجيش العراقي. هذه الأسباب وربما غيرها، جعلت من صدام شخصية طغيانية لا تعترف بالآخر، إلا بمدى طاعته له، مما انعكس على طبيعة السياسات التي أقدم عليها، التي لم تتخذ غير الطابع الصلب "العنيف".

اقرأ/ي أيضًا: ماذا تريد أمريكا من العراق؟

ومما تقدم يمكن القول إن مسألة الغبن الجغرافي الذي يعاني منه العراق تبقى قدره المحتوم، مما يدفعه إلى البحث عن الخيارات التي تقلل من كلفته، من بينها:

  • 1- تعزيز علاقته مع الكويت، فضلًا عن بقية دول مجلس التعاون الخليج، على رأسها المملكة العربية السعودية، وهذا يتطلب تنمية علاقاته مع المهيمن الذي يحميها أقصد الولايات المتحدة الأمريكية.
  • 2- تبني فرضيات نظرية مركب الأمن، التي جاء بها (باري بوزان)، وهي من وجهة نظري تعمل على الجيوبولتيكيا العراقية بصورة دقيقة.
  • 3- محاولة إعادة إحياء خط سكة حديد برلين – بغداد. ولكن بصورةٍ معكوسةٍ، يكون منطلقها من البصرة مرورًا بتركيا، ومن ثم الوصول إلى أوروبا، هذا الخط يكون عبارة عن قطارات متطورة تربط العراق بأوروبا، وكذلك خطوط عملاقة لنقل الطاقة من الجنوب العراقي إلى القارة الأوروبية، بمعنى يكون لدينا طريق الحرير الخاص بنا، هذا سيعمل على تعزيز روابط علاقاتنا مع الجارة تركيا، وكذلك دول القارة الأوروبية، مما يدفعنا إلى تبني إستراتيجية مستقبلية تأخذ بهذا المشروع الحيوي، الذي يمكن له أن يخفف من وطأة غبننا الجغرافي. بالتأكيد سيواجه هذا المشروع بعض العقبات لعل أهمها العقبة الروسية.
  • 4- الأهم من ذلك العمل على إصلاح الداخل العراقي، عبر أهم خطوة وهي ضرورة العمل على بناء هوية عراقية واضحة، تقضي على التشتت الذي نعيشه منذ عقود.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التحليل الإستراتيجي... قراءة في الأبعاد النظرية

الشرعية الثورية والشرعية السياسية