ماذا تريد أمريكا من العراق؟

ماذا تريد أمريكا من العراق؟

الانقسامات الداخلية التي يعيشها العراق، تمنع من أن يحدد وجهته حيال الخارج (فيسبوك)

لو نزلت إلى الشارع العراقي، رغبةً منك في طرح سؤالٍ محددٍ على المارةِ فيه، هو "ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية من العراق، أو باللهجة العامية: "شتريد من العراق؟"، وذات السؤال نطرحه على من يتولون أمرنا. بالتأكيد ستكون إجابات الغالبية منهم تتمركز حول: إنهم طامعون في ثرواتنا، وأرضنا، وكذلك أنهم يريدون ضمان أمن الكيان الإسرائيلي، الذي يرغب بأن يستمر العراق ضعيفًا، أو أنهم يريدون تدمير الإسلام، والمسلمين، وكذلك تفتيت، وتقسيم البلد، وغيرها من الإجابات التي لا أُريد التعمق فيها، بل أخذت هذه المقدمة لتكون مدخلًا لموضوعي الرئيسي كما هو مبين في عنوان المقال، من أجل فهم طبيعة الرؤية الشعبية، والرسمية السائدة حول الأمريكان، وبين ما أُريد التوصل إليه، والذي سيكون بعيدًا عن هذه الرؤية؛ أي بمعنى أدق، سأبحث الموضوع من الناحية الجيوسياسية، وما يمثله العراق فعليًا في المدرك الأمريكي.

ترى الولايات المتحدة الأمريكية في العراق رقعةً إستراتيجيةً مهمةً، تقع في صلب إستراتيجيتها العالمية الراغبة في تحقيق الهيمنة المطلقة على العالم

والجيوسياسية كما يعرفها جورج قرم تعني "وصف وتحليل مختلف الإجراءات التي تعكس رغبة دولةٍ، أو نظام حكم، يُعبر عنها علنًا، أو بصورةٍ غير مباشرة، في بسط وتوسيع سلطتها في النظام العالمي، ابتداءً بالدول المجاورة لها، ثم في مرحلة ثانية في تثبيت نفوذها المتزايد على أجزاءٍ أخرى من العالم". وبناءً على هذا التعريف ترى الولايات المتحدة الأمريكية في العراق رقعةً استراتيجيةً مهمةً، تقع في صلب استراتيجيتها العالمية الراغبة في تحقيق الهيمنة المطلقة على العالم، والهيمنة هنا ليست بمعنى أن تُرسل جيوشها لتغزو، وتضم الأراضي، والبلدان، كما كان شائعًا إبان الحقب الماضية؛ وإنما القصد منها هو النفوذ السياسي، والاقتصادي، والعسكري عبر نشر قواعدها العسكرية في مختلف الأصقاع، وحتى الاجتماعي! أي أن تكون هنالك أنظمة سياسية لا تتبنى سياساتٍ معاديةٍ لها، أو لمصالحها العالمية، كتلك الدول التي تُطلق عليها وصف "دول محور الشر" أو "الدول المارقة". ومع ذلك قد تلجأ إلى الغزو؛ ذلك لدواعٍ إستراتيجيةٍ محددةٍ كما حدث مع أفغانستان في عام (2001)، والعراق في عام (2003).

اقرأ/ي أيضًا: صراع أمريكا وإيران.. العراق ساحة للحرب أم الحوار؟

لهذا، تتبع الولايات المتحدة الأمريكية سياسة يصفها جون ميرشايمر بـ"سياسة تمرير المسؤولية إلى الآخرين"، أي أنها تتحالف، وتتشارك، مع عدد من الدول في مختلف المناطق العالمية المهمة كشرق آسيا، والخليج العربي، تكون أداتها لحفظ مصالحها، وكذلك تكون أداةً لردع منافسيها، وأعدائها، كما في حالة حليفتها اليابان، وكوريا الجنوبية، الدولتين اللتين تعملان في سبيل احتواء المارد الصيني، وكذلك بالنسبة للملكة العربية السعودية، التي تعمل كموازن إقليمي لإيران، الدولة التي تهدد المصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربي، وكذلك تهديد أمن الكيان الإسرائيلي، الذي يقع في صلب المصالح القومية الأمريكية.

 إلا أن السعودية فشلت في لعب هذا الدور بعد عام (2003)، وهو ما أدى إلى تغول النفوذ الإيراني في هذه المنطقة، ولذلك يقول محمد حسنين هيكل "لم تكن السعودية مثلًا هي المطلب الأمريكي الأول، فحقائق القوة يصنعها البشر، ولا يصنعها البترول". وكان العراق قبل الاحتلال يحد من هذا النفوذ، بل كان يشكل عامل توازن إقليمي قبالة إيران في المنطقة، وأجاد هذا الدور الاستراتيجي، حتى نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من أنه احتل الكويت في شهر آب/أغسطس من عام (1990)، وما ترتب بعد ذلك من جهودٍ دوليةٍ قادتها الإدارة الأمريكية تحت رئاسة رئيسها الأسبق (جورج بوش الأب)، التي هدفت إلى إخراج العراق من الكويت في عام (1991)، عبر عمليةٍ عسكريةٍ أُطلق عليها اسم "عاصفة الصحراء"، ولم تكتفِ بإخراج العراق فقط؛ وإنما عمدت إلى اتباع تدميرٍ ممنهجٍ للبنى التحتية العراقية، فضلًا عن تدمير الجيش العراقي المنسحب من الكويت، أعقبه فرض حصارًا دوليًا خانقًا عليه، استمر حتى احتلاله في عام (2003).

هذه الاستراتيجية تندرج ضمن فرضية جون ميرشايمر التي يسميها بـ"فرض التوازن"، إذ تلجأ القوى العظمى، والكبرى، إلى هذه السياسة عبر التدخل المباشر من قبلها؛ بعد أن تفشل سياسة تمرير المسؤولية إلى الآخرين، أي بمعنى أن القوى العربية كالسعودية، ومصر، باعتبارها دول حليفة للولايات المتحدة الأمريكية، لم تستطع ردع العراق في حينها، ما حتم عليها التدخل بنفسها، لإعادة الأوضاع في المنطقة كما كانت عليه قبل الاحتلال العراقي للكويت، كما وعززت تواجدها العسكري في هذه المنطقة الحيوية بالنسبة لها، التي لن تتوانَ للحظة في الدفاع عن مصالحها فيها انطلاقًا من مبدأ كارتر، إذا ما تعرضت للخطر من قبل أية قوة.

مع ذلك عملت الولايات المتحدة الأمريكية على المحافظة على نظام صدام حسين، كما وسمحت له بقمع الانتفاضة التي قامت ضده في محافظات الجنوب العراقية، وغضت الطرف عن ذلك. لماذا؟ لأنها لم تكن ترغب بأن يختل توازن القوى في المنطقة لصالح إيران، في حال سقوط النظام العراقي، في الوقت الذي لم يكن هنالك بديلًا موثوقًا بالنسبة لها. واستمر نظام صدام بسبب هذه الغاية، على الرغم من أن صلات التواصل بينه، وبين الأمريكان قطعت، ولم تتعامل الإدارة الأمريكية مع نظامه، حتى أنها وضعت في عام (1998)، إبان حكم رئيسها الأسبق بيل كلينتون ما اسمته "قانون تحرير العراق"، وكان من بين فقراته اللجوء إلى القوة العسكرية لتحقيق هذا الهدف، مما يفسر بأن ما حدث في عام (2003)، لم يكن إلا تحصيل حاصل، وأن أحداث 11 أيلول/سبتمبر التي حدثت في عام (2001)؛ كانت فرصة سانحة لإدارة الرئيس الأمريكي الأسبق (جورج بوش) لكي تنفذ هذا القانون؛ وتعمل على احتلال العراق، وإسقاط نظامه السياسي، بل والدولة برمتها!

ليس لشيء، إلا لأنها تريد نظامًا جديدًا تستطيع التعامل معه، يكون بمثابة أنموذجًا ديمقراطيًا يحتذى به، في ظل منطقة عربية تعج بالأنظمة الاستبدادية، وليكون العراق منطلقًا للاستراتيجية الأمريكية، ولمشروعها في المنطقة، وليستمر طرفًا موازنًا لإيران، زيادةً على استثمار ثرواته الطبيعية كالنفط، من أجل أن تستثمر فيه الشركات النفطية الأمريكية، وكذلك استخدامه ورقةً سياسيةً، للتلاعب بأسعاره، والتأثير على الدول المستهلكة له، لا سيما تلك المنافسة لها كالصين مثلًا، التي تعد أكبر مستورد للنفط العراقي، إذ يصل الرقم إلى (800) ألف برميلٍ في اليوم الواحد.

يعد العراق قلب منطقة الشرق الوسط، ومن يسيطر عليه، يسيطر على هذه المنطقة المهمة للغاية، وهذا تضعه أمريكا ضمن اعتباراتها الجيوسياسية

كما وأن الصين تعد أيضًا منافسةً لها على العراق، لا سيما وأنه يقع في صلب استراتيجيتها، أو ما تطلق عليه مبادرة "الحزام والطريق"، وهي رؤية صينية تحاكي أنموذج طريق الحرير القديم، الذي كان قديمًا يربط الصين بدول منطقة الخليج العربي. بالتالي هذا الأمر يؤرق الإدارة الأمريكية، فكيف لها تقبل خسارة العراق، سواءً أكان لإيران، أو للصين، أو أية دولةٍ أخرى؟ البلد الذي خسرت من أجله ترليونات الدولارات، فضلًا عن آلاف الضحايا، والجرحى من جنودها، لن تُسلمه بالسهولة التي نتصورها؛ فهذه حقائق قوة، وهيمنة، ومكانة تقع في صلب تفكير القوى العظمى والكبرى.

اقرأ/ي أيضًا: صراع أمريكا وإيران.. هل يمكن مسك العصا من المنتصف؟

هذه الرؤية الأمريكية لم تأتِ من فراغ؛ لا سيما وأنه يتمتع بالعديد من المزايا الاستراتيجية، كالمواقع الجغرافي الرابط بين قارات العالم القديم، وبثرواته الهائلة، وحضارته الضاربة في القدم، وما يمتلكه من تأثير ديني، وحضاري، على الدول العربية أجمع، مما يؤهله للعب دور القائد في المنطقة العربية، على اعتبار أن بغداد كانت في يوم ما عاصمة الدولة العباسية، وما يمثله من ثقل دينيٍ بالنسبة لشيعة العالم أجمع الذين ينظرون إليه على أنه رمزهم الروحي، لأن رموزهم، ومراقدهم الدينية كالإمام علي، والحسين، والعباس، متواجدة فيه، وغيرها من المميزات. فإذا ما كانت روسيا الاتحادية قلب أوراسيا، يعد العراق قلب منطقة الشرق الأوسط، ومن يسيطر عليه، يسيطر على هذه المنطقة المهمة للغاية، هذا وغيره تضعه الولايات المتحدة الأمريكية ضمن اعتباراتها الجيوسياسية التي تخص العراق.

إلا أن كل الآمال الأمريكية التي بنتها إدارة بوش حول العراق، تبخرت على أرض العراق، إذ مع الشهور الأولى للاحتلال انطلقت المقاومة العراقية الرافضة للتواجد الأمريكي على الأراضي العراقية، ووجدت أن الواقع ليس كما تصورته قبل الاحتلال، إذ كان يُخيل إليها أن الشعب العراقي سيستقبلها بالورود. وهنا يقول جون فريدمان في كتابه الإمبراطورية والجمهورية في عالم متغير "أصبح الهدف النهائي ليس خلق واقع استراتيجي جديد في المنطقة، بل أصبح الهدف مجرد سحب القوات الأمريكية ضمن إطار زمني معقول، وكان أفضل أمل هو أن تترك ورائها حكومة محايدة، وفي أحسن الأحوال ستكون نتيجة الغزو النهائية هي الفوضى".

هكذا حاولت إدارة الرئيس الأمريكي السابق (باراك أوباما)، جاهدةً من أجل لملمة أوراق بلادها في العراق، والعمل على الخروج منه في أسرع وقت، لتفادي حجم الكلف البشرية، والمادية، فضلًا عما سببه احتلالها للعراق من تضرر في سمعتها الدولية، وانعدمت مصداقيتها، لأنها بنت مشروع احتلالها على أساس أن العراق يمتلك السلاح النووي، الأمر الذي تبين أنه مجرد وهم، أو خدعة، أو كذبة، كما وأصبح ينظر لها على أنها دولة احتلال، على عكس ما كانت تصدره، باعتبارها دولة مناصرة لتقرير مصير الشعوب، واستقلالها، وهذا ما حدث فعليًا في عام (2011)، إذ خرج آخر جندي أمريكي من العراق بعد احتلال دام 8 سنوات.

الأمر الذي استثمرته إيران أيما استثمار، لا سيما وأن من تسنم السلطة الجديدة في العراق بعد (2003)، هم حلفاء من القوى السياسية الشيعية ذات التوجهات الأصولية الإسلامية، وبدل أن تخلق الولايات المتحدة الأمريكية توازنًا إقليميًا محوره العراق؛  نجد أن إيران سيطرت عليه، وأضحى يسير في ركب استراتيجيتها الراغبة في تشكيل ما يسمى بـ"الهلال الشيعي"، أو بالأحرى ما يسمى بمشروع "أم القرى"، الراغب بتصدير الثورة الإيرانية خارج الحدود، والذي يهدف بالأساس إحكام السيطرة الإيرانية على المنطقة، فهو في مظهره يحمل أبعادًا دينية؛ إلا أن حقيقته تنبع من طموحات جيوسياسية إيرانية تخص رؤيتها حيال المنطقة.

وعملت على دعم عدد من الجماعات المسلحة ما دون الدولة، لتكون بمثابة يدها الضاربة في العراق، ومصدًا قويًا ضد المحاولات الأمريكية؛ الرامية إلى جعل العراق قوةً إقليميةً موازنةً لها، وهو ما يضر بمشروعها في المنطقة، سيما وأنه يعد ـ العراق- ممرها نحو البحر الأبيض المتوسط، وكذلك المنطقة العربية برمتها، وكذلك القارة الأفريقية، ومن دونه ستكون غير مؤثرة على الصعيد الإقليمي، وستفشل كل مشاريعها الإقليمية التي نسجتها بعد عام (2003).

وهذا على الضد مما يريده الأمريكان حيال العراق. فكيف لمشروع استراتيجي أرادوه هكذا يتبخر أمامهم؟ ولهذا الفشل أسباب عدة منها:

  • أولًا: فشلهم في قراءة الواقع العراقي المجتمعي قبل اتخاذهم خطوة الاحتلال.
  • ​ثانيًا: اعتمدوا في البداية على طائفة محددة وهي الطائفة الشيعية، مقابل تجاهل تام للطائفة السنية، وهو ما أدى إلى أن تكون حجر عثرة أمام المشروع الأمريكي الخاص بالعراق، لأنها أول من تبنت مشروع المقاومة المسلحة ضد قواتهم، المتغير هذا لم يكن في حسبانهم، وفي ذلك يقول جون فريدمان "فقد وضعوا ـ السنة - في موقف، ليس هنالك ما يفقدونه فيه، وتبنو إطلاق النار العشوائي والعبوات الناسفة".
  •  ثالثًا: فشلهم في مساعدة العراق من أجل بناء دولة محترمة قوامها الوطنية، والمواطنة، وهذا الفشل أدى إلى أن يكون العراق مرتعًا للإرهاب، والجماعات المسلحة العابرة للحدود، في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتصور فيه أنها قضت على أهم داعم  للإرهاب أي (صدام حسين)، بينما نجد أن العكس هو الذي حدث. 

 مع ذلك سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تصحيح الوضع الجيوسياسي في العراق الخاطئ بتصورها؛ وكان متغير داعش فرصة لتصحيح المسار، لا سيما مع طلب الحكومة العراقية في حينها، مساعدتها في حربها ضده، لتشكل التحالف الدولي، ولتعمل على بناء مجموعة من القواعد العسكرية، وتحديدًا في المناطقة السنية والكردية "العراق المفيد"، أي بمعنى أنها أخذت تعزز نفوذها في المحافظات ذات الغالبية الكردية والسنية، إذ أن معادلة القوى الداخلية المساندة لها، طرأ عليها تغيُر في طبيعة توازناتها، فمثلًا كانت المعادلة في عام (2003) وإلى حد عام (2014) تقريبًا، قائمةً على أساس (شيعة، كرد) يساندون التوجهات الأمريكية، بينما السنة معارضون للتواجد الأمريكي، أما بعد ذلك تغيرت إلى (كرد، سنة) مساندون، وشيعة معارضون لهذا التواجد، وقد عبرت العديد من الفصائل الشيعية عن هذا التوجه بشكلٍ علني، بل وصوتت الكتل الشيعية في البرلمان على ضرورة خروج القوات الأمريكية من العراق، عقب حادثة اغتيال كل من (قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس)، بينما لم تحضر هذه الجلسة من الأساس الكتل الكردية، والسنية.

الانقسامات الداخلية التي يعيشها العراق، تمنع من أن يحدد وجهته حيال الخارج، ومع أي معسكر وحلف يكون

استثمر الأمريكان ذلك، عبر إعلانهم عن ضرورة استمرار تواجدهم في العراق؛ لأن هنالك أطرافً محليةً تؤيد ذلك، كما أن خطر "داعش" لم ينتهِ بعد، والأهم أن بقائها يضمن الحد من النفوذ الإيراني في العراق، أملًا في إنهائه مستقبلًا، سواءً القريب أم المتوسط. أما إذا استمرت القوى الشيعية على مواقفها الرافضة لتواجدهم في العراق؛ ربما يلجأون إلى خيار العقوبات الاقتصادية، وهو ما هدد به صراحة (دونالد ترامب)، أو ربما الاعتماد على "العراق المفيد"، وهو ما يؤدي إلى قطع الطريق البري الذي يصل إيران بسوريا وصولًا على لبنان، فضلًا عن البحر الأبيض المتوسط، وحلقة الوصل هنا العراق، لا سيما المناطق الكردية، والسنية، والمحافظات الجنوبية حتى لو سيطرت عليها إيران، من وجهة نظري لن تكون مؤثرة، لأن الدولة المحاذية لها هي المملكة العربية السعودية، وهي في حالة عداء معها، زيادةً على أنها حليفة للولايات المتحدة الأمريكية، بالتالي ستكون مصدًا مانعًا أمام إيران، يحول دون مرورها البري نحو الخليج.

اقرأ/ي أيضًا: واشنطن: سليماني قتل بأمر من ترامب.. قاد الهجمات وأحداث السفارة الأمريكية

وتنطلق الولايات المتحدة الأمريكية في رؤيتها هذه، بناءً على ما يفترضه جون ميرشايمر في نظريته، التي يؤكد فيها على أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن فرضت هيمنتها المطلقة على نصف الكرة الغربية؛ ستعمل على منع بروز أية قوى ممكنة في المناطق الأخرى من العالم، قد تهددها أمنها القومي، أو نفوذها العالمي، وهو ما ينطبق على  إيران التي تهدف إلى أن تكون قوة مهيمنة في منطقة الخليج العربي، المنطقة التي تقع في صلب الاستراتيجية الأمريكية، ولنا أن نتصور تعاملها مع (صدام حسين) حين غزا الكويت، ونحاول أن نسقطه على إيران، فكيف ستكون النتائج؟ بالتأكيد لن تختلف عن تعاملها، ربما إلا في الأساليب، التي في الأخير ستؤدي إلى ذات النتائج التي تحفظ الهيمنة الأمريكية في منطقة الخليج العربي.

يبقى السؤال الأهم هل يدرك العراق، أو يفهم ما يريده الأمريكان؟ يقترح بعض أساتذة الاستراتيجية في العراق، ومن بينهم الدكتور علي حميد العيساوي، ما يُطلق عليها أطروحة "حليف واحد وشركاء متعددون"، بمعنى أن العراق ينبغي عليه الاعتماد على حليف دولي قوي لحفظ أمنه، وكذلك حتى يكون لاعبًا إقليميًا مؤثرًا، وهذا الحليف يكون، أما دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، أو حلف كحلف شمال الأطلسي "الناتو"، أي أن يكون ضمن المعسكر الغربي في كل الأحوال، ولا بأس بأن يقيم العديد من الشراكات الدولية مع بقية الدول الأخرى، كالصين، ورسيا الاتحادية، وإيران...الخ، وشخصيًا اتفق مع هذه الرؤية؛ فالعراق في ظل وضعه الجغرافي المعقد، المحاط بقوى إقليمية تبحث عن بسط نفوذها عليه، كإيران، وتركيا، لن يستطيع كبح جماحها؛ إلا في ظل حليف دولي قوي تخشاه هذه القوى.

إلا أن الانقسامات الداخلية التي يعيشها العراق، تمنع من أن يحدد وجهته حيال الخارج، ومع أي معسكر، وحلف يكون، فالشيعة يريدون الذهاب باتجاه معسكر روسيا الاتحادية، والصين، والكرد، والسنة يرون أن الخيار الأمثل هو الولايات المتحدة الأمريكية، ومحور الخلاف بين كلا التوجهين هو إيران، إذ أن الطرف الشيعي يؤيد الذهاب باتجاه المعسكر الذي ذكرته آنفًا لأن فيه إيران حليفهم الطبيعي، بينما الكرد والسنة، يعارضون ذلك، لأنهم يعتقدون أنهم سيكونون تحت رحمة الهيمنة الإيرانية المطلقة. فضلًا عن ذلك فإن المتغير المذهبي له دوره المهم في رسم هذه التوجهات، إذ أن الكرد والسنة، وأن اختلفوا قوميًا؛ إلا أنهم على ذات النهج من الناحية الدينية، باعتبارهم يتبعون المذهب السني، الذي لا يرغب بالدور الإيراني ذو التوجهات المذهبية الشيعية.

في الوقت الذي تريد فيه الولايات المتحدة الأمريكية من العراق، أن يكون طرفًا موازنًا لإيران، على اعتبار أن السلام، وبحسب هنري كيسنجر لا يمكن المحافظة عليه؛ إلا في ظل توازنٍ ثابتٍ للقوى بين الدول. وهذا التوازن اختل في المنطقة عقب الاحتلال الأمريكي للعراق، وما ترتب عليه من سقوط نظام صدام حسين، الذي كان موازنًا مهمًا للقوى في المنطقة، وهو الذي أدى فيما بعد إلى إدراك الأمريكان حجم الخطأ الكبير الذي ارتكبوه. وهم إذ يحاولون تصحيح هذا الوضع الجيوسياسي، يقف شيعة العراق عقبة أمام ذلك، الذين يرون أنهم لا يمكن لهم الوقوف ضد حليفتهم السياسية، والدينية، فضلًا عن جارتهم الجغرافية إيران، وهو ما يؤكد عليه مرارًا قادة الفصائل الشيعية بشقيها السياسية، والمسلحة.

 ليس أمام القوى المهيمنة، إلا افساح المجال للدماء الجديدة التي ترغب ثورة تشرين في أن تحقنها في الجسد العراقي المريض

أمام هذا الانقسام الداخلي، والتنافس الخارجي، يقف العراق على أعتاب حافة الهاوية، والحل بيد قادة الأطراف المحلية المهيمنة (الشيعة، الكرد، السنة)، فعليهم أن يقرروا أين ستكون وجهة البلاد، وعليهم أن يضعوا في الاعتبار مصالح البلد، والشعب فوق كل اعتبار، التي كانت آخر ما يهمهم طوال المدة التي تلت العام (2003) بالتالي ليس أمامهم، إلا افساح المجال للدماء الجديدة التي ترغب ثورة تشرين في أن تحقنها في الجسد العراقي المريض، أملًا في أن يكون هنالك وطنًا محترمًا يعرف ماذا يريد.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

قصة مقتل "الشبح" و"مهندس" الميليشيات في العراق

القصة الكاملة لاغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في بغداد