غليان بعد اغتيال

غليان بعد اغتيال "رهام".. كيف تحول التحريض الإيراني العلني إلى "حمام دم"؟

قتلت الناشطة رهام يعقوب بعد عامين من حملة تحريض شنتها ضدها وسائل إعلام إيرانية

الترا عراق - فريق التحرير

"سيقتلون واحدًا تلو الآخر"، مصير بات شبه محتوم للناشطين في البصرة بل في كل أنحاء البلاد، حيث تتحرك أشباح يعرفهم الجميع وتنكرهم أجهزة الأمن، هكذا يقول أحد أصدقاء رهام يعقوب المقربين منها حول حادثة اغتيالها.

اغتيلت الناشطة رهام يعقوب بهجوم مسلح وسط البصرة بعد عامين من حملة تحريض شنتها ضدها وسائل إعلام إيرانية 

قتلت رهام طالبة الدكتوراه في سيارتها بثلاث رصاصات، مساء الأربعاء 19 آب/أغسطس، وفق مصدر في الشرطة، وسط البصرة وعلى بعد أمتار قليلة فقط من نقطة تفتيش تضم قطعات أمنية مختلفة، بعد حملات تحريض طاردتها منذ أكثر من عامين واشتركت فيها وسائل إعلام إيرانية شبه رسمية.


سيارة الناشطة رهام يعقوب بعد عملية الاغتيال

يتحدث صديق الناشطة وخبيرة التغذية يعقوب، وهو شاب شارك في احتجاجات البصرة على مدى أعوام قبل أن يغادرها هربًا قبل وقت ليس بالطويل نحو إحدى المحافظات الشمالية، يتحدث بحرقة بعد أن فقد صديقين مقربين في غضون أسبوع وكاد أن يفقد ثلاثة آخرين.


الناشطة رهام يعقوب في مشاركة احتجاجية عام 2018

وقتل الناشط البارز في حراك الاحتجاجات الشعبية في البصرة، تحسين أسامة، يوم الإثنين الماضي 17 آب/أغسطس، بأكثر من 20 رصاصة أطلقها مسلحون يرتدون قبعات وكمامات، وفق ما أظهر مقطع مصور تابعه "الترا عراق"، فيما نجا ثلاثة آخرون من محاولة مشابهة حين ترجل مسلح وفتح النار نحو سيارة كانوا يستقلونها لكن سرعة رد فعل سائق السيارة أنقذتهم بأعجوبة.


الناشط تحسين أسامة مع أطفاله

ويقول الناشط البصري الهارب لـ "الترا عراق"، إن "رهام تعرضت إلى حملة تحريض منظمة قادتها وسائل إعلام إيرانية عام 2018، وتلقفتها صفحات وحسابات مرتبطة بالفصائل المسلحة في العراق، على مرأى من أجهزة الدولة الاستخبارية والتي لم تحرك ساكنًا".

اقرأ/ي أيضًا: مصير مجهول لعشرات المتظاهرين في البصرة بعد تحريض إيراني

ويضيف مشترطًا عدم كشف هويته حفاظًا على حياته، أن "ريهام اضطرت حينها إلى مغادرة المحافظة، وبقيت لمدة نحو شهر في إحدى محافظات شمالي البلاد، على أمل أن تنحسر موجة التحريض التي طالتها، قبل أن تعود إلى البصرة وتبتعد عن النشاط الاحتجاجي وتتفرغ لعملها كخبيرة تغذية ومدربة لياقة بدنية".

هربت رهام في عام 2018 وثم عادت إلى البصرة وتوقفت عن النشاطات الاحتجاجية وتفرغت لعملها كخبيرة تغذية ومدربة لياقة بدنية

لم يشفع ذلك لرهام يعقوب، فبعد أكثر من عامين من تقرير نشرته وكالة "مهر" الإيرانية شبه الرسمية، والذي تضمن قائمة بأسماء نشطاء في البصرة من بينهم يعقوب، اتهمتهم الوكالة الإيرانية بالانخراط في مشروع أمريكي لـ "التخريب"، توقفت إلى جانبها سيارتها مركبة صوب منها مسلح مسدسًا من نوع "غلوك" وأمطرها بثلاث رصاصات استقرت في صدرها ورقبتها لتفارق الحياة على الفور.

ونشر بعض أصدقاء الناشطة مقطعًا مصورًا ظهرت فيه الأخيرة وهي تنفي الاتهامات التي وجهتها إليها وسائل الإعلام الإيرانية والحسابات المرتبطة بها على مواقع التواصل، مؤكدة عزمها مقاضاة مروجي تلك المعلومات التي قادت في النهاية إلى تصفيتها.

مقتل الناشطة، التي دفعها الخوف على حياتها إلى التوقف عن النشاط الاحتجاجي منذ نحو عامين، جاء بعد ساعات فقط من بيان صدر عن مجموعة "شباب البصرة المدني" أعلن فيه تعليق النشاطات الاحتجاجية حفاظًا على سلامة أعضائها بعد سلسلة "عمليات الاغتيال والتحريض".

 إثر ذلك، غادر العشرات من الناشطين في البصرة هاربين نحو محافظات أخرى، لتجنب مصير "بات محتومًا" كما يقول الناشط البصري ذاته، مبينًا أن "الميليشيات تستهدف قائمة من الشخصيات البارزة في الاحتجاجات ما تزال تضم ربما أكثر من 8 أسماء".

غادر عشرات الناشطين البصرة هربًا من عمليات الاغتيال وأعلنت مجموعة احتجاجية تعليق نشاطاتها

الشاب البصري الذي تحدث مع فريق تحرير "الترا عراق" عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي، كان قد تعرض إلى ملاحقة من مجموعة مسلحة نجا منها بأعجوبة، على حد تعبيره، قبل أن يفلت من محاولة اعتقال إثر صدور أمر إلقاء قبض ضده صدر من قبل قوة الصدمة "سيئة الصيت"، بتهم تتعلق بالمشاركة في الاحتجاجات.

وتُتهم السلطات في المحافظة وعلى رأسها المحافظ أسعد العيداني وقيادات الأمن الرفيعة، بغض الطرف عن عمليات الاغتيال المستمرة منذ أشهر ضد الناشطين والمتظاهرين في البصرة، إن لم يكن "التواطؤ" معها.


متظاهرون في البصرة (Getty)

وعلى الرغم من إقالة قائد الشرطة رشيد فليّح من قبل رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي على خلفية مقتل الشحماني ومحاولة اغتيال الناشطين الثلاثة، إلا أن أوساط الناشطين والمتظاهرين مازالت تغلي، خاصة وأن الجهات الأمنية لم تكشف حتى الآن عن نتائج التحقيق في أي من عمليات الاغتيال التي طالت المتظاهرين والناشطين والشخصيات البارزة كهشام الهاشمي وأحمد عبد الصمد والعشرات غيرهم.

اقرأ/ي أيضًا: غضب في البصرة: محاولة اغتيال 3 ناشطين.. إقالة قائد الشرطة ومدير الأمن

وقال الكاظمي في تغريدة عبر تويتر تعليقًا على اغتيال الناشطة ريهام يعقوب، "أقلنا قائد شرطة البصرة وعددًا من مدراء الأمن بسبب عمليات الاغتيال الأخيرة، وسنقوم بكل مايلزم لتضطلع القوى الأمنية بواجباتها".

وأضاف، "التواطؤ مع القتلة أو الخضوع لتهديداتهم مرفوض وسنقوم بكل ما يلزم لتقوم أجهزة وزارة الداخلية والأمن بمهمة حماية أمن المجتمع من تهديدات الخارجين على القانون".

تتهم الحكومة المحلية وقيادات رفيعة في أجهزة الأمن بـ"التواطؤ" مع الجهات المنفذة لعمليات الاغتيال ضد الناشطين

فيما تعهد قائد الشرطة الجديد في البصرة اللواء عباس ناجي، مساء الأربعاء 19 آب/أغسطس، بفتح تحقيق بواقعة اغتيال الناشطة رهام على يد مسلحين مجهولين، مؤكدًا في بيان مقتضب، أن "فريقًا كفوءًا من الضباط سيتولى التحقيق وستعلن النتائج في ظرف 48 ساعة".


دوريات تحمل عناصر من قوات مكافحة الشغب في البصرة (Getty)

لم يلق ناشطو البصرة من جانبهم بالاً لتصريحات قائد الشرطة، بل طالبوا بتنحية الحكومة المحلية فورًا من قبل مجلس النواب والحكومة المركزية، واتهموا في بيان صدر عنهم المحافظ العيداني بـ"التورط في هدر دماء الناشطين".

وطالب الناشطون، بـ"إرسال قوات أمنية لحماية البصرة واستعادة أمنها بحضور وزير الداخلية عثمان الغانمي شخصيًا للإشراف على التحقيقات في عمليات الاغتيال".

كما طالبوا، بـ"تغيير رئيس محكمة اسئناف البصرة وقضاة الجنايات لعدم إنجاز مجريات محاكمات تتعلق بعمليات الاغتيال، وكذلك القضايا المرفوعة ضد المحافظ وقائد الشرطة السابق رشيد فليح وآمر قوة الصدمة علي مشاري".

بيان الناشطين طالب أيضًا، الأمم المتحدة والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بـ"فتح تحقيق دولي في عمليات الاغتيال التي وقعت في العراق، واعتبارها جرائم ضد الإنسانية"، ودعوة المدعي العام إلى "رفع دعاوى قضائية ضد الجهات الإعلامية والسياسية المحرضة ضد المحتجين، وكذلك الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي".

ووجه الناشطون، دعوة إلى المرجعية الدينية العليا في النجف "للتدخل الفوري وإصدار فتوى تحرم دماء الناشطين، خاصة وأن الميليشيات تدعي أن المرجعية هي من أسستها"، على حد تعبيرهم.

دعا ناشطون المرجعية الدينية العليا في النجف إلى التدخل لوقف حمام الدم عبر فتوى صريحة 

لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل ارتفعت دعوات من قبل شخصيات بارزة إلى الناشطين للاستعداد لمواجهة حملة الاغتيالات التي "تقودها الميليشيات الموالية لطهران" عبر "حمل أسلحة شخصية للدفاع عن أنفسهم".

وكتب الشيخ أسعد الناصري القيادي المنشق عن التيار الصدري والناشط البارز في احتجاجات الناصرية عبر حسابه في تويتر، "الخطوة الأولى حمل السلاح والتدرب عليه بشكل جيد من قبل الجميع. واتخاذ كافة التدابير في أي تحرك بما يفوِّت الفرصة على أهل الغدر والقتلة. وأن تكون هناك لجان أمنية ومعلوماتية تعمل على تأمين سلامة الثوار والناشطين".

فيما كتب فائق الشيخ علي عبر حسابه، "أدعو ثوار تشرين إلى حماية أنفسكم والدفاع عنها أمام الميليشيات القذرة"، مضيفًا : "لا توجد دولة تحميكم ولا قوات تدافع عنكم. أنتم في مواجهة الميليشيات القذرة لوحدكم".

لكن الناشط البصري يعارض تلك الدعوات، ويقول لـ "الترا عراق"، إن "تلك الدعوات لا تجد ترحيبًا في أوساط ناشطي البصرة، بل من المستحيل أن ننجر إلى فخ حمل السلاح، فهو أكبر ما تتمناه الميليشيات وضباط الأمن المتواطئين معها لتصفية كل الشخصيات المدنية".

ويضيف، أن "المواجهة مع الميليشيات والأحزاب الفاسدة تهدف إلى انتزاع دولة قوية، وحمل السلاح يعني التحول إلى معسكر الفوضى واللا دولة، ولا سبيل لنا سوى الصمود والدفع نحو بناء دولة توفر الحماية لمواطنيها وتضمن حريتهم".

ارتفعت دعوات إلى حمل السلاح دفاعًا عن النفس لكنها ناشطين يرون فيها دفعًا إلى فخ الفوضى وجبهة تتربص فيها الميليشيات

بالمقابل، يبدو الشاب البصري واثقًا من أن حمام الدم لن يتوقف عند هذا الحد، ويشير إلى أنه "نصح زملاءه في الحراك الاحتجاجي بمغادرة محافظة البصرة أو التواري عن الأنظار ولو مؤقتًا للحفاظ على سلامتهم".


مشهد من احتجاجات البصرة (Getty)

وشهدت العاصمة بغداد ومحافظات البلاد في الوسط والجنوب عمليات اغتيال متسلسلة طالت أبرز النشطين والمتظاهرين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019، فضلاً عن أعمال العنف والقمع التي راح ضحيتها عشرات الآلاف بين قتيل وجريح، فيما يقول المتحدث باسم رئيس الحكومة أحمد ملا طلال، إن "الحكومة تواصل التحقيق في ملف قتلة المتظاهرين والناشطين".

وتُتهم حكومة الكاظمي هي الأخرى بتسويف ملفات عمليات القتل والفساد التي ترتبط بالشخصيات النافذة وأمراء الفصائل المسلحة المعروفين لديها بوضوح، بل وتسعى إلى عقد "صيغ تفاهم" معهم، لضمان استمرارها لأطول وقت ممكن تمهيدًا لتنافس انتخابي مقبل.

ويقول الصحافي أحمد السهيل في حديث لـ "الترا عراق"، إن "أحد أهداف تصفية الناشطين البارزين هو محاولة الفصائل المسلحة والأحزاب النافذة إفراغ المحافظات من الشخصيات المؤثرة التي تحظى بشعبية كبيرة وثقة في الأوساط الفاعلة".

ترتبط حملة الاغتيالات الأخيرة بملف الانتخابات المبكرة والتي تخشى فصائل وأحزاب أن يطاح بها عبرها وفق مراقبين وصحافيين

ويوضح، أن "وجود حكومة الكاظمي ساهم بشكل أو بآخر بتصاعد مخاوف تلك الجهات من تأسيس تيار سياسي منافس جديد، خاصة بعد استقطابها بعض الشخصيات التي كان لها دور في احتجاجات تشرين".

 

اقرأ/ي أيضًا:

استمرار اغتيال الناشطين في البصرة.. خوف السلطة من تقصيرها

"الميليشيات" تصنع "الرعب" في البصرة.. اختطاف النشطاء وتخريب البيوت وضرب النساء