في العدمية السياسية

في العدمية السياسية

حجم الضحايا الذين سقطوا غدرًا في انتفاضة تشرين، هي أعداد لا تسقط عادةً إلا في حرب (Getty)

أكبر مصيبة يمكن أن يتعرض لها الجسد الاجتماعي - السياسي هي فشل النموذج قبل أوانه! بل أكثر من ذلك: حينما يكون سبب الفشل هم أصحاب النموذج نفسه. ما لم توفر بديلًا ملموسًا على وجه الأرض فأنت لا تختلف عن خصومك السلطويين إلّا بالدرجة. الكثير من الناس التي تبشّر بالنموذج الاستيطاني اليهودي (إسرائيل) ويبدون إعجابهم بهذا الكيان، الكثير من المعجبين بتاريخ الحضارة الغربية وتغيب عنهم النظرة النقدية الفاحصة ويضعونها كموضع مقارنة بالحضارة العربية الإسلامية، والكثير من الشتّامين والسبّابين والكافرين بمنظومتنا الثقافية، هو خوفهم من الاغتراب و العدمية! ذلك أن الإنسان يسحره نور الوجود ويرعبه ظلام العدم، وهذا الأخير يسلبه لذّة الشعور بالوجود. إن انعدام الوقائع الملموسة يحيل إلى اليوتوبيا من جهة، وتفتيت الانتماء الوطني من جهة أخرى. فطالما توجد مرجعيات حضارية ضخمة خارج حدود الثقافة المحلية توفر للناس هذا الشعور، فهي مستعدة لبيع ما تبقّى من نماذجها البالية لتتمسك بالجديد المغري والملموس، ولن تعود الخصوصية تشكّل أي إغراء يٌذكر عند الكثير.

بعد الخذلان المبين من قبل النخب السياسية، وعزوف معظم المحتجين عن العمل السياسي المُنَظَّم، ماذا يتبقّى لهذه الذات الممزقة غير العدمية؟ 

 إن الناس في نشاطاتهم الاجتماعية والسياسية لا تعمل انطلاقًا من منظومة الغيب، بمعنى أنهم لا يؤمنون بنماذج غيبية حالمة. حتى المتدينين يترجمون سلطة الغيب في عالم الشهادة بسلوكهم الاجتماعي والسياسي طبقًا لسردياتهم التي يؤمنون بها. فبالتالي يحتاج التغيير إلى ترجمة فعلية؛ فتتحول الأفكار إلى وقائع، والغيب إلى شهادة، والإمكان إلى عيان ملموس. فما عدا ذلك يشيع الكفران المبين، بين أوساط العدميين، بمختلف النماذج التاريخية حتّى لو كانت قدس الأقداس.

اقرأ/ي أيضًا: حلم التغيير وشروطه الغائبة

حينما تتعرض الذات إلى جرح عميق ترتكس وتنطوي على نفسها فتبدأ بتشكيل ونسج الأفكار داخل حدودها فقط، أي أنها تهتم بتشكيل الأفكار وتهمل تشكيل الوقائع وتقع في وهم الآليات السحرية: إنّها تعدم الواقع وتنفيه نفيًا كليًا وتشرع بنسج الأفكار التجريدية حول نفسها وتستدعي وقائع الماضي كبديل عن حاضرها المعدوم بعد أن كانت كافرة بكل شيء أول الأمر، أما الآن فالماضي هو المنقذ. فبعد الخذلان المبين من قبل النخب السياسية، وعزوف معظم المحتجين عن العمل السياسي المُنَظَّم، ماذا يتبقّى لهذه الذات الممزقة غير العدمية؟ عدمية الحاضر ووجود الماضي فقط! وبدلًا من إزالة السحر عن العالم واستبداله بالحداثة، سيتم استدعاء الخرافات كبديل عن الشعارات التي لم تجد لها مكانًا في الواقع بقدر دورانها في الذهن كأحلام يقظة.

هذه هي إشكاليتنا السياسية الكبرى؛ تتوفر إرادة للاحتجاج وتغيب إرادة التأطير لهذا الاحتجاج؛ فيتساقط مئات الشهداء والجرحى والمخطوفين بلا نتيجة تُذكر. والناظر لحجم الضحايا الذين سقطوا غدرًا في انتفاضة تشرين، فهي أعداد لا تسقط عادةً إلا في حرب أو ثورة كبرى تنجح في قلب الواقع، أما في وضعنا تسيل الدماء ويرجع الحال أسوأ ممّا كان، ويتعرض الوضع السياسي إلى رِدّة دكتاتورية أفضع من سابقتها، ثمّ نوثّق هذه الأحداث السياسية الدامية بطريقة شعرية نراعي فيها الشروط الجمالية لهذا الفن! المهم في الأمر، كلّ هذا ولا زلنا، نحن العراقيين، نستقذر العمل السياسي ونقارنه دائمًا بأعمال الشيطان. العمل السياسي في الذاكرة العراقية يمثّل نزعة شريرة ودنس مطلق، لا يجوز التقرب منه، لكن يمكن الموت باحتجاج، إذ يبقى هذا الأخير أكثر طهرانية مقارنة بالعمل الحزبي!

 إن كان ثمّة وباء يتفشّى في الوضع العراقي هو العدمية السياسية؛ الجميع يصرخ ضد السلطة، والجميع يتبرأ من أفعال السلطة، والجميع يسعى للتغيير، غير أنه تغيير لا يطال الجذور العميقة للعمل السياسي، فهو يسرد ربع الحكاية ويتجاهل أو يتناسى ثلاثة أرباعها. الورطة التي نقع فيها دائمًا (وأتمنى أن لا تكون أزلية!) هي الدوران في عالم الأفكار والعزوف عن عالم الوقائع. قد تبدو العبارة غامضة وملتبسة ومتحذلقة، وما أعنيه هنا: إن الأفكار ما لم تنظر للشروط الاجتماعية التي ساهمت في تعميق الأوهام، وإطالة أمد السلطة المهيمنة، وترسيخ مؤسسات اجتماعية معينة، فلن يكتب لها النجاح وسوف تبقى في عالم التجريد، وستخضع لذات الشروط التي تحلم بتغييرها. وما لم تتحول هذه الأفكار إلى ممارسة سياسية (قد تكون طويلة الأمد) فستبقى الوقائع القديمة هي الحاكمة والنافذة والمهيمنة.

والمقدمات مرهونة بنتائجها كما يقولون، والنتيجة الواقعية المرتبطة -بالضرورة- بالمقدمة الآنفة هو فقدان الحاضنة الاجتماعية. وبمرور الزمن تتوسع قاعدة الأغلبية الصامتة، وهذه الأخيرة لها ما يكفي من المبررات لتبقى صامتة. بل لن تكتفي بصمتها فحسب، وإنّما ستهاجم كل عملية احتجاجية لاحقة، لأنّها سئمت من العدم! أي أنها سئمت من حضور الحماس وغياب الممارسة المُنَظًمَة، سئمت من زج أبنائها في معارك خاسرة. حينما تكون الأغلبية صامتة، فقد يكون هذا الحال أبلغ من كل الخطابات المُحَرِّضَة، لأنّها ستمتص كل أشكال القبول والولاء الشعبي وتكتفي بالصمت المؤلم فقط. صحيح إن الأغلبية الصامتة لم تصنع التاريخ يومًا، ولا يُنتَظَرُ منها شيء سوى صمتها المعتاد، لكن ماذا سيكون عليه الحال لو استمر الوضع الاجتماعي- السياسي كالتالي: أغلبية صامتة وأقلية تعاني من وباء العدمية السياسية؟!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

آلام وتحديات الواقع

حرية التعبير اليتيمة