قصة

قصة "سرد الدولة" في أدب غائب طعمة فرمان (4ـ5)

العوائل في أدب فرمان تعاني من التشتت (فيسبوك)

خمسة أصوات من زمن الملكية

ذكرت سابقًا أن قارئ رواية "النخلة والجيران" لا يشعر بوجود مؤسسات دولة في السرد، لكنّه سيجدها حاضرة بقوّة في رواية "خمسة أصوات"  فعلى الرغم من أن فرمان يصف الأزقة وصفًا لا يمكّن القارئ من التعرّف على موقعها الحقيقي "كان زقاق يسلمه إلى زقاق آخر مثله. أزقة تتشابك. تتفرع وتضيق. تدور حول نفسها. ومناظر تتكرر، وبيوت متلاحمة الجدران، وأبواب حافية، وأبواب على عتبات، وشناشيل ملومة بألوان حزينة من جو المواكب الدينية".

إن العوائل في أدب فرمان تعاني من التشتت ومن عدم الألفة ـ ولا أقول الكراهية ـ

إلا أننا نجد في الصفحة نفسها إشارات لوجود مؤسسات دولة تظهر بسرعة في الرواية "وأنه إذا قطع الزقاق سيسمع قعقعة السيارات في شارع غازي"، "قال لنفسه: ربما هذه المدرسة، لقد أرسلوا له رسالة بتوقيع فتاة زعمت أنها ستنتظره عند ساعة البريد أمام البنك الزراع". وفي الصفحة التالية من الرواية نفسها نقرأ "والآن يتعين عليه أن يعود إلى الجريدة. سيجد على مكتبه كومة من العراض وعملًا كثيرًا. من أوحى إليه أن يكتب عن مستشفى العزل، ص8"  وفي الصفحة التي بعدها "حين نزل من الباص في شارع غازي.. ص9".

اقرأ/ي أيضًا: قصة "سرد الدولة" في أدب غائب طعمة فرمان (1ـ5)

لكن ومع ظهور مؤسسات الدولة بشكل سريع في الرواية، إلا أن المُلاحظ أن الروح العراقية المنكسرة والمشتتة في الرواية ما زالت على حالها. فهي لم تتغير عن مستوى الطبقة الشعبية جدًا في رواية "النخلة والجيران" بالرغم من تغير الأبطال وتقدّم مستواهم الثقافي في رواية خمسة أصوات". ما يعني أن هذه المؤسسات لم تستطع بأي شكل أن تعيد إحياء الروح الوطنية العراقية بحسب نصوص فرمان الأدبية. 

الرواية تتحدث عن علاقة خمسة أصدقاء مع بعضهم، عن أفكارهم ومشاكلهم، وصراعهم مع أنفسهم ومع الآخرين كما جاء في الأهداء. إن ما أستطيع أن أؤشره على الرواية هو انقطاع العلاقات العميقة بين الأفراد، فهم بالظاهر أصدقاء لكنهم في واقع النص لم يكونوا سوى أفراد منعزلون عن بعضهم. أو عن عائلاتهم أو حتى عن الناس. 

يتحدث سعيد عن نفسه "أنت نفسك أشد الناس انغلاقًا وتكورًا على نفسك، فمن طرق باب بيتك من أصدقائك؟ ومن دعوت إليه منهم؟ لا أحد. لأنك تستحي من هذا البيت، ومن حياتك في هذا البيت".

عبد الخالق: "ليست لي دنيا، أنا غريب بينكم".

حميد: "عشت ما يقرب من عشر سنين مرتاحًا. كانت حياتي سرًا وملكي الخاص، ولا أحد من أصدقائي يعرف أنني متزوج".

شريف: "لماذا أنظر إليهم في محنتهم، وهم لم ينظروا قط  في محنتي".

في النصوص السابقة التي أوردتها عن لسان شخصيات "خمسة أصوات" من الممكن ملاحظة حالة الانعزال الشديد بين الأصدقاء نفسهم، فعلى طول خط الرواية، لم يجد القارئ تزاورًا بينهم في بيوتهم. لا أسرار مشتركة. ولا أي علاقات عائلية. لكن الشيء الأكثر إمعانًا من انعزال الأصدقاء عن بعضهم، هو انعزالهم عن عوائلهم.

إن العوائل في أدب فرمان تعاني من التشتت ومن عدم الألفة ـ ولا أقول الكراهية ـ فلو عدنا إلى "النخلة والجيران" سنجد أن علاقة حسين بسليمة، وعلاقة تماضر بأهلها، ونشمية بأهلها، هي علاقات متوترة متنافرة. ويترسّخ هذا التنافر في "خمسة أصوات" أيضًا.

علاقة سعيد بأمه: "أنت تتكلم مع الكتب.. نسيت أمك من زمان". في علاقة شريف بأبيه: "فضجر منه، وأدار له وجهه، وطلب من ساقي المقهى طاسة ماء، وساد صمت مخنوق". وفي كلام إبراهيم عن عائلته: "أنا لا أعتبر نفسي أعيش مع عائلة، طوال حياتي أعيش في غرفة خالية إلا من أنفاسي". أيضًا في الرواية لم تكن علاقة حميد بعائلته جيّدة، حيث يطلّق زوجته ويترك أولاده ولا يهتم لوفاة ابنته، وقبلها لم تكن علاقته بأبيه وأمه بحال أفضل، كذلك لم تكن لعبد الخالق أية علاقة عائلية فكان تائهًا يبحث عن ذاته. بل إن فرمان لم يستثني حتى صبرية المومس من سوء العلاقة العائلية، فعندما تتحدث عن أمها تقول "تكرهني مثل عزرائيل".

في مذكراته السابقة قال الملك فيصل الأول أن العراق لم يكن سوى "تكتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية متشبعة بتقاليد وأبطايل دينية، لا تجمع بينهم جامعة". ويبدو أن عراق الخمسينيات تجاوز فكرة فيصل الأول في أدب فرمان، لأن فيصل كان يؤمن بوجود تكتلات بشرية عراقية، بينما يفكك فرمان في أدبه هذه التكتلات ويحوّلها إلى أفراد منعزلين لا أكثر.

من جانب آخر، يتأكد ضعف الخطاب الثوري أو خطاب تعزيز الروح الوطنية في "خمسة أصوات" من خلال رسالة السجين الشيوعي لسعيد. في الرسالة لن نجد الروح الغاضبة التي كانت تفيض من الخطابات الشيوعية أو كتابات فرمان الأولى، لن نجد تحريضًا أو تحفيزًا على مقاومة الإنجليز وأتباعهم. وفي الحقيقة لن نجد مقدمات ثورة.

كُتب خطاب السجين "طالب" بلغة تبدو للقارئ أنها هادئة ومستقرة ومسترخية بشكل ما، لم يطلب طالب من سعيد غير أن يطوّر نفسه. وأن يقرأ كتبًّا ثورية، وأن لا ينسى الفقراء، ولا ينسى أصدقاءه المسجونين السياسيين! بل أنه يعرض على سعيد أن يرسل له كتبًا مخطوطة بخط اليد من السجناء، في سجن يبدو أن فيه كلّ الكتب الممنوعة وكل الوقت لنسخها بخط اليد!

في محضر اجتماع مجلس الأعيان لعام 1954 يتحدث صالح جبر عن رفضه للقانون الذي أصدره نوري السعيد والخاص بإسقاط الجنسية العراقية عن الشيوعيين وعن نفيهم. كان جبر يعتقد أن هذا القانون غير دستوري. قاتل السعيد في الدفاع عن قانونه، قال "سادتي هذا هو الشعب الأمريكي وأظنهم في أمريكا دستوريين أكثر من عندنا ومتمسكين بالحرية أكثر منا وأقوياء أكثر منا ومع ذلك رأوا ضرورة إسقاط الجنسية عن الشيوعيين".

يعقّب توفيق السويدي "لا يوجد مانع دستوري من إسقاط الجنسية عن أي شخص كان، وهذا القانون الأساسي صريح وموجود بين أيدينا، وأن العراقي إذا ما أسقطت عنه الجنسية أصبح أجنبيًا بصورة أوتوماتيكية وللحكومة أن تبعد وتنفي الأجنبي إذا تأكد لها الضرر من وجوده في البلاد".

نفي فرمان وأسقطت عنه الجنسية وطرد الآخرون من وظائفهم أو أغلقت أماكن عملهم بسبب اتهامهم بحمل "أفكار ماركسية هدّامة"

كانت هذه الحوارات المطوّلة ، تجري في مجلس الأعيان وتناقش شرعية إسقاط الجنسية ونفي المواطنين العراقيين، وتم تطبيقها على أرض الواقع، كان يكفي أن تحمل كتبًا لكتّاب من الاتحاد السوفيتي وإن كان رواية، حتى تّتهم بالشيوعية وتتحول لـ"غريب" بصورة أوتوماتيكية ولا يربطك بأرضك شيء. إن تتحول لنبتة يجب أن تُجتث من أرضها لأنها من وجهة نظر الحكومة "ضارّة". كان هذا هو خطاب الدولة حينها، فنفي فرمان وأسقطت عنه الجنسية، وطرد الآخرون من وظائفهم أو أغلقت أماكن عملهم بسبب اتهامهم بحمل "أفكار ماركسية هدّامة".

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصة "سرد الدولة" في أدب غائب طعمة فرمان (2ـ5)

قصة "سرد الدولة" في أدب غائب طعمة فرمان (3ـ5)