كيف يمنع النفط تحول العراق إلى ديمقراطية كاملة؟

كيف يمنع النفط تحول العراق إلى ديمقراطية كاملة؟

استطاع النفط في العراق أن يشل يد القطاع الخاص (فيسبوك)

علاقة الشعب مع السلطة الحاكمة بشكل عام هي علاقة ثابتة فريدة من نوعها، حيث أن القوى الغالبة بالعدد (الشعب) تفوز دائمًا على القوى المسيطرة بالعدة (الحكومة)، فتتغير دائمًا اتجاه القوة المسيطرة باتجاه مساوي لاتجاه القوة الغالبة. هذا هو قانون نيوتن الثالث ببساطة مُطبقًا على السياسة.

أدى تضخم القطاع العام في العراق بسبب النفط أن يكون الاقتصاد صلبًا ثابتًا لا يتغير مع الأحوال المختلفة

حتى لو جاءت سلطة ظالمة لتحكم غصبًا على الشعوب الضعيفة، كما نشهدها في التاريخ، فلن ولم يستطع طويلًا أن يسيطر عليهم من دون الخضوع إلى طلباتهم والانحناء نحو رغباتهم، تحول الأتراك والمغول إلى ديانة الإسلام للسيطرة على الشعوب المسلمة على سبيل المثال هو حالة واضحة لمغازلة السلطات لشعوبهم. أما أبية الحكومة على السري مع موجة الشعوب المحكومة أدى إلى سقوط تلك السلطة وتبدلها، كما هو واضح في سقوط الدولة الإسلامية في الأندلس التي أبى فيها حكام العرب أن يتلاطفوا مع المسيحيين واليهود، فلم يبقوا طويلًا حتى تم طردهم من بلاد الأندلس. وفي كلتا الحالتين لم تفد استخدام القوة الجبارة على ترويض الشعوب الساخطة، وعلم بذلك الحكومات آنذاك (عندما كانت الحروب شائعة) أنها إن لم تفز بالشعوب بجانبها، فهي إذًا تحارب عدوين أحدهما من الداخل والآخر من خارج الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: موازنة أثقلها عبد المهدي بنصف مليون موظف.. النفط يهدد الرواتب واتفاقية الصين

الغاية من رغبة الحكومات في إرضاء الشعوب كانت غاية مادية لا غير، الضرائب كانت ولا تزال مصدر رزق أساسي لبقاء السلطة على قيد الوجود، والأفراد يدفعون الضرائب مقابل خدمات اساسية وجانبية تقدمها الحكومة من أجل تيسير الحياة عليهم والرفع من ضغوطات الطبيعة والفوضى. خدمات مثل الحماية والصحة والوظيفة والتنمية والتقدم وغيرها، إن عجزت الحكومة عن تقديم ذلك، يرفض عندها الشعب على دفع الضرائب، مما يُفقر من ثروة الدولة ويضغط على السلطة الحاكمة والعاملين فيها ليفعلوا أفضل ما يمكنهم أو التنحي عن الحكم والإدارة. لكن ماذا لو وجدت الحكومة مصدرًا آخر لعيشها من دون تحرشات المجتمع عليها، ماذا لو لم يعتمد ثراء الحكام والرؤساء على الضرائب المأخوذة من شعوبهم، هل تتحفز عندها الحكومة على تقديم أفضل الخدمات بدون مقابل؟ أو هل تضطر إلى الخروج ذليلًا من الحُكم عندما يرفض الأفراد دفع الضرائب؟

اعتماد الحكومات على ما في تحت الأرض ليس بالأمر جديد، حيث لطالما استمدت الأمبراطوريات المتوسعة قوتها من السيطرة على الأراضي الثمينة وليست على الشعوب الفقيرة الغافلة، بريطانيا على سبيل المثال بدأت بتوسع هائل في عصر الثورة الصناعية بحثًا عن الفحم، ثم عن النفط بعد ذلك. ومن قبلهم كانت الأغريق والروم خصيصًا بارعين جدًا في احتلال الأراضي ونهب ثرواتها عن طريق تعبيد الشعوب وإجبارهم على العمل في المناجم. هؤلاء المستعمرين الذين جاءوا من أجل النفط والفحم والذهب والألماس لم يبالوا بما حصل للشعوب المستغلة ولم يداروا لحاجاتهم ورغباتهم، ونصبوا حكام دُمى متعاطفين معهم فوق الدولة، ثم أداروا ظهورهم عما يحدث داخل المجتمع في ذلك الموطن.

النفط يفصل الحكومة عن الشعب

رجوعًا إلى وضع العراق الآن بعد تلك المعلومات الخلفية العامة: تعتمد الحكومة العراقية بنسبة 95% من صادراتها على النفط، مما يجعلها دولة ذات اقتصاد ريعي (أي تعتمد على مصدر واحد للعيش) وهذا بدوره أدى إلى خفض الحكومة من صادرات الضرائب إرضاءً للشعب. لكن مع ذلك التخفيض، أصبح دور المواطن العراقي ضئيلًا، وتمثيله في البرلمان منعدمًا، إذ أن السلطة العراقية أرضت شعبها بتركهم لحالهم. بات أهل العراق منفصلين عن حكومتهم، إلا أن مع ذلك الانفصال هناك وعي عند الأفراد حول ما تقدمه الحكومات حول العالم، وبدأوا بالمقارنة مع ما تقدمه حكومتهم لهم، فتظاهروا وثاروا للحصول على الخدمات الأساسية، لكن بالرغم من ذلك لم تخلق هذه التظاهرات ذرة تحفيز عند الرؤساء والإداريين في تقديم تلك الخدمات الأساسية من الحماية والوظيفة والكهرباء والماء.

في مثل هذه الحالة اليائسة، يضطر الشعب إلى اللجوء إلى العصيان المدني كخطوة أخيرة للوصول إلى مرادهم. لكن كالعادة ليس هناك أي استجابة من قبل السلطات، الحكومة لا تبالي بما ينتجه المواطنون طالما أنها ليست النفط، فيفشل العصيان عندها ويضر بمال الشعب أكثر من مال الرؤساء والمدراء.

إن النفط يقطع الشعب من الحكومة ويقطع الحكومة من الشعب، فإنه يقطع الشعب من الحكومة لأن الشعب لن يكون مهتمًا بعد الآن بما يجري في السياسة (مثل ما يقول العراقيون: لا يطلع ولا يدخل بجيبي شي). ويقطع الحكومة عن الشعب، لأن الحكومة تأخذ قوت يومها من النفط وليس من الضرائب، فإن لم تكن تدفع الضرائب للحكومة، فلماذا يجب على الحكومة أن تخدمك؟ ولماذا يجب على الشرطة أن تحميك؟ ولماذا يجب على المؤسسات العامة أن تساعدك في مسيرتك المهنية؟

تحاول الحكومة العراقية اليوم التخلص من التضخم الحاصل في قطاعها العام التي ضخها النظام الاشتراكي السابق، لكن من دون جدوى. تعيق إيرادات النفط ومطالبات الشعب من ذلك، حيث لا يجرأ أي من الرؤساء والمسؤولين على طرد موظفي القطاع العام للتقليل من التضخم، وزيادة على ذلك قام بعض الوزراء بعد عام 2003 بسحب العمال الراغبين في العمل نحو القطاع العام وذلك لتخفيف سخط الشعب عليهم وللحد من الاضطرابات الأمنية التي حدثت في البلاد نتيجة الطمع العديد من الطوائف الدينية والسياسية بالمصادر المالية (نفطية). من السهل جدًا على الحكومة أن توظف المواطنين في القطاع العام بوجود النفط مما يجنبها أن توفر لهم فرص عمل في القطاع الخاص، وخصوصًا أن القطاع الخاص في العراق يفتقر إلى رأس المال.

تضخم في القطاع العام يعني أن ديناميكية الاقتصاد تصبح صلبة ثابتة لا تتغير مع الأحوال المختلفة، وهذا بدوره يضع منظومات الدولة على محك، لأن النفط هو سلعة ذات قيمة متقلبة جدًا، قيمته ترتفع وتنخفض بشكل غير متوقع، فتبدأ الديون بالتراكم على الدولة مع كل انخفاض في النفط حتى تعجز ميزانيتها عن صرف رواتب الموظفين بغياب النفط. وهذا ما يحصل بالضبط في العراق، دولة ذات ثروة نفطية هائلة لكن ذات ميزانية عاجزة.

إن وجود أغلبية العاملين من القطاع العام يؤثر بشكل سلبي على النظام الديمقراطي المتواجد في العراق، حيث أن أغلبية الموظفين سوف يوالون الأحزاب الفائزة ويستمرون في مساندتهم ما دام معيشتهم في أيدي الدوائر الحكومية. والأحزاب المعارضة سوف تبقى منبوذة غير مدعومة وقليلة الشهرة والمال وضئيلة التأثير على الناس المتوظفة في القطاع العام. والأكثر من ذلك، هو أن الأحزاب الفائزة تصرف الأموال الطائلة التي جنتها من النفط لدعايات انتخابية لنفسها، مؤثرًا أكثر على النتائج الانتخابية وتمركز السلطة بيدهم.

النفط يُسكت الشعب

تلجأ الحكومة إلى استخدام عدة استراتيجيات لإسكات الشعب، بدءًا من طريقة الثواب أو العقاب إلى التهدئة المزيفة والاغتيال. انحياز وسائل الإعلام وانعدام حرية التعبير هما نمطان واضحان على مدى 60 عامًا من عمر العراق، يتبعهما في ذلك الفساد السياسي والقضائي التي تتغطى بسيل من الرشاوى. لا يريد المسؤولين عادةً الإفصاح عن أموال إيرادات النفط التي تؤخذ وتوزع إلى غير مستحقيها، مما يدفع هؤلاء "المسؤولين" إلى ممارسة المحسوبيات والقيام بتعيين الأقارب والأصدقاء في مناصب مهمة للوثوق بهم في أسرار الفساد، سواء أكانوا أكفاء أم غير ذلك.

في العراق، استطاع النفط أن يشل يد القطاع الخاص وينشط القطاع العام إلى درجة مسرفة غير مخططة، مما أدى إلى ضعف الشركات والمعامل الخاصة 

إما الأشخاص المعارضين الذين يقفون ضد الحكومات الفاسدة الآكلة من سبانغ النفط، ليس لديهم أي خيار سوى الخضوع أو الهروب إلى الخارج أو التعرض للإقصاء. ويمكن الاستدلال بالعديد من عمليات الاغتيال التي حدثت في شمال العراق ضد السياسيين المعارضين للحزب المسيطر على الإقليم وفي جنوب العراق ضد الإعلاميين والمثقفين الذين عارضوا الأحزاب المتسلطة طوال عشرين سنة سابقة.

اقرأ/ي أيضًا: الدولة المختطفة

الخسائر البشرية ليست مرتبطة بخسائر مالية عند الحكومة؛ لا تخسر الحكومة مواطنًا دافعًا للضرائب حتى يتحسر عليه الآلاف من الأشخاص الذين قُتلوا وتهجروا من عام 2003 حتى 2020 لا يمثل أي شيء للحكومة المسؤولة. وفي بعض الأحيان تقوم الحكومة نفسها بقمع الناس وإردائهم قتلى من أجل مصلحتها كما حصلت في ثورة تشرين الأول/أكتوبر من عام 2019 حتى 2020، وما زالت تجري. إن عدم اهتمام الشعب بالسياسة هو نوع آخر من التكتيم، حيث تعاند السلطات الشعب وتُصعب طريقهم نحو الوصول إلى مناصب إدارية أو سياسية، مما يبقيهم بعيدين وحالمين في عمل تغيير حقيقي من أجل مجتمعهم. وهناك يأس مرير في أجواء المجتمع العراقي من العملية السياسية والتغيير بواقع حال العراق.

لا هروب من لعنة النفط إلا بالتوقف عن شرب إيراداته

"من السهل جدًا على الدول المعتمدة على النفط بناء أنبوب نفط آخر مما عليها أن تنشأ وتطور ديمقراطية تمثيلية"، هذا ما يقوله أندرو نيكيفوروك، كاتب وصحفي كنَدي. الحكومة التي عملتْ ميزانيتها على إيرادات النفط من الصعب عليها تمثيل الشعب أو التركيز على خدمتهم، فعيونها دائمًا تركز على الآبار النفطية وخطوط أنابيبها والعاملين فيها، فتقوم بحماية تلك المصافي النفطية أكثر مما تحمي الشعب، وتستثمر بشكل جنوني فيها أكثر من استثمارها في بناء الوطن وتقديم الخدمات للناس.

النفط مثل المخدر تمامًا، يخدر السلطات ويجعلها أما خاملة أو نشطة إلى حد الإسراف اعتمادًا على نوع الدماغ الذي يملكها (نوع الحزب المتسلط). ففي العراق، استطاع النفط أن يشل يد القطاع الخاص وينشط القطاع العام إلى درجة مسرفة غير مخططة، مما أدى إلى ضعف الشركات والمعامل الخاصة التي تبحث عن قوت يومها في السوق العراقي.

بفضل النفط، تحولت الحكومة إلى شركة ضخمة لا يمكن للقطاع الخاص منافستها في أي مجال، سواءً في المجالات الخدمية أم في المجالات السلعية. وهذا ما أدى إلى تركيز الاقتصاد بيد الدولة ومؤسساتها، والتي بدورها تؤدي إلى تركيز السلطة بيد الحزب الغالب بعيدًا عن الأصوات السياسية الأخرى. الطريقة الوحيدة للتخلص من لعنة النفط هي تنويع المنتجات واستغلال وجود النفط لمساعدتنا في الصعود نحو العظمة. يمكن للحكومة أن تفتح معامل عامة لتحويل النفط إلى عدة منتجات أخرى مشتقة منه كمركبات كيميائية والبلاستيك والمنظفات والمعقمات التي يستوردها العراق بأسعار أغلى من النفط.

الاستثمار في رأس المال البشري هو من أهم الخطوات للخروج من لعنة النفط، بالرغم من أن التعليم مجاني في العراق، إلا أنه ليس تعليمًا صارمًا وفاتحًا للعقل ومخترق للسبل من أجل بناء مستقبل ناجح للطالب وللبلد. ربما لكونه مجانيًا، لا يَشعر أساتذة المدارس والجامعات بحس من المسؤولية تجاه الطلاب وتقديم الأفضل لهم، فرواتبهم ليست مرتبطة بأداء الطلاب، على عكس المدارس والجامعات الأهلية التي تخاف من الطلبة الدافعين للضرائب السنوية وتحرص على تعليم الطالب وتثقيفه.

تحاول الحكومة العراقية بقدر الإمكان أن تدعم الأفراد ماديًا عن طريق القروض مُصّفرة الفوائد والمكافآت والمنح المالية، وذلك تمنيًا لمساهمة المواطن العراقي في تنهيض اقتصاد بلده وتنويع منتجاته، والزيادة من القدرة الشرائية للفرد لتحفيز الطلب. إلا أن تلك القروض تذهب نحو الاستثمار في الخارج أو نحو الاستهلاك المسرف بدلًا من الإنتاج المثمر.

على العراق أن يُجيد السباحة في النفط، لا أن يغرق فيه، ليس من أجل نظامه الاقتصادي فقط، بل من أجل نظامه السياسي الديمقراطي

إن العودة إلى الضرائب كسائر العالم تبدو فكرة جيدة جدًا لتحفيز الحكومة على إطاعة الشعب العراقي والاهتمام بحاجاته الضرورية والنظر إلى رغباته. وأفضل تكتيكة نحو ذلك هو إلزام عن صرف أموال إيرادات النفط على الاستهلاك وبناء بنايات فارغة. تبديل إيرادات النفط بإيرادات الضرائب لا يجب عليها أن تجعل فارقًا كبيرًا عند الحكومة، لكنها سوف تشكل فرقًا عظيم الأثر في تكبير صوت الشعب وتوفير الخدمات. على العراق أن يُجيد السباحة في النفط، لا أن يغرق فيه، ليس من أجل نظامه الاقتصادي فقط، بل من أجل نظامه السياسي الديمقراطي أيضًا.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التفسير الاقتصادي لنافذة بيع العملة

الأجيال الجديدة: لحظة في وجه الذاكرة!