"ما هي مطالبكم؟".. القوات الأمنية تُحاصر أول "مسيرة حسينية" في البصرة!

كانت المسيرة محاطة من كل جانب بالقوات الأمنية (ألترا عراق)

ألترا عراق ـ فريق التحرير

قبل 2003، كان نظام صدام حسين يمنع إحياء الطقوس الشيعية بشكل علني وهو جزء من الحرمان الذي كانت تعانية الجماعة الشيعية في ممارسة حرّياتها بالمجال العام، والتي سيتم إبرازها بشكل علني من قبل عامّة الشيعة، وأحيانًا مبالغ فيه بعد الاحتلال الأمريكي. كما قام "شيعة السلطة" بدعم كل ما يتعلّق بـ"الشعائر الحسينية" مثلًا، وبدأوا يحضرون مجالسها، ويقيمون المواكب، بالإضافة إلى طهو الطعام وتوزيعه على الناس، سواء كانوا بمناصب تنفيذية أو تشريعية عليا، حتى أن "مجلس الحكم العراقي" وفي كانون الثاني/يناير 2004 أجّل توقيع الدستور (المؤقت) إلى أسبوع، لحين انتهاء مراسم عاشوراء.

الدعم وتوفير الأجواء للشعائر الحسينية لم يستمر بإسكات الناس، وبدأوا يستخدمون اسم "الإمام الحسين"، الذي تتحدّث به أحزاب السلطة ضدّ السلطة نفسها وضد الأحزاب

دعم القوى السياسية الشيعية المبالغ به لـ"الشعائر"، وعلى ما يبدو، كان يعبّر عن أزمة الخدمات، إذ أن المنجز الذي تظهر به هذه القوى أمام جماهيرها أنها تتركهم يُمارسون الشعائر دون التضييق عليهم، كما كان يفعل صدام حسين، وهو ما سيعمل على إسكات الناس عن المطالبة بحقوقهم، أو الاعتراض على ما يمرّ بهم في البلاد التي لم تستقر ولن تشهد الخدمات لأكثر من عقد ونصف.

اقرأ/ي أيضًا: أمراض السرطان "الأمريكية" في البصرة.. الحكومة تعالجها بالإهمال!

غير أن هذا الدعم وتوفير الأجواء للشعائر الحسينية لم يستمر في إسكات الناس، حتى في المحافظات التي تعتبر موطن قواعد الأحزاب الشيعية، وبدأوا يستخدمون اسم "الإمام الحسين"، الذي تتحدّث به أحزاب السلطة ضدّ السلطة نفسها وضد الأحزاب للمطالبة بـ"الحقوق". وفي أيلول/سبتمبر 2018، وحين كانت البصرة تتظاهر للمطالبة بالخدمات والوظائف، بالإضافة إلى توفير مياه الشرب الصالحة، وقف مئات الشباب أمام مبنى الحكومة المحلية وسط المحافظة، ورفعوا الشعار المشهور "يا حسين الماي مالح .. نستحي نذكرك عليه"، وهو الأمر الذي قالوا فيه: إقامة الشعائر بحاجة إلى حقوق كاملة، ومنها مياه الشرب غير الملوّثة. لكن رفع اسم "الإمام الحسين" وإحياء شعائره، هذه المرّة، لن يتلقى الدعم من قبل السلطة، وسيواجه من يقوم به في البصرة بـ"الرصاصات الحيّة"، وسيقتل، لأنه يدخل في "خانة الاحتجاج".

لأول مرّة.. موكب حسيني يُحاط بـ"قوات الشغب"! 

وبعد عام على احتجاجات البصرة لا زال كل فعل جماعي فيها يُقابل بـ"الريبة"، والشك من قبل المتنفذين، متخوفين من أن يتحوّل إلى احتجاج، وتتكرّر التجربة التي بدأت في مطلع تموز/يوليو 2018، وهو الأمر الذي حدث في 7 أيلول/سبتمبر 2019، حيث نظّم العشرات من شباب البصرة مسيرة أطلقوا عليها "تجمّع مسيرة شهداء تظاهرات البصرة"، لإحياء ذكراهم، كما أكد أحمد الخفاجي لـ"ألترا عراق"، الذي قال إننا "نظمنا التجمّع بهذه الأيام، لأن شهداء الاحتجاجات كانوا مصداقًا لثورة الإمام الحسين"، مبينًا أن "الشباب الذين قتلوا في التظاهرات العام الماضي، خرجوا للمطالبة بالإصلاح ورفضوا الفساد ونالتهم رصاصات "بني أمية"، في إشارة إلى أن قتلة المتظاهرين يشبهون قتلة الإمام الحسين، كما في السرديات الدينية.

أحد منظمي التجمّع، اعتذر عن الكشف عن اسمه، قال لـ"ألترا عراق"، إن "السلطة صنفت هذه المسيرة على أنها فعل احتجاجي"، لافتًا إلى أن "القوات الأمنية تدخل سيارات "السلفادور" لأول مرة إلى شارع المواكب، مضيفًا "تبعتنا السيّارات من بداية مسيرتنا حتى نهايتها"، فيما أشار إلى أن "هذا ما أثار استغراب الشباب واستفزاز البعض منهم"، مستدركًا "لكن تمت السيطرة على المسيرة، ومن دون حدوث أي خروق معيّنة".

أثناء المسيرة التي استذكرت ضحايا التظاهرات، لم تكن مركبات القوّات الأمنية وحدها تتابع الشباب، إنما تواجدت قوّات الشغب والشرطة، بالرغم من أنه "موكب وليس تظاهرة"، بحسب أحمد الخفاجي، الذي لفت إلى أن الضابط سأله عن أسباب التجمّع فأجابه، أنه "موكب ينطلق مع بقية المواكب الطبيعية ويستذكر الشهداء"، لكن الضابط تجاهل إجابة الخفاجي، فسأله مرة أخرى "ما هي مطالبكم؟"، وهو الأمر الذي علّق الخفاجي عليه بالقول "لم يصدّق أنه مجرّد موكب".

كانت المسيرة محاطة من كل جانب بالقوات الأمنية. يصفها أحد منظميها بالقول: يعتقدون أننا قنبلة موقوتة تنفجر في أي لحظة، كانوا يخشون انضمام بقية المواكب لنا

كانت المسيرة محاطة من كل جانب بالقوات الأمنية. يصف الخفاجي المشهد، فيقول "يعتقدون أننا قنبلة موقوتة وربما تنفجر في أي لحظة، كانوا يخشون انضمام بقية المواكب لنا، مبينًا أن "هذه المسيرة واعية لقضية الحسين، فهي تشكل خطورة حقيقية عليهم، بالإضافة إلى أن "الموكب جاء باسم التظاهرات ومن شارك فيها هم المتظاهرون، فهم يعلمون أنها مسيرة "حسينية" مختلفة، وربما تسبّب المشاكل من وجهة نظرهم، مشيرًا إلى أنهم "كانوا يحرصون على أن لا يسمع هتافاتنا أي أحد". فيما يستذكر الخفاجي تعامل نظام صدام حسين مع الشعائر، إذ يقول "كان النظام السابق يطوّق المجالس الحسينية تمامًا لأنه يخشى التمرّد والانتفاضة"، في إشارة إلى أن "محاوطتهم" كانت شبيهة بما يفعله النظام السابق.

اقرأ/ي أيضًا: "الميليشيات" تصنع "الرعب" في البصرة.. اختطاف النشطاء وتخريب البيوت وضرب النساء

عوائل بعض المتظاهرين القتلى حضروا هذا التجمع الذي يستذكر أولادهم، وهو الأمر الذي أشار إليه الخفاجي بالقول "حرصنا على أن نقول لأهالي الشهداء أننا مدينون لأبنائكم، فلولاهم لما رأينا ما حصل في البصرة، من احتجاجات وشباب بصري شجاع تظاهر في كل مكان"، مؤكدًا أن "دم هؤلاء الشهداء في رقاب كل المسؤولين بالبصرة".

سقط 22 قتيلًا في تظاهرات 2018، وأكثر من 200 جريح، لكن الشباب الذي قاد مسيرة تجمّع استذكار القتلى يصرّون على فتح تحقيق بمقتلهم والقصاص من قاتلهم، بحسب المصدر، الذي أضاف أن "هذا إيمانًا منا بأنهم شهداء قتلوا ظلمًا، وأخذنا العهد على أنفسنا كمتظاهرين أن نحيي ذكراهم في كل عام من هذه السنة مع تزامن الذكرى مع استشهاد الإمام الحسين"، ويشير إلى أن "هناك ربط كبير بين انتفاضتنا وثورة الحسين".

كانت المسيرة تحمل أعلامًا عراقية "وصواني" الشموع والورود، وهو الأمر الذي يفسّره المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه، بالقول إن "هذه رسالة إلى المجتمع البصري بأن يعي حقوقه، ويكون حسينيًا في مواجهة الظلم والاستبداد، وعدم الرضوخ لمن سرقوا حقوقنا، بالإضافة إلى أنهم يجب أن لا ينسوا ضحايا التظاهرات، لأنها وفّرت ميزانية ضخمة للمدينة والماء الصالحة للشرب، فضلًا عن تحسّن الكهرباء".

كل هذه المخاوف الأمنية الواضحة، هي خشية من تكرار تجربة احتجاجات 2018، ومحاولة بث الرعب في نفوس الشباب كما يؤكد نشطاء البصرة، لكن أحمد الخفاجي يشير في حديثه لـ"ألترا عراق"، إلى أن "المتنفذين في السلطة يتوهمون على أنهم باستطاعتهم إنهاء الاحتجاج بالقمع، فالأخير يصعّد من احتجاجاتنا".

يؤكد النشطاء في البصرة أن من الممكن أن تتكرّر احتجاجات 2018 من جديد، وبشكل أكبر من العام، فالمدينة تغلي وتعاني

لم تتعلّم السلطات الدرس من أحداث 2018 وتقوم بحل المشاكل التي خرجت الاحتجاجات بسببها، وهو الأمر الذي من الممكن أن يُعيد التظاهرات مرّةً أخرى، بحسب الخفاجي الذي أوضح أنه "منذ تظاهرات العام الماضي لليوم، وما شهدناه، لا يوجد عمل حقيقي، لافتًا إلى أنه "من الممكن أن يتكرّر هذا الاحتجاج من جديد، وبشكل أكبر من العام، فالمدينة تغلي وتعاني، وإذا حدثت أي مشكلة تمس المواطن بشكل مباشر، كالتسمّم والماء المالح من الممكن أن ينفجر بعدها الشارع باحتجاج غاضب، أقوى من العام ".

اقرأ/ي أيضًا: تظاهرات البصرة.. رهان النجاة من مقامرة ميليشيات المحاصصة

يذكر أنه وبعد تظاهرات 2018 التي شهدتها محافظة البصرة في مطلع تموز/يوليو وحرق القنصلية الإيرانية ومقرّات الأحزاب يوم 7 أيلول/سبتمبر 2018 أعلن الحشد الشعبي في 15 أيلول/ سبتمبر، عن تشكيل عشرة ألوية احتياطية من واجبها مساندة الحشد الشعبي والقوات الأمنية في البصرة، داعيًا المواطنين إلى ترقب فتح باب التطوع، وقال بيان صادر عن الحشد، إن "هيئة الحشد الشعبي - مكتب البصرة تعلن عن تشكيل قوات التعبئة الاحتياطية/لتطوعية مكونة كوجبة أولى من عشرة ألوية تتوزع في مختلف مناطق المحافظة لكي يتصدى الشباب البصري للأخطار المحتملة في مناطقهم بأنفسهم". 

تبع تشكيل قوات التعبئة، ذهاب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس إلى البصرة في 28 أيلول/ سبتمبر 2018، ليهدّد في كلمة ألقاها أمام عناصر الحشد الشعبي في البصرة، من خلال نسخة فيديوية رصدها "ألترا عراق"، ما اسماهم بأذناب أميركا العراقيين. إذ قال، إنه "والله بهؤلاء الشباب وبهذه العزيمة، سنوقف المد الأمريكي وأذنابهم من العراقيين الذين يختبؤون في المكاتب ويوجهون إعلامنا وبعض سياساتنا"، مضيفًا "عبر عشرات السنين قاتلنا الأمريكان بأيدٍ خالية واليوم أيدينا مملوءة"، لافتًا إلى أنه "لن يكون لهم أمان بعد اليوم". 

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"التخريب" حجة لتصفية ناشطي تظاهرات البصرة

استمرار اغتيال الناشطين في البصرة.. خوف السلطة من تقصيرها