من تفجير العسكريين إلى

من تفجير العسكريين إلى "الجاموس المتوحش".. قصة سامراء و"الطائفية"!

تضم المدينة التاريخية أحد أهم العتبات المقدسة للمسلمين الشيعة (Getty)

بدأت القصة منذ عقود، لكن موت الطبيب إبراهيم السامرائي، قبل أيام، وجه الأنظار إلى المدينة التي تتوالى فيها الأزمات وولدت منها سنوات الموت والدم، إذ لم يجل بخاطره وهو عائد من مستشفى تكريت العام إلى منزله، أنه سيكون الضحية الجديدة لـ "الجاموس المتوحش".

قدم مربو الجاموس من جنوب الناصرية إلى مدينة سامراء قبل نحو 50 عامًا وسكنوا قرب نهر دجلة وزاد نفوذهم بوجود الحشد الشعبي

قبل 50 عامًا، قدم مربو الجاموس إلى سامراء (المدينة العباسية التي كانت ضمن بغداد قبل أن تضم إلى محافظة صلاح الدين حين استحداثها)، من أهوار جنوب الناصرية وسكنوا قرب نهر دجلة في منطقة القادرية، كما يروي مسؤول محلي سابق.

اقرأ/ي أيضًا: بعد تقارير عن "مربي الجاموس".. صحفيون سامرائيون يُهدّدَون بالتصفية!

يقول المسؤول الذي طلب عدم الإشارة لاسمه في حديث لـ "الترا عراق"، إن "تلك العائلات حصلت على هوية من نفوس سامراء، لكن الناس ظلوا ينادونهم بـ (المعيد)، وظلت علاقتهم مع سكان المدينة سيئة، وطالتهم اتهامات بالسرقة والقتل"، مبينًا أنهم أبعدوا عن المدينة بعد أن قتل أحد كبارهم رجلًا سامرائيًا، لكنهم عادوا مجددًا بعد أحداث "داعش"، ثم "دعمهم" الحشد الشعبي فباتوا أكثر قوة.

يضيف، أن "مربي الجاموس فقدوا تلك القوة بعد انسحاب الحشد الشعبي من المدينة، باستثناء سرايا السلام القوة التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، لكنهم نشطوا مجددًا بمساعدة من العتبة العسكرية"، مشيرًا إلى أن "الجاموس تكاثر بشكل كبير في المدينة، ثم توحش بعد ارتفاع منسوب مياه نهر دجلة، فبات يهاجم المواطنين ويلوث نهر دجلة".

ماذا تقول الحكومة؟

من جانبه ينفي قائممقام قضاء سامراء، محمود خلف، قدوم عائلات جديدة من مربي الجاموس إلى المدينة التاريخية، وفق نتائج تمخضت عن لجنة تولت إحصاء العائلات المربية للجاموس، أشرف عليها، مبينًا أن "النتائج أظهرت أنهم ذات العائلات ومن حملة هوية سامراء لكنهم تكاثروا".

تسبب الجاموس بحوادث كثيرة، لكن أزمته لا تخلو من أبعاد طائفية يساهم بها ما تعرضت له المدينة منذ سقوط النظام السابق

أشار خلف أيضًا في حديث لـ "ألترا عراق"، إلى أن "تلك المواشي مسجلة في دائرة الزراعة بذات الأعداد التي سلمناها للحكومة في تقرير مفصل، لكنها ليست قليلة"، فيما رأى أن "الحل يمكن في تسييج منطقتهم لمنع خروج الجاموس، أو إيجاد مكان آخر يمكن أن يكون بعيدًا عن طريق الناس والنهر الذي يشربون منه".

مؤخرًا، أعلن صحافيون وناشطون، تعرضهم للتهديد بالتصفية من جهات نافذة، بسبب مطالباتهم بإخراج مربي الجاموس من سامراء، عقب حادثة مصرع الطبيب السامرائي التي وقعت قبل أيام، ضمن سلسلة حوادث تقدر بنحو 25 حادثًا.

أدانت النقابة الوطنية للصحافيين، ما تعرض له الصحافيون في سامراء، وحملت القوات الأمنية وقيادة عمليات سامراء مسؤولية سلامة الصحفيين.

أبعاد طائفية!

لا ينفي ضابط برتبة عميد في قيادة عمليات سامراء، وجود أبعاد ظائفية أثارت أزمة الجاموس، مؤكدًا أن "التشنج يزداد في سامراء"، فيما أشار إلى حادثة "احتكاك" وقعت قبل أيام بين طلبة أقسام داخلية من محافظات جنوبية وآخرين من سكات المدينة، فضلًا عن أزمة الجاموس، وسط اتهامات برفع أعداد الجاموس لـ "افتعال أزمة".

وأضاف الضابط الذي طلب عدم كشف هويته لأسباب أمنية، أن "قيادة العمليات تعمل مع الحكومة المحلية لإيجاد حلول لتلك الأمور وعدم تفاقمها، لأننا نعرف بأهمية سامراء وخطورة الأمور التي قد تحدث فيها، خاصة أن شرارة العنف الطائفي قدحت فيها عام 2006، بتفجير العتبة العسكرية بضمنها مرقد الإمامين العسكريين علي بن محمد الهادي والحسن العسكري".

تعرض صحافيون وناشطون إلى تهديدات بالقتل بعد تقارير طالبت بترحيل مربي الجاموس الذين تدعمهم فصائل في الحشد الشعبي وإدارة العتبة العسكرية

وكان تنظيم القاعدة قد تبنى تفجير العتبة، وإندلعت إثرها عمليات قتل طائفي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الضحايا على مدى سنوات، بما يشبه الحرب الأهلية.

يرى الضابط، أن أهالي سامراء لم يستطيعوا التأقلم مع الواقع الجديد الذي فرض في المدينة بعد صعود تنظيم "داعش" في عام 2014، بوجود قوى عسكرية من خارج المدينة منذ سنوات، وكذلك فأن القادمين إلى سامراء لا يعرفون طريقة التعامل مع سكانها، وجميع هذه الأمور تختلط وتظهر من خلال قضايا أخرى".

ماذا بعد الجاموس؟

سامراء مدينة ذات غالبية سنية، تضم أحد أهم مزارات الشيعية الاثني عشرية، وفيه غاب الإمام "المنتظر"، وفق المروث الديني الشيعي، إذا ينتظره الملايين لـ "ملء الأرض عدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا"، كما تتميز المدينة بموقعها الجغرافي على نهر دجلة، وآثارها العباسية وأشهرها مأذنة الملوية، لكن كل تلك الأمور تغيرت مع سيطرة القاعدة بعد 2006 على سامراء، ومن ثم نشاط تنظيم "داعش" في أطرافها في 2014.

اقرأ/ي أيضًا: كيف سيطر الوقف الشيعي على سامراء؟.. القصة الحقيقية لأول مرة

فرض الحشد الشعبي السيطرة على المدينة، بعد ذلك، ووسع من تواجده، حتى انسحابه وتولي سرايا السلام إلى جانب قيادة عمليات سامراء مسؤولية حماية المدينة، التي لا تزال حتى الآن أطرافها خطرة وتشهد نشاطًا لتنظيم "داعش"، فضلًا عن هجمات تطال القوات الأمنية وعناصر سرايا السلام بين فترة وأخرى.

ليس الجاموس فقط، ما يعاني منه السامرائيون، بل تفوق مشاكلهم ذلك بكثير. يقول عمر محمد وهو أستاذ جامعي من سامراء، إن "المدينة لا تعاني من الجاموس فقط، والذي أصبح يهدد حياة الناس بسبب مهاجمته الناس وحدثت الكثير من تلك الأمور سابقًا، وإنما إغلاق الأسواق الرئيسية في وسط المدينة القديمة منذ 2013 وحتى الآن، وحظر التجوال الذي يبدأ من منتصف الليل حتى الصباح في المدينة منذ 2014، على خلاف المناطق والمدن قريبة منها، على الرغم من استتباب الأمن".

تبدو أزمة سامراء أعقد بكثير من قصة "الجاموس المتوحش" وفق ما يؤكد أبناؤها، منها غياب المشاريع والتضييق الأمني والشعور بالغبن

يؤكد محمد لـ "الترا عراق"، غياب المشاريع العمرانية في المدينة، "باستثناء الجدران الخرسانية التي بات عمرها 11 عامًا، تقطع أوصال سامراء، مع غياب التمثيل المناسب لأبناء المدينة في المناصب الحكومية في صلاح الدين".

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد مقترح النشيد الوطني.. كاظم الساهر يتخلى عن سامراء!

العراق في المنطقة الحمراء.. آلة الخوف تعمل بأقصى طاقتها!