في الشعر، كما في الفلسفة أن يخلق ويحدد الأشياء مع سلطة الكلمة ذاتها (فيسبوك)

الشعر بوصفة استجابة لنداء

ما من فيلسوف، طوال تاريخ الإنسانية، انشغل بالشعر انشغالَ هيدغر به. ولم يكُ هذا الانشغال ترفًا أو إعدادًا ثانويًا على هامش الفلسفة والفكر، بل هو داخلٌ في صلب أية إجابة ممكنة عن سؤال هيدغر الذي لا سؤال لديه سواه: ما الوجود؟

لم ينتظر هيدغر الإنسانَ ليأتي إليه، لم يصادفه في شارع الأخلاق أو في جادّة الدين أو على رصيف الانثروبولوجيا أو في مقهى العلم، بل ذهب هو إليه

تتعدّد وجوه هذا السؤال، ويتقلّب في صور شتى، لكنها في جوهرها ذات أصل واحد، ماهية السؤال الواحد المتكثّر ومعدنه هو التفتيش عن أصلٍ ما لهذه التعيّنات الوجودية التي لفرط كثرتها وقوّتها وسلطان حضورها تنسينا الوجود ذاته. فتارة يجيء سؤال هيدغر: "ما الفلسفة؟" ثمّ يفرد كتابًا ضخمًا لسؤال: "ما الميتافيزيقيا؟" بعدها يكتب مؤلفًا آخر عنوانه: "في السؤال عن الشيء". وفي مطاوي درسه الفلسفيّ الجبار كان يلوح على الدوام سؤال: ما الوجود، ما الموجود، وبشكلٍ أكيد كان يضمّن هذه الأسئلة سؤالًا أكبر: ما الإنسان؟

اقرأ/ي أيضًا: حين يخلفُ الإنسانُ موعده مع ذاته

لم ينتظر هيدغر الإنسانَ ليأتي إليه، لم يصادفه في شارع الأخلاق أو في جادّة الدين أو على رصيف الانثروبولوجيا أو في مقهى العلم، بل ذهب هو إليه ليكون في ضيافة الإنسان، في بيته ومسكنه. وبيتُ الإنسان هو اللغة، لا شيء سواها، وفي اللغة وحدها يمكن أن نكون ضيوف الإنسان وأن نفهمه ونحبّه.

لا شيء خارج اللغة يمكن أن يدلّنا على حقيقة هذا الموجود الذي يختزل الوجود كلّه. ويُحسَب لهيدغر، العائد إلى الأصل الإغريقيّ بإرادته، أي العائد إلى طفولة الإنسان قصدًا، أنه الكاشف عن خطأ يخالط وجودنا ويستوطننا، الخطأ الذي لا غفران له يتمثل في فصلنا بين الوجود والتفكير، فوضعنا بيننا والوجود حاجزًا من فارق توقيت أبديّ، مع أن الفكرة هي التأويل الأوحد للوجود، هي الخطاطة والمقولة التي تثبت أن ثمة وجودًا، وليس مهمًا بعد ذلك إنْ كان هذا الوجود مفهومًا من قبل الإنسان أو غير مفهوم، منكشفًا أو غير منكشف، حاضرًا أو منسيًا. القضية أن الإنسان لا يتكشف لنفسه ولا يظهر له الوجود إلا في رحاب التفكّر. يستعين هيدغر كدأبه دائمًا بآبائه القدامى لتعضيد فكرته، يأخذ من هيرقليطس فحوى هذه الجملة "الإنسان يوجد في اللوغوس لكنه غير قادر على فهمه". كما يستعين ببرمنيدس بعبارته الحاسمة "التفكير والوجود كلاهما أمر واحد".

التفكير والوجود واحد إذن. لكنّ التفكير غير ممكن إلا باللغة ومن خلالها، ولذا كانت اللغة عند هيدغر بيت الكائن، كتب في كتابه العظيم (ما الميتافيزيقيا): "إن اللغة، أي ما يلفظ وما يقال وما يمكن أن يقال مرة أخرى، هي الأمين والحارس على الموجود المتجلّي والمتبدّي". وكتب أيضًا هناك "إن ما قيل مرة واحدة يمكن أن تتم إعادته مرات ومرات، لأن الحقيقة التي تُحفظ في اللغة يمكن لها أن تنتشر في إطار العمل الذي ينفتح فيه الموجود".

فما هي هذه اللغة التي أسكن فيها هيدغر الإنسان والوجود معًا؟

هي بعبارة موجزة الأداة التي يمكن أن يرى فيها الإنسان وجوده ككائن هنا على هذه الأرض، وأن يقول فيها هذا الوجود وأن يصبح أمينًا وحافظًا تاريخيًا له. هي بالتالي الأداة القادرة على طرح الأسئلة الجوهرية التي ذُكرتْ آنفًا، وهي أسئلة متكثرة كما قلنا لكنّ لها أصلًا واحدًا، ميّزته الأظهر أنّها أسئلة كبيرة، وأنها تحرث في أرض غير النافع "فما لا نفع فيه هو القوّة الوحيدة الحقيقية" وأنها لا تجعل الأشياء سهلة بل تزيدها صعوبة كما يليق بصعوبة فهم الوجود، وأنها تخلف موعدها "فكلّ تساؤل أصيل هو في غير أوانه"، وأنها أخيرًا تستحقّ أن تستغرق عمرًا بأكمله "المرء الذي يريد أن يعرف هو الذي يضع مجمل وجوده في إرادة أن يَعرف".

ليست اللغةُ إذن هي الأداة الإجرائية التي نتكلم بها في شؤون حياتنا، وليست "وهذا أسوأ" أداة إيصال واتصال وحسب، وليست غطاء للفكرة وجسدًا لها، لأن تواصلًا كهذا من شأنه إغراقنا في بحر نسيان الوجود، والتلهّي بكثرة الموجودات تلهيًّا يخرّب علاقتنا بها.

كتب هيدغر: "إن سوء استخدام اللغة في الأحاديث الفارغة وفي الشعارات والعبارات يحطم علاقتنا الأصلية بالأشياء".

اللغة في الدرس الهيدغري هي اللغة المردودة إلى أصلها، والقادرة على إعطاء اسم للإنسان فنحن "لا ندرك أو نعرف ما هو الإنسان إلا حين ينتج شعرًا أصيلًا، أي حينما يبني الأشياء بشاعرية". هذه العودة الضرورية إلى المنابع تتخذ لديه طريقين: طريق وجودية تأخذ اللغة في حيّزها الكاشف عن الجوهر، وأخرى تاريخية تبحث معنى الخلق والإبداع عند الإغريق، وفي كلتا الطريقين ينتهي الأمر بمواجهة الشعر، فيصل إلى أن "التفكير الشعريّ عند الإغريق يمثل بالمعنى الصحيح والصادق مفهوم الخلق، أي التراجيديا، والفلسفة الشعرية لا يمكن أن تُفهم إلا من خلال التراجيديا".

لكنّ نداءات كهذه، النداءات التي تقيمها لغةٌ تروم استكاه الوجود، نداءات خفيضة، لا تلتقطها إلا أذن مدرّبة على التقاط الصوت الهامس، كما أنها أذن تترقّب، تنتظر ما يأتي به الغيبُ من هباتٍ ومنح لهذا الكائن الفاني. إذ الوجود "في الدين كما في العرفان كما في الشعر" ليس استحقاقًا أبدًا، بل هو هبةٌ، هدية هبطتْ إلينا من علوّ، لأننا لا نملك صرفها ولا دفعها أو التحكم بها.

في الشعر، كما في الفلسفة، يمكن للإنسان أن يسمّي، أي أن يخلق ويحدد الأشياء مع سلطة الكلمة ذاتها

هذه النداءات الخفيضة العميقة غير مهيأة إلا لذوي التجارب الكبيرة في فنّ الإصغاء، يكتب هيدغر بأسى "نحن قليلو التجربة في ما يتعلق بالسمع والإصغاء".  لماذا؟ "لأن آذاننا امتلأت بالأشياء الكثيرة التي من شأنها أن تمنعنا عن السماع بطريقة ملائمة".

اقرأ/ي أيضًا: قبل أن يقعَ الكلامُ على العالم

في الشعر، كما في الفلسفة، يمكن للإنسان أن يسمّي، أي أن يخلق ويحدد الأشياء مع سلطة الكلمة ذاتها، بعون من انفتاحه على هذا المجهول الذي لا يفتأ يطلق نداءاته. لذلك يبدو كما لو أننا بالشعر والفلسفة وحدهما يمكن لنا أن نلاحق ما لا نعرف. أليس هذا الفصل حاسمًا بين طريقتين في الكلام: واحدة إجرائية تجدها في حديثنا اليوميّ أو في نقاش وجدل ثقافيّ أو سياسيّ وتكون لحمتها وسداها هي ما نعرفه وما تكون لدينا خبرة به، وأخرى ننفتح بها على ما لا نتوقعه حتى ونحن ننشئ حديثنا، ونحن نتكلم ننتظر ونتوقع ما يمكن أن يفاجئنا ويدهم حديثنا ويأتي لنا بالأعاجيب.

لكنّ لهذا الكائن الذي يريد أن يسمّي ويكشف عن غير المتوقع، سمتين أساسيتين لا بدّ منهما:

الأولى: المقدرة على توجيه السؤال ومعرفة كيفية طرحه وتوجيهه وتوقيته. يكتب هيدغر "الأمر الأساس ليس عدد المنافع التي يمتلكها الشيء، بل الوقت الصحيح، أي كيف تمتلك اللحظة المناسبة لطرح السؤال".

والثانية: الانتظار، أن يعرف المرء كيف ينتظر، يقول هيدغر "انتظرْ حتى لو كلّفك أن تنتظر الحياة كلّها".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

لا أحد يعرف أحدًا

كيف ومتى أصبحنا معدة تطحن نفسها؟

:دلالات