كيف ومتى أصبحنا معدة تطحن نفسها؟

كيف ومتى أصبحنا معدة تطحن نفسها؟

الكتاب كلّه تحفة احترافية (فيسبوك)

كم نحتاج من وقتٍ "وجهد ودمٍ ودموعٍ" لاستنباتِ البذرة الريكورية في أرضنا، نحن العرب؟ وكم تحتاج هذه البذرة من وقت لتنمو وتزهر وتثمر؟

انفراد المفكّر الحرّ أنه لا يقتنع بكل ما هو مبذول في طريقه، لا يعبأ بالشائع، إذ كلّ شائعٍ فخّ يعيق الوصول

ميّزة درس ريكور في كل نتاجه أنّ التفلسف عنده والتأويل والبحث المضني يجد جذره في فنّ الإصغاء، إصغاء مرهف لنداءات تأتي مما هو ضروريّ، نداءات المفاهيم كما نداءات الوجود نداءات العقل ونداءات النصوص لكنْ وبشكل آكد نداءات الوجدان والعاطفة، ونداءات الله كذلك.

اقرأ/ي أيضًا: الإنسان الخطّاء لبول ريكور..من أجل أن يخسر الشيطان رهانه!

النداء يأتي من كلّ مكان ومن كل اتجاه، داعيًا الإنسان إلى أن يتفكّر ويتدبّر ويتأمل ويكتشف، لكنْ قبل ذلك كلّه عليه أن يلتقط النداء أولًا، عليه أن يعرف كيف يصغي.

أتذكر "ريلكه" في مراثي دوينو:

(أصغِ أيها القلبُ إصغاءً لا يقوى عليه سوى القديسين)

انفراد المفكّر الحرّ أنه لا يقتنع بكل ما هو مبذول في طريقه، لا يعبأ بالشائع، إذ كلّ شائعٍ فخّ يعيق الوصول، والشائعات قطّاع طرقٍ وهي أعدى أعداء التفكير الحرّ الطلق.

يشيع في ثقافة العرب ـ مثلًا ـ ذلك التأكيد الملحاح على ضرورة الفصل الحادّ بين العقلانيّ والوجدانيّ، أو قل بين العاطفة والمنطق، أو بين القلب والرأس، ويشيع تبعًا لذلك التقذّر من استحضار الدرس الدينيّ في مداولات فلسفية بدعوى أنّ درس الفلسفة يتأبى أن تداخله وتتخلله التجربة الدينية التي تتقوّم بالخضوع والطاعة والوثوقية واليقين.

انتهى ذلك إلى خلق ثقافتين متنافرتين: عقلانية علموية علمانية، وأخرى دينية غيبية، وكلتاهما تحمل طاقة إنكارية في داخلها وتنطوي على نواة صلبة تَكسِر أو تُكسَر فلا شيء ينفذ إليها إلا ردّته إنكارًا وسخرية هنا أو تكفيرًا وإخراجًا من الملّة هناك.

في كلّ تفكير حرّ قائم على الإصغاء للنداء من حيثما أتى، فإنّ هذه الترسيمة محض شائعة ليس إلا. تفكيرنا العلمانيّ لا يقلّ بؤسًا عن التفكير الدينيّ، كلاهما أقلّ من أن ينتج شيئًا مثمرًا، لإنّ الإنكار، هو انحطاط الفكر. ومنْ يفكّر إنكاريًا يظلّ أقرب إلى حافر الخنادق للحرب منه إلى المفكّر.

يبتني كتاب "بول ريكور" هذا على محاولة عظيمة للخروج من "الحدود الفاصلة بين ما هو عقلانيّ بارد وبين القلب الذي يلبّي نداء يأتيه من قريب". الكتاب كلّه إصغاء متواصل لذلك النداء الداعي إلى ما هو أبعد من شائعة انفصال العقل عن القلب.

شغلُ المفكر الحرّ هو في إقامة مصالحةٍ بين مفهومين دأبت ثقافة الشائعات على إفهامنا أنْ لا لقاء بينهما، وهذا ما يفعله ريكور هنا بالضبط: وساطة ومذكرات تفاهم جديدة بين الفيلسوف واللاهوتيّ، بين العقل والقلب، بين المنطق والوجدان، أو ـ كما يخبرنا عنوان الكتاب ـ بين العدالة والحبّ.

العدالةُ ـ في جنبتها القضائية ـ أمر قابل للتموضع في ضوابط وفهارس، وتحديدها ممكنٌ وتجلياتها محسوبة، فما وصلتها بالحبّ الذي هو هبةٌ لا تقع تحت إدراك الضبط العقلانيّ، وفعل مجانيٌّ غير خاضع لحساب؟

الكتاب كلّه تحفة احترافية صيغتْ جوابًا على هذا السؤال.

لا يأتي ريكور إلى جوابه مباشرة، ليس ثمة سراط مستقيم في الفكر، فمن أجل أن تكتسي الحقيقة وجهًا نحتاج إلى تلك الاستدارات الضرورية، الانعطافات التي نكون مرغمين فيها على المرور بأصقاع معرفية قد تبدو بعيدة عن موضوعنا، لكنها البدّ اللازم لكلّ من يريد أن يصل. لا يؤدي الطريق المستقيم إلا إلى ما نعرف سلفًا، ولذا فإن محصول سيرنا في السراط السويّ محض هباء لأنّ غاية تقصّينا ستكون عودتنا إلى البيت الذي منه خرجنا.

الرهان الأول لصيغ الإيمان كلها تتحدد بتسمية الله، وبتعرّفنا على الاسم يمكن لنا أن نلتقط نوع الاستجابة لهذا الإيمان وتصريفه في المعيش

يأخذ ريكور مشوارًا في الدرس الدينيّ أولًا للتعرف على الوشائج بين العدالة والحب، مستفيدًا بشكل كبير من الكتاب العظيم لنورثروب فراي "المدوّنة الكبرى" (ترجمه سعيد الغانمي وصدر عن دار الجمل سنة 2017)، ليقيم جسرًا بين "شعرية الحبّ ونثر العدالة، أي بين الترنيمة الدينية والقاعدة القانونية الشكلية".

اقرأ/ي أيضًا: هل الصفحُ المستحيل ممكن؟

يبدأ أولًا بفحص فعل الأمر "افعلْ" حين يكون متعلقًا بالأمرين: بالحبّ وبالواجب. في قول النص الديني "احبب الله" أو "أحبب أخاك" أو "احبب عدوّك"، متحدثًا عن التوظيف الشعري لصيغة الأمر هذه، في مقابل التوظيف "القانونيّ" لها. وفي النصّ الديني حيث تتقدّم الوصية على كلّ قانون، فإن استجابة الحبّ كما استجابة "الإذعان" إنما تنبع من علاقة الحبّ بين الله ونفس منفردة.

وبفحص ذلك النداء "احببني" نجد أنّ اقتصاد الهبة قائم في صلبِ كلّ حبّ، كـأنما المنادي يقول "ما دمتُ قد أُعطيتَ فإن الواجب عليك الآن أن تعطي"، لنصل إلى تواشج خفيّ، لكنه حاسم بين الواجب والرجاء، بين الحبّ والعدل، بل أن الهبة ذاتها تكون هي المصدر الوحيد لكلّ واجب.

نتعرّف في الكتاب على الوساطات اللغوية المقامة في النصّ الدينيّ، ونكتشف أن الرهان الأول لصيغ الإيمان كلها تتحدد بتسمية الله، وبتعرّفنا على الاسم يمكن لنا أن نلتقط نوع الاستجابة لهذا الإيمان وتصريفه في المعيش.

يبلغ بنا ريكور إلى نتيجة يجب أن تكون صادمة لثقافتنا، نحن الذين اعتدنا المضيّ في سراط مستقيم "دينيّ أو علمانيّ"، وهي ضرورة البحث في ما اسماه شيلر "المحتوى الموضوعيّ للوظائف العاطفية"، وهي عبارة استشهد بها ريكور في كتابه.

نكتشف بفضل ريكور أن هذه الانعطافات، هذه الدورانات المستمرة ليست علامة تيه، ولا سيماء تناقض، إنها السمة التي لا بدّ أن تحوزها المعرفة لتكون كذلك. ومن دونها سنظل نرتع في أراضي الشائعات البور التي تجعلنا ـ علمانيين ومتدينين ـ معدة تطحن نفسها.

............

هذه المقالة نتيجة قراءة كتاب

الحب والعدالة

بول ريكور

ترجمة وتقديم وتعليق: حسن الطالب

مراجعة وتقديم: د. جورج زيناتي

دار الكتاب الجديد المتحدة ـ الطبعة الأولى ـ بيروت 2013.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ولادة الفلسفة لجيورجيو كولي.. الفلسفة بوصفها نسيان الأصل

رواية "علاج شوبنهاور".. المرض كتأمل في فلسفة الحياة