واشنطن تدفع الكاظمي إلى الفخ.. كيف يمكن تقويض الفصائل دون حمام دم؟

واشنطن تدفع الكاظمي إلى الفخ.. كيف يمكن تقويض الفصائل دون حمام دم؟

وجد الكاظمي نفسه محاصرًا بين خياري المواجهة الدامية أو الإذلال

الترا عراق - فريق التحرير

من خطوة مباغتة أرادها مصطفى الكاظمي إعلانًا لمرحلة جديدة وحازمة في وجه الفصائل المتمردة، وجد رئيس الحكومة نفسه محاصرًا بين خياري المواجهة الدامية التي لن ينتصر فيها على الأرجح أو التعرض للإذلال.

رأى التحليل في تشجيع واشنطن للكاظمي على ملاحقة الفصائل المسلحة دفعًا إلى "فخ" نصبته إيران

بهذا المشهد الخطير والمرتبك، قدم تحليل أمريكي رؤيته لمآل عملية الدورة "الجريئة" وتبعاتها التي أحرجت الكاظمي، مقترحًا استراتيجية أخرى لتقويض الفصائل المسلحة في العراق تقوم على ركيزتين أساسيتين، سياسية واقتصادية.

حظ أم تنسيق مسبق؟

ويرى التحليل الذي نشره معهد "بروكنجز"، وتابعه "الترا عراق"، أن سياسة واشنطن في تشجيع حكومة الكاظمي نحو صراع وخيم العواقب مع الفصائل، يعني ربما دفعها إلى فخ نصبته إيران.

ويبين التحليل، أن رسالة الكاظمي في الغارة على كتائب حزب الله كانت بسيطة: لم يعد بإمكان الفصائل الشيعية في العراق التصرّف من دون عقاب، لكنه يشير إلى أنّ الأحداث التي تلتها "لم تسمح بوصول رسالة الكاظمي".

بل ويذهب أبعد، مرجحًا أنّ "العملية أُجريت بالتنسيق والتشاور مع إيران والجهات الفاعلة السياسية المتحالفة معها. مثلاً، سواء أكان بالحظ أم كان بتنسيق مُسبق مع إيران أو قيادة المجموعات الميليشاوية والكتل النيابية، حيث لم تردّ المجموعة بأي طريقة لافتة".

اقرأ/ي أيضًا: المواجهة مع الفصائل "تتعّمق".. والكاظمي أمام خيارين قاسيين

ومن الضروري الآن، وفق التحليل، أن "ترضى" الحكومة بالوضع الراهن، حيث تتحلّى كتائب حزب الله بقدرات قتالية كبيرة ولها القدرة على مواجهة القوى الأمنية العراقية بعنف، وسوف تواجه هذه القوى صعوبة لكسب فوز عسكري شامل ضدّ هذه المجموعة، ولو وقعت هذه المعركة، ستحشد هذه المجموعة أيضًا مجموعاتٍ قويةً أخرى موالية وكيلة لإيران ضدّ الحكومة.

الفخ.. المواجهة أو الذل!

فملاحقة الفصائل الشيعية في الوقت الراهن، سيكسب الكاظمي فقط بعض الهتافات المؤيّدة في العراق والولايات المتّحدة قبل انطلاق الحوار الاستراتيجي الأمريكي العراقي في واشنطن هذا الشهر، على حد تعبير التحليل.

لكنّ الكاظمي يواجه مشكلة معقّدة الآن، بحسب التحليل، فقد كشفت الغارة على كتائب حزب الله قيودَ الحكومة، بيد أنّ العراقيين والآخرين يتوقّعون منه أن يستمرّ بفرض سلطته على هذه المجموعة والجهات التابعة لها. بالتالي، وَضَع الكاظمي مصداقيّته على المحكّ، وهنا يثار السؤال الأهم: هل ينقَضّ على المجموعة من جديد، حتّى لو يمكن أن يسبّب ذلك صراعًا أو يحرّض إيران وجهاتها الوكيلة الأخرى؟

يرى التحليل، أن "الكاظمي وضع سابقة من الممكن أن تؤدّي إلى فشله أو إذلاله"، مشيرًا إلى أن "الأهم هو أنّ المحاولات لتحجيم الجهات الوكيلة لإيران يمكن أنّ يضرّ عملية الإصلاح الأوسع، وهي عملية لا بدّ منها لتأخير الانهيار الاجتماعي الاقتصادي، وقد أعاقت العملية المجموعات النافذة (من ضمنها الأحزاب المؤيّدة لإيران والجهات الوكيلة على وجه الخصوص) التي لها مصلحة مكتسبة في المحافظة على الوضع الراهن ".

دعا التحليل واشنطن إلى مناقشة مسارين ضمن خطتها لمواجهة نفوذ إيران في العراق

وعلى الرغم من أنّ الهجمات الصاروخية على الأمريكيين تقوّض الأمن وتضرّ بالعلاقات العراقية الأمريكية، كما يقول تحليل المعهد الأمريكي، فإن من الممكن أيضًا أنّ الكاظمي (والولايات المتّحدة، نظرًا إلى أنّها تشجّعه عن عِلم وغير عِلم) ربما يقع في "فخّ منصوبٍ لضرب استقرار البيئة السياسية وتعزيز المقاومة السياسية ضدّ رئيس الوزراء والإصلاحات وإدخاله في صراع يصبّ في مصلحة إيران وجهاتها الوكيلة".

"السلاح الأقوى.."

من هذا المنطلق، يبدأ التحليل في اقتراح استراتيجة أخرى تقوم في ركنها الأول على محاصرة الفصائل المسلحة اقتصاديًا. ويقول إن "على الكاظمي أن يبقى مُركّزًا بشدّة على انتعاش الاقتصاد العراقي وأن يُبقي الانتباه العالمي مُتمحورًا حول التزام حكومته الحازم بتأمين استقرار البلاد وتلبية الحاجات الملحّة للشعب العراقي".

ويضيف، أن "حكومته تواجه تحديات بنيوية طويلة الأمد، بما في ذلك القبضة المُحكمة التي تتحّلى بها كتائب حزب الله والجهات الأخرى الوكيلة لإيران على الاقتصادَين الرسمي وغير الشرعي. لكنّ الأشهر الثلاثة المقبلة حاسمة لأنّ العراق يحاول إبراز استعداده وقدرته (للجمهورَين المحلّي والخارجي) على إنعاش الاقتصاد. وعملية الإصلاح هذه بالضبط (السلاح الأقوى لدى الكاظمي) هي التي ستطرح الجهات الوكيلة لإيران جانباً في النهاية وتكسب عقول العراقيين وقلوبهم".

لعبة سياسية..

أما الركيزة الثانية فتعتمد على ميدان السياسة، إذا يرى التحليل، أن  "كتائب حزب الله تكافح لاستعادة المكانة السياسية التي تميّزت بها في ظلّ قيادة المهندس، الذي رسّخت علاقاتُه العريقة وتمكُّنه المُشخصن من البيئة السياسية بروزَ المنظّمة في السنوات الأخيرة. وعلى عكس المجموعات المنافسة، على غرار منظّمة بدر (التي تسيطر على مؤسّسات عراقية أساسية وتترأس ثاني أكبر كتلة سياسية في البرلمان) وعصائب أهل الحق (التي هي جزء من هذه الكتلة ذاتها ولها 15 نائبًا في البرلمان)، تفتقر كتائب حزب الله إلى الانضباط التنظيمي وإلى النفوذ السياسي والمؤسّساتي".

اقرأ/ي أيضًا: جنرال أمريكي يتحدث عن نصب أنظمة دفاع جديدة في المنطقة الخضراء

ويشير، إلى أن الأمن في العراق هو مسألة سياسية: فقمع فصائل مثل كتائب حزب الله لا يمكن أن يكون جهدًا مُجتزأ. فإن كان الكاظمي والولايات المتّحدة جدّيَّين في احتواء المجموعات المتحالفة مع إيران، لا بدّ من التزام حازم واستعداد للقيام بكلّ ما يلزم، ومع استراتيجية سياسية لإدارة التداعيات المحتملة على الحوكمة والإصلاح في البلاد. ويمكن أن يعود ذلك بالنفع عندما تبرز فرص صغيرة تُعجِّلها بيئة العراق السياسية والأمنية المُتقلّبة، على حد تعبيره.

"الأعداء الخبثاء.."

ويبين، أن واشنطن حبّذت مقاربة الواحدة بواحدة إزاء الصراع مع المجموعات الوكيلة لإيران، لكنّ الولايات المتّحدة تخاطر بتشجيع الكاظمي على حشد قوّاته ضدّ الجهات الوكيلة لإيران بدفعه إلى الوقوع في فخٍّ نصبته إيران، ولا قدرة له على ذلك الآن، ولابد من مناقشة مسارين بدل ذلك، الأول: تحديد "مدى الاستعداد لمنحه شبكة حماية عسكرية تدعمه في حال قرّر التحرّك ضدّ هذه المجموعات القوية". والثاني: "تفادي أخطاء الماضي وعدم التعويل على رئيس الوزراء وحده، بل ينبغي تشجيع الكاظمي والعمل معه لوضع استراتيجية لتأليف تحالف سياسي منيع ضمن البرلمان العراقي".

ويوضح، أن ذلك "سيعني بلا شك خلق أعداء للكاظمي، لكن عليه أن يحرص على أنّهم الأعداء الصحيحون (أي الجهات الفاعلة الخبيثة التي لا مصلحة لها في عراق مزدهر والتي تريد طرد الولايات المتّحدة من البلاد). ومع دعم أمريكي، باستطاعة الكاظمي العمل على تأسيس تحالف سياسي مدعوم من مجموعات تريد العمل معه لضمانِ دعمٍ وحضورٍ أمريكيَّين مستمرَّين في العراق، من ضمنها الجهات الفاعلة السياسية العربية السنّية والشيعية والكردية".

الهدف النهائي..

ويقول تحليل المعهد الأمريكي، إن "بإمكان هذا التحالف أن يساعد الحكومة أيضًا على الحرص على عدم استيلاء قوّات الحشد الشعبي والمجموعات المتحالفة مع إيران على إصلاحات هذه الحكومة وعدم تخريبها، وبإمكانه أيضًا وقاية الكاظمي من أيّ تداعيات بعد المحاولات العتيدة لإسكات الجهات الوكيلة لإيران. وتقدّم هذه الجهات الفاعلة أيضًا المكوّنات الأساسية لتحالفٍ يمنح الكاظمي تكتّلاً انتخابيًا صالحًا لخوض الانتخابات النيابية المقبلة. والهدف النهائي هو حماية عملية الإصلاح من أن يتم إفشالها. وبإمكان واشنطن، من جهتها، المساعدة على التوسّط لتسوية التوتّرات ضمن التحالف. فغالبًا ما تكون التحالفات في العراق مشاكسة وعرضة لتكتيكات فرّقْ تسُدْ السياسية التي تنتهجها إيران في العراق".

اقترح التحليل استراتيجية مغايرة لتقويض الفصائل تقوم على ركيزتين سياسية واقتصادية

ويختم التحليل بالقول، "حينما تكون الهجمات على أهداف أمريكية وشيكة، ينبغي على العراق الردّ، لكن ينبغي مؤازرة ذلك باستراتيجية سياسية وقدرة إكراهية تدعمها واشنطن. والتركيز على الخطط الطويلة الأمد وليس الانتصارات التكتيكية القصيرة الأمد مسألةٌ حاسمة للحرص على عدم تحقيق مآرب إيران من خلال ارتكاب أخطاء تعرّض السيادة العراقية وإجراءاتها القضائية للهزء. عوضًا عن ذلك، ينبغي على الكاظمي التركيز على وضع مقاربة مفصّلة متشعّبة لاحتواء إيران وإنهاء الهجمات الصاروخية التي أدّت إلى مصرع أمريكيين وعراقيين على حدّ سواء".

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد "تسوية" ليلة الدورة.. الكاظمي أمام خيارات المواجهة أو "التغليس"

أول رشقة بعد "ليلة الكتائب".. منظومة الدفاع تضع الفصائل أمام خيارين