يدي اليسرى تؤلمني

يدي اليسرى تؤلمني

(ناصر حسين)

من المؤسف أن الناس كتبت كل شيء تحت طائلة الأدب جزافًا، وتجاهلت أحد الفنون الكتابية القديمة الحديثة، والذي يسمى بالتدوين. مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تسأل المليارات من مستخدميها "بماذا تفكر؟"، وأوصدت الباب على هذا الفن. لحاجة في نفسي أن أتحدث بالكثير خارج هذه المواقع، وبمحاولة يائسة مني لإحياء هذا النوع من الكتابة، سأنشر في "ألترا عراق" البيت الدافئ للأقلام الشابة، والوطن الكتابي الذي كلما فررت منه، عدت إليه، تدوينات مستمرة، آمل أن تجد من يقرأها. وهنا تحت هذه التوطئة ستكون تدوينتي الأولى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أن طبقت نحو نصف دول العالم إجراءات حظر التجول لمنع تفشي فايروس كورونا المستجد، أو فرضت قيودًا على الحركة، كان معظم الناس منشغلين بتكديس الطعام، أو الخوف من الوحدة التي سيشعرون بها خلال فترة بقائهم في البيت، لكن قلقي الوحيد كان دومًا هو نفاد السجائر أو عدم العثور على من أتحدث إليه ليلًا بعد سلسلة من الأحداث الدرامية التي مرت في حياتي، والتي ربما ستكون ضمن موضوعاتي القادمة.

اليوم كنت أشاهد فيلمًا لطيفًا عن الحب، لا عمق فيه ولا فذلكة، فيلمًا يمنح المشاهد وقتًا جميلًا دون حسابات أعقد، وكان قرب رأسي الكثير من علب السجائر الممتلئة، وبين أصبعي السبابة والوسطى في يدي اليسرى كما العادة سيجارة مشتعلة، ثم فجأة أحسست بألم غريب في راحة يدي، غريب ليس لأن راحة اليد حصينة ضد الألم، أو لأنني بطل خارق في إحدى أفلام مارفل، لكن لأنني كنت أعرف أن الألم لم يكن حقيقيًا رغم إحساسي الواضح به، لدرجة أنني استطيع أن أصفه، فقد كان أشبه بالشد العضلي الذي يصيب المنطقة أسفل لوح الكتف، تزداد حدته وتفتر حسب حركة الكف، لكن ذلك لم يكن كافيًا لخداعي، فأنا رغم الكثير من الصفات السيئة التي أحملها، أجيد معرفة ما هو حقيقي أو متوهم في داخلي.

في تلك اللحظة فكرت بأشياء قد تمنحني شيئًا من السعادة، وكان على رأسها شراء قميص جديد، وهذا ليس شيئًا من طباعي، لأن شراء قطعة جديدة من الثياب كان لا يتم دون معركة هائلة مع أمي، تخبرني فيها كيف أنني لا أهتم بنفسي، وكيف الشباب الذين بعمري يعيشون يومهم بسعادة ولا يغادرون البيت إلا بأجمل طلة لديهم، تقول وأؤكد أن الكلام لها، وأنا بريء مما يرد فيه، أنني حسن المظهر ويمكنني أن أبهر النساء، لكن فوضويتي وكآبتي تجعلني أبدو شحاذًا أو هاربًا من مشفى الأمراض العقلية. على أية حال فكرت بشراء قميص سمائي والسير في الشارع، وزيارة مقهى غرام في منطقة اليرموك غرب بغداد، والاستماع إلى جدارية محمود درويش على جسر الجادرية، وهو أمر متعلق بنهر دجلة لا بتقارب الحروف بين اسم الجسر وعنوان القصيدة، والإفصاح عن المحبة مرة أخرى.

أنهيت حلمي، وبدأت بفيلم ثانٍ مشابه للأول. كان الألم قد زال من كف يدي اليسرى بقوة الإلهاء، وألم قلبي المتعطش للعاطفة قد تضاعف، وهواء الفجر ازداد برودة. أفكر الآن بحكمة أنهي بها كتابتي لسببين الأول أن أبدو مثقفًا يجيد صناعة المعنى أو الإمساك به على الأقل، والثاني لأمنح لنفسي فرصة كشف سر ما أريد مصادفة، لكن لا شيء من هذا سيحدث، سأؤرث سيجارة جديدة، استعيد بعض الصور من الذاكرة، ثم أبحث عن ألم وهمي جديد في جزء مختلف من جسدي ليشتت ألم القلب، ثم أشتت الألم الوهمي بفيلم ثالث، فماذا يفعل المحجور في غرفته وحيدًا، غير مشاهدة الأفلام وتدخين الكثير من السجائر.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

وصفة الشعر والنجاة

وصية موتي