الإنسان والإنسان الآخر

الإنسان والإنسان الآخر

(بهرام حاجو)

مع استمرار العزلة القسرية المفروضة عليَّ وعلى معظم سكان الكوكب، قادني الضجر والاكتئاب إلى قناعات جديدة، أتمنى أن تكون مؤقتة، لا حدود فيها للخير والشر أو الحق والباطل أو الصح والخطأ، قناعات دفعتني للانحياز تجاه ما هو صادق وعفوي وأصيل، وإن كان ذو ضرر أو أذى، وربما جاءت هذه القناعة إثر عادة سيئة أخرى لي، هي تصنيف الناس وفق فئات غريبة، وآخر تصنيف لي هو موضوعي لهذا اليوم.

انحاز إلى الإنسان الذي يعيش الحياة لأنها منحت له، لا يطارد فيها النجاة، ولا يسعى خلالها إلى الحصاد على حساب إيمانه وهويته 

منذ عدة أيام قرأت تغريدة لكاتبة بريطانية كان كتابها هو الأكثر مبيعًا في المملكة المتحدة، تشير فيها إلى أن عدد تقييمات كتابها على موقع "كود ريدز" بلغ 99 تقييمًا، وتطالب قراءها بوضع التقييم رقم مئة وبواقع 5 نجوم من أصل 5، وهو أمر بدا لي غريبًا بعض الشيء، ومثير للحزن واليأس من واقع الأدب والكتابة، إذ أصبح التسويق لعمل أدبي ما بهذا الطريقة المثيرة للشفقة والمهينة للكرامة والمشوهة لبراءة التقييم الأدبي ونزاهته، ومنحه طابع المجاملة على حساب الصدق. بعد ذلك بيومين أو ثلاثة قرأت منشورًا لشاعر عراقي مشهور يعاتب بغضب شديد زميلًا له وصفه بالصحفي بدلًا عن الشاعر، وعادًا ذلك الوصف طعنًا لهذه الصداقة، وكأن هذا الشاعر لا يصادق غير المؤمنين بشعريته.

اقرأ/ي أيضًا: يدي اليسرى تؤلمني

تذكرت بعد رؤية هذين المثالين صورة لعدد من زوار المراقد الدينية في العراق، وقد تجاهلوا خطر الإصابة بالفايروس ونشره مقابل تلبية طقوس الزيارة، وكان هؤلاء ينقسمون إلى قسمين، قسم جاهل يشكك بوجود الفايروس أو يعتقد أن هذه الزيارة الدينية ستعتقه من الأذى، وقسم كان يعلم بالخطر الناجم عن مشاركته بفعالية تضم حشدًا بشريًا لكنه ذهب على أية حال، غير مكترث لمصيره أو مصير غيره، بسلوك يقف في منطقة وسيطة ما بين الانتحارية والحيوية اللا مجدية، وكان هذه الجزء بالنسبة لي مثير للعاطفة والاحترام، إذ أن نكران الذات والذوبان الكلي داخل العقيدة والهوية جعل حياتهم متغيرًا هامشيًا في علاقة الولاء، وبصورة شبيهة لهذا الجزء، استمع يوميًا لصوت المؤذن وهو يضيف عبارتي "الصلاة في الرحال" و "صلوا في بيوتكم" إلى آذانه، وكيف يتغير صوته عند نطقه لهما، ولا يمكن أن يخرج السبب وراء الحزن الكبير لديه عن قول ذلك عن احتمالين، الأول أنه ضجر من خلو المسجد، والثاني هو الشعور بالأذى الذي لحق بهذا الطقس الديني.

كلا المثالين المذكورين وسيما الأول، يقودان بلا شك إلى أذى الآخر أو التحريض على ذلك، وبلا شك أي ميل نحو أذية الغير هو شر، لكن الغريب بالأمر، أن هذا الميل جاء بنقاء إنساني لم تمتلكه الكاتبة البريطانية أو الشاعر العراقي، وأن العاطفة الخالصة لم تكن إلا لدى الموجوع وصاحب الأذى، فربما في مكان ما من المملكة المتحدة كان هناك كاتبة عبقرية قد نشرت كتابًا أشاد به عدد محدود من عباقرة الأدب المتوارين عن الإعلام، وفجر ينابيع من الإلهام والمشاعر لدى من قرأه، لكن عدد قراء الكتاب بقيَّ محدودًا وتراكمت نسخه في المخازن بعد أن أزيحت من رفوف العرض الزجاجية في الواجهات، وذلك أن الشك الإنساني هشاشة الكاتب وقلقه الوجودي منع هذه الكاتبة عن الترويج لنفسها، كما أن صورتها غير المتحمسة أو المندفعة للشهرة لم يمنح الحماس لدار النشر بتنفيذ الدعاية المطلوبة، فأدى ذلك إلى حجب كتاب مهم عن آلاف القراء وهي نتيجة سيئة بالطبع، لكن حافظ بالوقت ذاته على قدسية الفن والجمال وسموه المتوحد بنفسه، والأمر ينسحب كذلك على شعراء ربما خجلوا في العديد من المناسبات أن يعرفوا أنفسهم بـ"شعراء" رهبة من وقع الكلمة، أو السقوط بفخ تقييم الذات وتعظيمها، فلم يقرأ لهم أحد.

واستنادًا إلى ذلك مارست عادتي السيئة بالتصنيف، ووجدتني أضع البشرية بغض النظر عن الخير والشر والحق والباطل، إلى إنسان أناني ووصولي ومتعطش للنجاح وإن كان بأداة الزيف أو المجاملة المتبادلة، متطور في تدرجه المهني ونجم في حقل اختصاصه، كونه يملك أكثر صفات الآلهة سوءًا، ألا وهي هداية الناس إليه. وصنف ثانٍ هو الإنسان الآخر، الإنسان الذي إذا ما أحب تألم وإذا ما انتمى والى، وإذا ما أبدع توحد، الإنسان الذي يعيش الحياة لأنها منحت له، لا يطارد فيها النجاة، ولا يسعى خلالها إلى الحصاد على حساب إيمانه وهويته، فأغلى ممتلكاته هاتين، ولا يستبدلهما بكنوز الدنيا ولا عروشها، ووجدتني انحاز إلى الصنف الثاني.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

وصفة الشعر والنجاة

وصية موتي