التشرينيون مرة أخرى (2-3)

التشرينيون مرة أخرى (2-3)

لا يمكنك أن تبدد طاقاتك في قضية محسومة سلفًا لصالح الأقوى (فيسبوك)

الاستقلال عن الرأي العام هو الشرط الأساسي الأول لتحقيق أي أمر عظيم أو معقول سواء في الحياة أو في العلم. هيغل. 

التفكير صعب، وذلكم هو السبب الذي يجعل أكثر الناس يطلقون الأحكام بدلاََ من أن يفكروا. كارل غوستاف يونغ.

يثير الخروج عن التقاليد غضب الأشخاص التقليديين، وذلك إلى حد كبير لأنهم يرون أن هذا الخروج انتقاد لهم. برتراند رَسل. 

ربما ستكون هذه المقالة أكثر تفصيلًا من سابقتها من حيث الأمثلة والشواهد، على الرغم من ميولي الشخصية نحو التكثيف والاكتفاء بالخطوط العريضة، تاركًا المجال لأصدقائي القراء التفكير الاستنتاج، لكي لا تتحول إلى تقرير إنشائي مبتذل. ولا بأس أن نذكّر بين فترة وأخرى عن حجم الإخفاقات التي مُني بها الحراك السياسي. وهذا التذكير ينبغي أن يصب في مصلحة الحراك نفسه لكي يتجاوز عثراته الماضية، هذا إن كانت نوايا حقيقية لمواصلة الرحلة حتى نهاية المطاف. وينبغي أن نكرر هذه الحقيقة المرّة: كل ما كتبناه عن قوة الجماعات ونفوذها لم يكن مجديًا لأنه لا يحظى بجمهور واسع، ولأنه لا يحقق إثارة في مواقع التواصل الاجتماعي! وشغلتنا الإثارة، أو أعمتنا، عن النظر إلى الواقع كما هو، فنظرنا إليه طبقًا لأمزجتنا ورغباتنا الجامحة التي يتحكم بها الغضب الجماعي.  اتذكر إني كتبت ما مضمونه: "نظّموا أنفسكم مثلما ينظم الصدريون أنفسهم".. أغضبتهم هذه العبارة لأنني، بزعمهم، شبهتهم مع الصدريين.. فلك أن تستنتج مقدار الغضب الجماعي الذي أحرق الأخضر واليابس. وحتى هذه اللحظة ننتظر هذا التمايز الغيبي أن يتحقق في عالم الشهادة!

لو كنّا نتمتّع بالتفهّم الكافي لعثرات بعضنا البعض لما تفرقنا إلى زمر سياسية، وجماعات تخوين، وتلاشت طاقاتنا على مواضيع تافهة للغاية

 ومثلما ذكرنا في المقالة السابقة عن قوة العقيدة ودورها في حسم الأمور في الساحة العراقية، علينا أن نذكّر أخواننا التشرينيين، أن الغضب الجماعي كان حائلًا بينهم وبين فهم هذه الحقيقة الساطعة. لا بأس أن نراجع عثراتنا، ومن ضمنها أن نتبصّر حقيقة جلية لكل ذي عقل، وهي أن العقيدة عند الكثير من العراقيين هي رأس المال الوحيد غير القابل للتنازل عنه إلى حد التضحية بالحياة فيما لو تعرّضت عقيدته للاستفزاز. قد يقال هنا إن المقصود ليس الغضب على عقائد الناس بما هي كذلك، بل مخرجاتها السلبية من قبيل التدخل بشؤون الناس وقمع الآراء ونبذ المخالف من خلال التأييد الاجتماعي الواسع الذي تحظى به الجماعات العقائدية، سواء بالتأييد المباشر أو السكوت عن هذه الأفعال . ولهذا الاعتراض شواهد واقعية ليست قليلة، لكن السؤال الأهم: إذا كانت هذه الظواهر موجودة فعلًا، وهي كذلك بالطبع، وتبرر سلوكياتها دائمًا بمنطق الأغلبية، فمن الذي يقوّمها ويقلل من حدتها؟ لا أحد، لأنها تترجم الإمضاء والقبول الاجتماعي والسياسي لها من قبل شرائح اجتماعية واسعة. لكن قد يوجد حل وهو عدم الاصطدام، سواء بالتصريح أو التلميح، بعقائد الآخرين، والتعليل واضح وضوح الشمس، وهو أننا لسنا في باريس بل في العراق! وأننا لا نحظى بأغلبية سياسية واجتماعية، وأن وضعنا السياسي لا يوجد في قاموسه معنىً لمفهوم المعارضة السياسية. فمن الضروري جدًا فهم المرحلة ومخاطرها وطبيعة المنطق الملائم لها.

اقرأ/ي أيضًا: التشرينيون مرة أخرى (1ـ2)

مؤكد أن الوضع لا يسر الصديق فضلًا عن العدو، والدليل على ذلك أن عدد الشهداء الذين سقطوا في انتفاضة تشرين لم يستفزوا عقائد الآخرين عمومًا، فتصفيتهم كانت سياسية بالجوهر وإن اتخذت طابعًا عقائديًا. لكن ولقسوة الظروف، فالدرس الذي أعطتنا إياه الأحداث هو العمل بالحد الأدنى، وهذا الأخير يقتضي المراجعة والنظر إلى حجم الدائرة التي نتمتع بها، ذلك أننا لم نفرز حركة اجتماعية واضحة المعالم تتمتع بحاضنة شعبية واسعة.. فلا وجود لضمانات كافية حتى هذه اللحظة. طبعاً قد يكون هذا الكلام مثاليًا، ومن يراه كذلك فله الحق الكامل في أن يعمل العكس، فنحن في النهاية كل منا يرى الأمور حسب حدود فهمه، وهذه حدود فهمي. ولو كنّا نتمتّع بالتفهّم الكافي لعثرات بعضنا البعض لما تفرقنا إلى زمر سياسية، وجماعات تخوين، وتلاشت طاقاتنا على مواضيع تافهة للغاية.

مهما كانت طريقة تفكير الخصم، ومهما كانت طرق تفكيرنا تجري بالضد منه، فينبغي أن لا تخرج هذه الخصومات عن دائرة الاختلاف السياسي مع هذا الخصم. بمعنى أن تتحول خصومتنا حول برنامجه السياسي تحديدًا. على سبيل المثال، يمكن أن نترجم خصومتنا مع الصدريين إلى تنافس حول البرنامج السياسي، فلنترك مقتدى الصدر، وشخصيته، وميولاته، وطبيعة خطابه الديني لأتباعه، وتأليف هذا الكم الهائل من النكات، ليس لأن حرية التعبير ممنوعة، وليس لأنه يسلبكم روح التمرد! وإنما سيكون الخطوة الأولى والجوهرية لفشلكم، لأنكم، وببساطة شديدة، في العراق!

إن الخصومات اذا اتخذت طابعًا اجتماعيًا ستسقطنا في فخ النبذ الاجتماعي المتبادل، وسيمسك الأرض من هو أقوى وأكثر نفوذًا. كل الجماعات الدينية، من الصدريين وغيرهم، يفوقونك بأضعاف مضاعفة، فلا يمكنك أن تبدد طاقاتك في قضية محسومة سلفًا لصالح الأقوى وأنت لا تمتلك الأدوات اللازمة، وتحويل هذا الغضب الشعبي إلى فعل سياسي مُنَظّم. الخطوة الأولى والحاسمة لتشييد البنى التحتية لأي ممارسة سياسية هي المحافظة على الحاضنة الشعبية، وهذه الأخيرة تحتاج إلى تطمينات، وليس إلى زعيق وصراخ. وبالمناسبة، أن التنظيم هو من يحول هذا الغضب الجماهيري إلى بنود سياسية بعد تهذيبه، وليس العكس! ذلك إذا وقعنا فريسة بين أنياب الغضب الشعبي من دون أن نترجمه إلى فعل سياسي عقلاني فسنغدو جماعات شعبوية، فتأمل ذلك.

فنأخذ مثالًا عن ظاهرة الشعبوية التي تنتشر كالنار في الهشيم، ابتداءً من الجماعات الدينية، وهي الأكبر من حيث الكم بالتأكيد، ونهاية بباقي الفئات الاجتماعية التي تميّز نفسها عادةً خارج السياجات العقائدية. فالمضمون واحد وإن اختلفت حِدّة الأفعال بين هذه وتلك. المهم في الأمر، انتشرت ظاهرة في الآونة الأخيرة، وهي بالتأكيد تعبر عن الغضب المكبوت تجاه الجماعات العقائدية، فشاهدنا الكثير ممّن يطمح بدولة "عَلمانية"، وهم الجيل الذي ورث الاستبداد والخراب، يهدرون الكثير من أوقاتهم للحط من الآخرين، وتتحول هذه الصفة الرخيصة أولوية قصوى لديهم. وقد انتشرت هذه العدوى مؤخرًا في مواقع التواصل الاجتماعي عبر التندر على الجماعات العقائدية، كما لو أنهم شرطة على الأخطاء الإملائية. ولا يخفى، كما وضحّنا في المقالة السابقة، أن محاولة احتقار الجماعات العقائدية بهذا الشكل السافر، وإشعارهم بالدونية، هي محاولات لا تنتج وعيًا سياسيًا بقدر ما تنتج أعداء عقائديين! (وإذا كان خصمك من النوع العقائدي فلا تقوم لك قائمة). دائمًا ما تُبَرّر هذه الأفعال على أنها حرية تعبير، وهي أقصى ما يمكن فعله تجاه الجماعات العقائدية. وبصرف النظر عن شعبوية هذه الردود، فالكلام هنا موّجه للجيل الذي تبنّى فكرة العمل السياسي المعارض، الجيل الذي يحلم بالحرية والديمقراطية والحريات المدنية، الجيل الذي يطالب بالقصاص العادل لقتلة الشباب، فهذا الخطاب السلبي، وبكل تأكيد، سيسرع بالإجهاز على مشروعهم السياسي النبيل.

مهما كانت درجات استيائنا حول العملية السياسية، فلا حلول يمكنها أن تضمن سير الاختلاف سوى العمل السياسي العقلاني رغم قلة الضمانات في هذا البلد. وخلاصة الموضوع؛ أن نختلف مع خصومنا كفاعلين سياسيين لكي نساهم في تقليل حدة التوتر، ولكي يتفهم الخصوم لاحقًا أن رموزهم العقائدية في مأمن من هذه العملية، وربما (أقول "ربما" ولا أملك غيرها) سيخففون من حدة ردود أفعالهم لاحقًا. لا توجد لدينا حلول متاحة، ولا نتملك ترف الاختيار، فبالتالي منطق العقل والحكمة يؤيد هذه الحلول.  فإن لم يكن هذا الاختلاف نابع من جذور سياسية فسيكون الخاسر الأكبر من لا يمتلك أدوات القوة وستتسع قوائم ضحايا النبذ الاجتماعي. ومن ثم سيتلاشى كل شيء وستذهب الجهود أدراج الرياح.. فالحكيم والدبلوماسي من يحافظ على مكتسباته ولا يتأثر بأمواج الشعبوية العاتية، التي تجرف كل شيء بطريقها. كل شيء قابل للتعديل والتصحيح ما دمنا على قيد الحياة.

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تشرين.. قلب واحد وعقول متعددة

من العقيدة إلى السياسة