28-يونيو-2023
التلوث في بغداد

التلوث البيئي في العاصمة بغداد (فيسبوك)

عواصف ترابية تضرب العاصمة، وسماء حمراء ومستشفيات تكتظ بالمواطنين الذين يتعرضون لحالات الاختناق، صورة تمثل أجواء التلوث في بغداد، التي تعيشها لأيام عدة في فصل الصيف تبين مدى التقلب المناخي في العراق، لكن تأثير تلك العواصف ربما لا يوازي حجم وآثار ما تسببه الغازات المنتشرة والملوثات في سماء بغداد: الملوثات الناتجة عن حرق الوقود والغاز في مصفى الدورة مثلًا أو الدخان المنبثق عن حرائق الطمر الصحي في أطرافها.

غازات وملوثات تغطي سماء بغداد فضلًا عن العواصف الترابية

في عاصمة يتجاوز عدد سكانها 9 ملايين نسمة، وتتصدر المحافظات العراقية بعدد السكان، تزداد نسب التلوث الجوي في بغداد وتتقدم مع مرور الزمن حيث باتت أجواؤها تخنق سكانها مع ازدياد الملوثات من دخان المصانع والمصافي إلى عوادم السيارات وانتشار المحارق غير المجازة للنفايات، ناهيك عن غياب شبه تام لمعالجات حكومية يفترض اتخاذها لتهيئة بيئة مناسبة صالحة للعيش.

وبحسب المؤشرات العالمية الخاصة بقياس درجات نقاء الهواء، فإن العراق يحتل مراتب متقدمة في نسبة التلوث الجوي، كما تتصدر العاصمة بغداد العواصم العربية. واحتل العراق المرتبة الثانية بأكثر دول العالم تلوثًا، فيما جاءت بغداد بالمرتبة 13 من بين المدن العالمية الأكثر تلوثًا خلال عام 2022، وذلك وفق مسح عالمي سنوي أجرته شركة سويسرية لتصنيع أجهزة تنقية الهواء.

ويقيس IQAir مستويات جودة الهواء بناءً على تركيز الجسيمات المحمولة جوًا التي تضر بالرئة والمعروفة باسم PM2.5. يتم الاستشهاد بمسحها السنوي على نطاق واسع من قبل الباحثين والمنظمات الحكومية.

وذكر التقرير الذي نشرته شركة IQAir وفق جداول أن "العراق الذي يبلغ عدد نفوسه 43,533,592 نسمة جاء بالمرتبة الثانية كأكثر دول العالم تلوثًا حيث تدهورت جودة الهواء في العراق إلى 80.1 ميكرو غرامًا من جزيئات PM2.5 لكل متر مكعب من 49.7 في عام 2021".

 

عواصف وعوادم

تتنوع مصادر التلوث البيئي في بغداد بشكل خاص، وفي العراق عامةً، حيث وجود مصانع ومدن صناعية تتوسط المدينة بالإضافة إلى عدد المركبات في الشوارع فوق الحد المستوعب، يشكل مصدرًا كبيرًا لازدياد التلوث.

مصانع ومصافٍ ومحطات كهرباء تتوسط بغداد وتصدر مواد سامّة

وبسبب الازدياد السكاني والتوسع في التصميم العمراني للعاصمة بغداد، باتت بعض المصانع والمصافي ومحطات الكهرباء تتوسط بغداد تقريبًا، ومنها مصفى الدورة ومحطة كهرباء جنوب بغداد، إضافة إلى معامل الطابوق وتصدر عنها مواد سامة مثل أول أوكسيد الكربون وثاني أوكسيد الكربون، تؤثر على صحة سكان المناطق القريبة.

يزيد على ذلك، عدد المركبات التي تسير في شوارع بغداد والتي باتت تفوق المستوعب، حيث ذكرت مديرية المرور العامة في تصريح، أن عدد السيارات في العاصمة بغداد تجاوز 3 ملايين سيارة، من أصل 7 ملايين سيارة في عموم البلاد، معتبرة أن هذا العدد يقدر بـ "10 أضعاف القدرة الاستيعابية لشوارع بغداد".

ولا يقتصر التلوث في بغداد وشوارعها على عدد المركبات، بل إن وجود المولدات الأهلية داخل الشوارع الفرعية وبين المنازل والعمارات السكنية يسبب تلوثًا بيئيًا حيث تعمل تلك المولدات لساعات طويلة في اليوم وتطلق دخانها في الشوارع.

 

سموم سرطانية

خبراء البيئة يحذرون من وجود سموم منتشرة في الهواء قد يستنشقها المواطنين دون علم ناتجة عن انتشار الغازات السامة، كما أشاروا إلى أن ارتفاع عدد المركبات ومحطات توليد الطاقة أحد أسباب ارتفاع نسبة هذا التلوث البيئي في العراق.

8 مليون مواطن بغدادي فوق القدرة الاستيعابية للعاصمة 

يقول الخبير البيئي، عضو الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة أيمن هيثم قدوري إن "تلوث الهواء واحد من أبرز التحديات التي تواجه المواطن العراقي بصورة عامة والبغدادي على وجه التحديد نظرًا لاحتلال بغداد مراكز متقدمة في قائمة المدن والعواصم الأكثر اكتظاظًا بالنسبة للكثافة السكانية بالنسبة بالمساحة".

ويشير قدوري في حديث لـ "ألترا عراق"، إلى أن "‏عدد سكان بغداد سيصل إلى ما يقارب 10 ملايين مواطن خلال الخمس سنوات القادمة بحسب إحصائيات رسمية، وهذا ‏الاكتظاظ السكاني في مدينة مصممة كل بناها التحتية لاحتواء ما يقارب مليوني مواطن فقط بالتأكيد سيؤدي إلى ارتفاع عدد وسائل النقل وارتفاع الطلب على تجهيز الطاقة الكهربائية فبالتالي ترتفع نسب وتراكيز انبعاثات الغازات الملوثة لهواء العاصمة".

وعن أكثر الملوثات في هواء بغداد، يقول قدوري إن "أبرز المواد هي مادة pm2.5  وهي عبارة عن مجموعة من الغازات والمواد التي لا يتعدى حجمها 2.5 مايكروميتر، أي سهلة الاستنشاق".

"تلك المادة أيضًا تعتبر وحدة قياس جودة الهواء بالنسبة لمعيار جودة الهواء air quality index"، يقول الخبير ويتابع: تعرّض الإنسان لهذه المادة لفترات زمنية طويلة وتراكمها يؤدي إلى الاصابة بالأمراض الرئوية والسرطانات وسرطان الدم، وهناك حالات مسجلة في العاصمة بغداد بالإصابة بسرطان الرئة عن طريق التعرض لهذه المادة لمدى طويل".

 

غبار المخلفات

ملوثات أخرى يحذر منها الخبير البيئي، ومنها "ما ينتج عن عامل التغير المناخي أي العواصف الغبارية التي تكون أغلب بؤرها داخل حدود العراق أي تنطلق من الصحاري العراقية"، كما يقول إن "معظم الصحاري العراقية في جنوب وغرب العراق هي مواقع طمر لمخلفات حربية وأسلحة ناتجة من الحروب التي تعرض لها العراق خلال الأربع عقود الماضية".

 مادة pm2.5 هي الأكثر انتشارًا في بغداد وتسبب الإصابة بالسرطان

ويشير إلى أن "هذه المخلفات العسكرية ما إنْ تتحلل حتى تؤدي إلى تغيير كيميائية التربة فتصبح ذرات الغبار المتطايرة محملة بمواد مسرطنة وتسبب إصابة أسرع بسرطان الرئة من pm2.5، وتندرج عواصف الذرات الغبارية والمواد المحملة معها تحت مسمى pm10".

ويؤكد قدوري ضرورة "تقليل عملية استيراد وسائل النقل ‎ووضع معايير لضمان جودة الهواء وتقليل انبعاثات الغازية من وسائل النقل أيضًا بالإضافة إلى ذلك نقل المعامل ومحطات توليد الطاقة الكهربائية خارج المدينة".

كما يشدد على ضرورة "استزراع وزيادة كثافة الغطاء النباتي الذي يعمل على استعادة جودة الهواء من خلال تنقية الهواء من هذه المواد المتطايرة وهذه أبرز الحلول التي تعتبر واقعيه وسهلة التطبيق".

 

التلوث ارتفع 11 ضعفًا

بينما يحذرون من خطر بقاء حالة التلوث الجوي في بغداد، يشير أطباء إلى ارتفاع نسبة التلوث في العاصمة بنحو 11 ضعفًا عن السابق بسبب عدم نقل المصانع خارج المناطق السكنية بالإضافة إلى قلة المساحات الخضراء التي يمكن أن ترفع نسبة الأوكسجين في الجو.

المتخصص في طب الأسرة عبد الستار الحمادي يقول إن "تفاقم الوضع البيئي في العراق لا توجد لها حلول لغاية اليوم وخاصة في العاصمة بغداد التي وصل عدد سكانها إلى 9 ملايين نسمة وبقاء البنى التحتية فيها على وضعها السابق".

ارتفع حجم التلوث في بغداد 11 مرة

الحمادي يؤكد في حديث لـ "الترا عراق"، أن "هناك الكثير من العوامل التي تساعد على التلوث الذي ارتفع 11 ضعفًا عن المستوى التلوث في بغداد والعراق في الثمانينيات ووصل إلى حد 173 درجة على نظام Aqi".

المشكلة هذه "كبيرة وتتفاقم بشحة المياه إضافةً الى عدم إنشاء مصانع حديثة"، وفق الحمادي الذي يؤكد أن "المصانع كلها قديمة وموجودة الآن في قلب بغداد مثل مصفى الدورة، والكهرباء أيضًا، بالإضافة إلى عدم وجود خطط بيئية حديثة للتعامل مع الملوثات وعدم تنفيذ القانون، ما أدى إلى استفحال الملوثات البيئية بما يخص المياه أو الهواء".

عاملان أديا إلى استفحال التلوث، وهما "كثرة السيارات وعدم التحكم بعددها، وانتشار المولدات الكهربائية داخل المدن"، ما تسبب بـ"تفاقم الوضع بما هو عليه اليوم"، وفق الطبيب.

 

نقل المدن الصناعية

الصحفي حسنين حسن، يرى أن من الحلول التي يمكن وضعها لملف التلوث البيئي، هو نقل المجمعات الصناعية التي توجد داخل المدن، كما يشير إلى المحال الخاصة بتصليح المركبات والموجودة في شوارع تتوسط العاصمة مثل شارع النضال ومنطقة الباب الشرقي.

حسن وفي حديث لـ "ألترا عراق"، يشير إلى أن "انتشار المصانع داخل المدن وبين الأحياء السكنية سبب ارتفاعًا في نسبة تلوث هواء بغداد مع وجود عدد كبير من السيارات والغازات الناتجة عنها".

تكتظ بغداد بالمجمعات الصناعية ومحال تصليح السيارات وتسبب تلوثًا

ويردف بالقول، إن "وجود محال تصليح السيارات والمواد الاحتياطية في قلب بغداد ساهم في تفاقم الأزمة مع عدم وضع حلول لتلك المحال والمجمعات الصناعية ونقلها إلى أماكن مفتوحة".

ويضيف: "العاصمة بغداد تفتقد للحدائق والمناطق الخضراء التي يمكن أن تمتص المواد الملوثة والغازات وتزيد نسبة الأوكسجين بالإضافة إلى أن المنازل باتت تفتقر للحدائق بسبب أزمة السكن واستبدلت تلك الحدائق ببيوتات صغيرة قللت من الأشجار والنباتات".

 

 

قصة من تلوث البصرة 

لا يقتصر التلوث على العاصمة بغداد فحسب، بل تتعرض محافظة البصرة إلى تلوث بيئي نتيجة "بسبب مخلفات المصانع والمحروقات النفطية"، وهو ما يقف خلف إصابة الشابة البصرية فاطمة يوسف بمرض السرطان، وفق ما أخبرت به "ألترا عراق".

وتضيف يوسف: "قصتي بدأت مع المرض الخبيث عندما كنت أشعر بضيق التنفس أثناء النوم حتى صار الأمر صعبًا، مما دفعني إلى مراجعة المستشفى".

شابة في البصرة اُصيبت بالسرطان نتيجة دخان المصانع والنفط

الكوادر الطبية أجرت لفاطمة يوسف "فحصًا بالأشعة ليتبين لهم وجود أكياس مائية في الرئة"، وبعد "الفحص الدقيق وأخذ (خزعة) من الاكياس" اتضح وجود "أورام خبيثة".

تكمل فاطمة حكايتها: "الطبيب الذي راجعته وشخص حالتي أكد لي أن سبب إصابتي بمرض السرطان هو التعرض لملوثات جوية ناتجة عن دخان حرائق المصانع والنفط الذي ينتشر في سماء قضاء أبي الخصيب في البصرة"، مؤكدة أنها "تخضع للعلاج وهي حاليًا تعتبر محاربة للمرض على أمل الشفاء والانتصار عليه".