العراق.. بلد المرويات الحزينة

العراق.. بلد المرويات الحزينة

بعض شخوص النظام السياسي على استعداد أن يقدموا حتى الشباب للموت في سبيل الخارج (فيسبوك)

ما يدعو إلى المفارقة المؤلمة في المشهد العراقي، أن الأنظمة التي تمارس هيمنتها على نظام المحاصصة، قد أجمعت على احتقار الشعب العراقي. لا أقول النظام السياسي العراقي، فهذا الأخير يصعب وضعه في معجم الأدبيات الوطنية؛ فهو نظام قائم على دعم النظام الإمبريالي من جهة والأنظمة المجاورة من جهة أخرى. لذا يبقى الأمر موجهًا للشعب، كونه هو الأصل والأنظمة إلى زوال. فمن هذه الناحية، لماذا كل هذا الاحتقار للشعب العراقي؟

 الأنظمة التي تمارس هيمنتها على نظام المحاصصة، قد أجمعت على احتقار الشعب العراقي

فعلى سبيل المثال، تتعامل الولايات المتحدة مع إيران كأمة عريقة ومتكاملة، حتى أن كيسنجر صرح ذات يوم بأنه "على إيران إما أن تكون أمة أو قضية" في إشارة إلى عمقها الحضاري، وأن لا تفرط بهذا العمق لصالح تمردها السياسي. بصرف النظر عن صواب كيسنجر من عدمه، فالقصة تكمن هنا وبالذات: أنهم ينظرون إلى إيران كأمة لها اعتبار في الساحة الدولية.

اقرأ/ي أيضًا: الهيمنة على الطريقة العراقية.. قرصنة من الداخل!

مفارقة أخرى: حتى الدول المجاورة للعراق، فسواء ارتبطنا معها بجيرة تاريخية وأواصر حضارية ودينية، ظلت نظرتها للشعب العراقي لا تختلف كثيرًا عن نظرة السياسة الدولية الباردة تجاه هذا الشعب المغضوب عليه. أكثر من ذلك: ضلوعها بدعم الفاسدين وتشجيعها على إنشاء دولة داخل دولة.

 كل هذا يجري أمام مرأى ومسمع الداخل والخارج، حتى أنه أضحى شيئًا عاديًا ومألوفًا، لا بل هو تلقائي!؛ فمن يسعى لحل النزاعات وتجنب أي مسار تصادمي، قد يحدث في الداخل، بين "الفرقاء السياسيين"، سيهرول- تلقائيًا - إلى الخارج لفض النزاع مع شيء من التطمين لمنصبه الذي يمثل مسألة حياة أو موت.

لا أحسد الولايات المتحدة على مؤسساتها وقوتها الاقتصادية والسياسية والثقافية الهائلة، لأنها تحصيل حاصل، أي أنها إمبراطورية عالمية توفرت لديها الكثير من عوامل القوة، وإنما أحسد إيران على أمور كثيرة، وبالطبع لا أحسدها على نظام رجال الدين، وإنّما أحسدها على رجالها المخلصين حد الفناء مثل قاسم سليماني وأمثاله، الذين يعملون لأجل إيران فقط على عكس ما يروّج له من أنهم يعملون للإسلام وللأمة وللتشيع. إنّهم مخلصون حد الفناء، ومستعدون للتضحية بالنفس من أجل حدودهم القومية أولًا وقبل كل شيء، وعقيدتهم المذهبية التي أفرزت جيلًا من " الفدائيين" والذين يعدون جدارًا بشريًا لصد أي "مؤامرة" محتملة من الخارج.

مهما كانت طبيعة وجهات النظر التي نبديها تجاه هذا النظام، ومهما كنّا رافضين للتدخل السافر لهذا النظام في شؤوننا الداخلية ونظرته، التي تغيب فيها النديّة والمنافسة الحقيقية، تجاهنا، فهذا مبدأ وطني نتمسّك به ولسنا مشكورين عليه. لكن حسدي ينطلق من هذه الزاوية بالتحديد: لماذا يتوفّر في العراق شخصيات عكس سليماني بالضبط؟! أعني ما هذا الكمّ الهائل من الفاسدين من الساسة الذين يسبّحون بحمد دول الجوار، ويضمرون كراهية شديدة لهذا البلد وبذات الوقت يعتاشون من خيراته؟

لأكون صريحًا أكثر: أشعر بالغيض الشديد وأنا أشاهد شخصيات شديدة الثقة بنفسها ومخلصة لبلدها تتحكم بالقرار السياسي في العراق، وفي المقابل أرى شخصيات عراقية تنتظر أوامرها من الخارج حتى لو احترق العراق، فالأمر لا يعنيها طالما لم يأتِ الضوء الأخضر من الخارج.

هناك شخصيات عراقية تنتظر أوامرها من الخارج حتى لو احترق العراق، فالأمر لا يعنيها طالما لم يأتِ الضوء الأخضر من الخارج

ثمة نمط آخر يختلف عن تطلعات السياسيين الفاسدين؛ إنهم رواد "الحرية" الذين يعملون المستحيل ويكافحون لنيل حريتهم الفردية واستقلالهم الذاتي ويستنزفون الكثير من طاقتهم الذهنية للبرهنة على قدسية الحرية الفردية، بينما يبرد ويذوب، ومن ثم يتبخر، هذا الكفاح تجاه استقلال البلد. وبالطبع لا أتكلم عن الناس البسطاء الذين أعياهم غياب الدولة، فراحوا يفتشون عن ملاذات أخرى، وإنما أتكلم عن النخب المستفيدة!.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا فعل "شيعة السلطة"؟

هذا النمط من الناس لديه استعداد لحرق البلد مقابل امتيازاته الرخيصة و"حريته المقدسة"، ويشجع أي احتلال أجنبي ويلتحق بهذا الأخير فورًا!، ويقدم خدماته للمحتل بكل إخلاص، ولا تعنيه القضايا الكبرى، بل تعنيه حريته الفردية، وينصحنا كثيرًا للاهتمام بمستقبلنا. كل ما يفكر به ويتذمر بسببه ما هو إلا انعكاس لوضعه الاجتماعي ورفاهيته الخاصة، فلسان حاله يقول: أحرقوا البلد مقابل حريتي.

كيف يكتمل بناء البلد وسط نخب سياسية وبعض النخب الثقافية، التي يمكنها أن تفكر في أي شيء ما عدا مصلحة البلد؟ كيف يفكر الآخرون بإيجابية تجاه هذا البلد وفيه كل هذه الكائنات الفاسدة؟ هل سمعنا يومًا أن الكرامة والحرية والاستقلال والهوية الوطنية تأتي من الخارج؟!.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

هل يمكن بناء دولة في ظل ذاكرة تكره الديمقراطية؟

هل يملك الضعفاء ترف الاختيار؟