بسفارة إلكترونية وحيلة اقتصادية.. إسرائيل على أسوار بغداد

بسفارة إلكترونية وحيلة اقتصادية.. إسرائيل على أسوار بغداد

لا زال العراق وفق القانون الدولي في حالة حرب مع إسرائيل (البديل العراقي)

بات الحديث عن "التطبيع" مع إسرائيل يتنامى بين بعض العراقيين في وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا، خاصة وإن الكثير من العراقيين يقومون ببناء مصدات لرفض التطبيع قبل أن يتحوّل إلى أمر واقع كما حدث في عدة دول بحسب رأيهم. تحوّل "التطبيع" من كونه جس نبض إلى توجيه بعدة أوجه ومسار واحد لقضية لطالما كانت سببًا في مخاوف أجيال من العراقيين، لكنها هذه المرة تجري ضمن نسق منتظم لعمل قد يطول، فيما يشير خبراء إلى أنه دخل ضمن دائرة اهتمام "إسرائيل" على المدى البعيد.

الانشقاقات التي فرضها نظام "المحاصصة"،  إضافة إلى أزمة الهوية السياسية مع أزمة الدولة والنظام  في العراق كلها عوامل أدت إلى أن تستغل من قبل "إسرائيل" لإيجاد منافذ للتطبيع

على ما يبدو أن الانشقاقات السياسية والتصدعات على مستوى النسيج الاجتماعي العراقي إضافة إلى الطائفية وصراع الهويات مع التوترات الأمنية والنفوذ الأجنبي على القرار السياسي العراقي، كلها عوامل أدت إلى أن تستغل من قبل "إسرائيل"، لإيجاد منافذ للتطبيع، سواء كان مباشرًا أو سريًا.

سفارة "إسرائيلية" مفترضة في "فيسبوك العراق"

في خضم موجة الترويج للتطبيع مع "إسرائيل"، وجهت إحدى الصفحات على موقع فيسبوك، والتي تطلق على نفسها "سفارة العراق المفترضة في إسرائيل"، شكرها للأخيرة على تعزيتها في حادث غرق "عبارة الموصل"، في إشارة وصفها متابعون أنها محاولة لكسب ود الشارع العراقي، ومعرفة مدى تقبله للتطبيع، فضلًا عن مشاريع إسرائيلية باتت تبدو واضحة جدًا كبوادر لنوايا أكبر.

اقرأ/ي أيضًا: حناجر إسرائيل في بغداد.. إيقاع التطبيع المنبوذ

ويرى علي خالد، وهو مدوّن وناشط سياسي، أن "هناك العديد من القرائن التي تشير إلى وجود جيوش إلكترونية فاعلة في العراق، تدعو إلى التطبيع، قائلًا في حديثه لـ"ألترا عراق"، إن "إسرائيل استغلت عوامل عديدة للدخول بقوة في مجال التأثير على الرأي العام من خلال التواصل الاجتماعي، أهمها الحرب السورية وظهور داعش".

أشار خالد إلى أن "تلك الأحداث غيّرت وجهة نظر العراقيين من جميع أعداء إسرائيل المعروفين في المنطقة، خصوصًا حزب الله وإيران والجماعات التي تشكل العمود الفقري لفصائل المقاومة الفلسطينية "حماس والجهاد الإسلامي"، وصنعت فرصة لا تعوّض لإسرائيل بالعمل على القوة الناعمة الداعمة للتطبيع"، في إشارة إلى أن بعض القوى دعمت الاستبداد وساهمت بقتل الشعب السوري، وقوى أخرى تساهم في معاناة الشعب الفلسطيني وتقييد حرياته.  

أحداث الجولان الأخيرة ربما ستساعد بعض مريدي "التطبيع" في إدراك خطره لما تحمله من وضوح توسعي إسرائيلي لا يشمل الأراض السورية أو الفلسطينية فقط

وبيّن أن "السواد الأعظم من الناس لا يدركون حقيقة خطر التطبيع وانعكاسه السلبي على العراق قبل باقي بلدان المنطقة، مضيفًا أن "أحداث الجولان الأخيرة ربما ستساعد العراقيين في إدراك الخطر، لما تحمل من وضوح توسعي إسرائيلي ورعونة سياسية من قبل نتنياهو وترامب في التعاطي مع هذه الملفات".

اقرأ/ي أيضًا: الجولان توحد العراقيين وتشعل غضبهم

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية، أشارت في تقارير عدة إلى أن "صفحة إسرائيل باللهجة العراقية تدار من قبل وزارة الخارجية الإسرائيلية"، تتواصل مع شباب عراقيين يدعون لافتتاح سفارة للاحتلال في بغداد.

وقال يوفال روتيم وهو مسؤول في الخارجية الإسرائيلية، إن "هذه الصفحة التي أطلقتها وزارة الخارجية تعد بمثابة "سفارة رقمية"، تهدف إلى الاستجابة للاهتمام المتزايد الذي يظهره العالم العربي بشأن إسرائيل. مضيفًا في تصريح نقله موقع القناة الإسرائيلية السابعة، وترجمه "ألترا عراق"، أن "الشبكات الاجتماعية تسمح لنا بالوصول إلى هذا الجمهور - جيراننا - وتقديم الوجه الحقيقي لإسرائيل، فيما لم يكن ذلك ممكنًا من قبل، فقد اخترنا أن نبدأ من العراق في ظل التاريخ العريق لليهود العراقيين في إسرائيل، والاهتمام الكبير الذي أبداه السكان المحليون في إسرائيل، خاصة في السنوات الأخيرة".

وتابع المسؤول في الخارجية الإسرائيلية، أننا "نعتقد أن السفارة الرقمية ستعزز حوارًا مثمرًا وإيجابيًا وتؤدي إلى معرفة أعمق بين الإسرائيليين والعراقيين من جميع مناحي المجتمع العراقي - السنة والشيعة والكرد والجماعات الأخرى".

أما يوناتان جونين، الذي يترأس الفرع العربي في دائرة الدبلوماسية الرقمية في الخارجية الإسرائيلية، وهو الفرع المسؤول عن تشغيل صفحات التواصل الاجتماعي التي تديرها الوزارة باللغة العربية، فيقول إن "فتح الصفحة هو نتيجة لحوار ديناميكي أجريناه لفترة طويلة مع العراقيين على الصفحات التي نديرها، مبينًا "في عام 2017، حصل المحتوى الذي نشرناه في صفحاتنا على 50 مليون مشاهدة من العراق وحده، ويعبر الكثير من متصفحي العراق عن اهتمامهم بالحوار مع إسرائيل".

فيما يرى مراقبون أن أغلب الداعين للتطبيع والذين يتواصلون مع الصفحات "الإسرائيلية"، يستندون إلى سببين رئيسيين في توجههم؛ الأول، أن على العراق الالتفات إلى شأنه الخاص والكف عن سلوكيات صدام حسين ومنهجه العابر للحدود وهو رد فعل على ممارسة الاستبداد باسم القضية الفلسطينية، والثاني التمسك بإشاعة قديمة غير صحيحة، تقول إن "عدد الانتحاريين في العرق غالبيتهم من فلسطين"، في حين تشير الإحصائيات إلى حقيقة تختلف عن هذه الإشاعة، حيث أن الانتحاريين كانوا من دول أوروبية وعربية.

شرق أوسط جديد بصياغة "إسرائيلية"

تعتبر إسرائيل مرتكزًا رئيسيًا في إعادة صياغة شكل الشرق الأوسط، إذ أن هذا المشروع لا بدّ أن يبدأ بـ"تطبيع" يشمل أغلب الدول العربية وللعراق بينها خصوصية، نظرًا للعوامل الجيوسياسية والاقتصادية التي يتمتع بها، وتحديدًا بعد الموجة المتسارعة للترويج لتطبيع محتمل مع دول خليجية في مسار "صفقة القرن".

ويرى العديد من المتابعين، أن الإنفلات السياسي والأمني والتصدعات على مستوى النسيج الاجتماعي، من أبرز العوامل التي تجعل من العراق ساحة مفتوحة للمشاريع الخارجية وبضمنها "إسرائيل"، لغياب "المناعة الداخلية" التي تصنعها الدولة.

بهذا الصدد، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة، أياد العنبر، إن "التطبيع مع إسرائيل مرتكز أساسي في مشروع الشرق الأوسط الجديد، وهناك جهود كبيرة تبذل من قبل جيوش إلكترونية لترويج أفكار تهيأ الأجواء لهذا التطبيع".

أضاف العنبر في حديثه لـ"ألترا عراق"، أن "الإشكالية تكمن في كون القرار السياسي في العراق لا يكون ناتجًا من عملية صنع قرار مؤسساتي، بل هو يخضع لمواقف شخصيات سياسية وتوجهات حزبية ترتبط بقوى خارجية"، مبينًا أن "مواقف القوى السياسية ليست تعتبر انعكاسًا لإرادة الدول الراعية لهم".

أشار العنبر إلى أن "هشاشة الدولة العراقية بـ"نظامها المحاصصاتي" سمحت للقوى الخارجية بالتعامل مع المكونات الطائفية والقومية بصورة مباشرة، متجاوزة أعراف العلاقات الدولية التي تحكم العلاقات بين بلدين، ومن ثم العلاقات مع المكونات الطائفية والقومية هي أسهل وأقوى بالتغلغل من التعامل المباشر مع الدولة ومؤسساتها، ولذلك نجد التحركات "الإسرائيلية" تكون واضحة بهذا المجال".

صيغ اقتصادية.. أولى خطوات التطبيع!

كانت الدعاية الاقتصادية هي السمة الأبرز لمشاريع التطبيع الإسرائيلية مع المحيط العربي، فيما يرى مختصون أن مقدمات التطبيع العراقية مع إسرائيل ستكون من خلال الاتفاقات الاقتصادية، وتدخل بعنوان التكامل الاقتصادي، مشيرين إلى أن الصراع على النفوذ الاقتصادي يوازي الصراع على النفوذ السياسي، وعلى هذا الأساس هناك توجهات نحو تفعيل اتفاقيات ثنائية وثلاثية مع دول ترتبط بعلاقات اقتصادية مع إسرائيل سواء كانت بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

التأثير السياسي لأمريكا ودعمها للاستبداد دفع بعض الدول العربية إلى التطبيع مع "إسرائيل" للحفاظ على "السلطة" والبقاء فيها

في السياق، يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة واسط، أحمد صبيح، إن "تتابع موجات التطبيع الحالية مع "إسرائيل"، لم تكن ذات أسباب تتعلق بضعف الأداء الاقتصادي للبلدان العربية، مضيفًا "ربما مصر هي الدولة العربية الوحيدة التي ينطبق عليها هذا التوصيف بعد استخدام إسرائيل وبالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية "سياسة الخطوة – خطوة"،  في إضعاف الاقتصاد المصري وإغراقه في عمليات إقراض مقيته عجز بعدها الاقتصاد المصري عند سداد الديون المترتبة عليه وفوائدها الفلكية".

اقرأ/ي أيضًا: الدعوة إلى الوهم.. هل هناك جدوى من "التطبيع"؟

أوضح صبيح في حديثه لـ"ألترا عراق"، أن " التأثير السياسي للولايات المتحدة الأمريكية، ونجاحها الباهر في خلق الصراعات السياسية والعسكرية بين البلدان العربية من جهة، فضلًا عن دعم الاستبداد والدكتاتورية، دفع تلك الأنظمة إلى أحضان إسرائيل للحفاظ على عروشهم، كما يحدث في البلدان الخليجية التي برزت علاقاتها جهارًا مع إسرائيل، مقتدية بذلك ببعض بلدان المغرب العربي".

كما لفت صبيح إلى أن "الاقتصاد الإسرائيلي لا يمتلك أية ميزة نسبية مغرية، تجعله محط أنظار الاقتصادات الأخرى لبناء علاقات مبنية على تبادل المنفعة بينهما". وأشار إلى أن "تنوع منافذ العراق الحدودية، وتزايد الإيرادات النفطية التي تغطي تكاليف الانفاق العام، تجعله من أكثر البلدان استغناءً عن التطبيع بدوافع اقتصادية، رغم أن هنالك علاقات متينة بين إسرائيل وإقليم كردستان بنيت بدوافع سياسية بحتة" مبينًا أن "إنفاق إسرائيل المليارات في الإقليم ليس إلا محاولة لتجميل صورتها ودفع باقي المكونات للقبول بالتطبيع".

فيما استبعد صبيح أن تكون قضية اعتراف الولايات المتحدة بسيادة "إسرائيل" على الجولان المحتلة ذات آثار اقتصادية على العراق، إلا إذا كانت لـ"إسرائيل" أهداف أخرى غير معلنة تستطيع من خلالها التأثير على العراق، واصفًا البنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العراقية بـ"الضعيفة والمهيئة للسقوط السريع فيما لو تعرضت لاهتزازات".

"الدعاية الصهيونية" في قانون العقوبات العراقي

يعد القانون العراقي أحد أكثر القوانين صرامة في التعاطي مع "إسرائيل"، إذ تنص المادة 201 من قانون العقوبات، على العقوبة بالإعدام لكل من حبذ أو روّج مبادئ صهيونية بما في ذلك الماسونية، أو انتسب إلى أي من مؤسساتها أو ساعدها ماديًا أو أدبيًا أو عمل بأي كيفية كانت لتحقيق أغراضها، فضلًا عن باقي المواد التي تتعلق بالتعاطي أو الترويج "للصهيونية" والتي تتراوح العقوبات فيها من سبع سنوات إلى 15 عامًا.

وفي حديثه لـ "ألترا عراق"، قال الخبير القانوني، عباس الشريفي، إن "نص القانون 201 واضح ونافذ المفعول حتى الآن" مشيرًا إلى أن "القضاء العراقي اعتبر كل مصاديق العلانية منابر للترويج وتنطبق عليها تلك المادة"، في إشارة إلى أنها تنطبق على "وسائل التواصل الاجتماعي" أيضًا.

بينما يرى مراقبون أن أحد أهم الإيجابيات حول مستقبل الرأي العام العراقي تجاه إسرائيل في المستقبل القريب والمتوسط، هي أن الشعب العراقي كان ولا يزال في ثقافته لا يستطيع التبرير لاحتلال فلسطين ولا يتقبله، الأمر الذي تثبته كل الأحداث من نقل ترامب السفارة الأمريكية إلى القدس، إلى الاعتراف بـ"سيادة الكيان الصهيوني" على الجولان، فضلًا عن اللغة المستخدمة من قبل وزارة الخارجية العراقية تجاه الحراك الإسرائيلي في المنطقة، والتي اعتبروها "موقفًا مشرفًا"، والتي أعلنت عن رفض العراق لضم مرتفعات الجولان السورية المحتلة إلى "إسرائيل" بأي مبرر، مطالبة بإرجاعها إلى السيادة السورية حسب قرارات مجلس الأمن الدولي.

فيما تجدر الإشارة إلى أن العراق وفق القانون الدولي لا زال في حالة حرب مع "إسرائيل" لأنه الدولة الوحيدة التي شاركت في حرب 1973 ولم توقع مع "إسرائيل" اتفاقية هدنة أو سلام.

تنص المادة 201 من قانون العقوبات العراقي على العقوبة بالإعدام لكل من حبذ أو روّج مبادئ صهيونية أو انتسب إلى مؤسساتها أو ساعدها ماديًا أو أدبيًا أو عمل بأي كيفية كانت لتحقيق أغراضها

وكان نقيب المحامين العراقيين، ضياء السعدي، قد دعا المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب، إلى عقد اجتماع استثنائي عاجل للتصدي لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضم الجولان للكيان الصهيوني.

هكذا إذّا تتدحرج المحاولات الإسرائيلية للنفاذ إلى العراق، تارة بالوعود الاقتصادية "الزائفة"، وأخرى عبر العمل الدعائي الممنهج لاستهداف الرأي العام العراقي. لكن الشارع العراقي، الرافض أساسًا لإسرائيل من حيث المبدأ، يبدي في كل مرة استياءه ورفضه الانجرار وراء الاستفزازات الإسرائيلية، حتى اليوم. 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

بغداد ترد على دعوة ترامب بشأن الجولان المُحتلّ وتوجه رسالة دولية ضد إسرائيل

العراق يؤكد رفضه ضم الجولان المحتلة إلى "إسرائيل"