تشرين.. بين الرجاء والعمل

تشرين.. بين الرجاء والعمل

السياسية العراقية من انسداد إلى آخر (فيسبوك)

لقد [تشكّلت] أكثر من تسع حكومات.. ولكن تغيير الحكومات لم يكن يؤدي إلى تغيير السياسية الأساسية. وكانت الفوارق الأساسية بينها تتركز فقط على طباع رئيس الوزراء، والوسائل التي يلجأ إليها، والقدر الذي يظهره من الكفاءة أو غير الكفاءة. حنّا بطاطو- الكتاب الثاني.

منذ خمسة أعوام انشغلت بالإكثار من الكتابة، والحوار مع بعض الأصدقاء القلائل وأكثر الأحيان مع نفسي! عن التنظيم السياسي. فهذه الكتلة الجماهيرية الكبيرة سينتهي أمرها إلى شقاق ما لم تنظّم نفسها وتدخل معترك السياسة وتتبنّى خط المعارضة. وعلى الرغم من كل هذا الحشد الهائل من المناشدات والكتابات (والقليل من الحوارات!) تقطّعت أوصال "الحراك المدني" بسبب التشرذم وانعدام الرؤية والانشغال بالتميّز الذي كان شكلًا بلا محتوى. ثم اتضح أنه من ضمن الأورام المزمنة التي تعاني منها الثقافة العراقية (وأنا أقصد هنا الثقافة بمفهومها الأوسع: عادات وتقاليد.. الخ) هو حالة النفور من النقد، والنفور من أي تنظيم سياسي، والنفور من أي عمل مؤسسي، إذ يبقى الجانب الشخصي هو المتسيّد في هذه الثقافة التي تعلو من قيمة الشيخ والقائد على حساب العمل المؤسسي، فسقط هذا الحراك في فخ المبالغة في تقدير الذات من جهة، وقوة السلطة وآلياتها القمعية من جهة أخرى.

السكوت والتغطية على قتلة متظاهري تشرين يدخل في عداد المحاصصة

 ومن خلال تتبع سير هذا الحراك، قد يجزم المرء بهذه الحقيقة: أن هذا الحراك وُلد ليموت لأنه يعاني من إعطاب جوهرية مميتة ولم يكن أحد يمتلك القدرة للاستماع، فضاعت عليه فرصة الحاضنة الشعبية التي تشتت هي الأخرى بعد أن رأت ضعف النموذج والتناقض الحاد بين الشعارات والسلوك المباشر. كانت حصة التخوين والاتهامات الشخصية أكبر بكثير من الهم المشترك والتضامن الاجتماعي والسياسي بين الفئات المعارضة للسلطة، فالمهم في نظر هذه الجماعات هو التمرّد فحسب، حتى لو انعدمت الرؤية، حتى لو كلّفنا ذلك الإجهاز على المشاريع التي يمكنها أن تقنع الجمهور، حتى لو كانت على حساب انعدام الثقة. والنتيجة الواقعية لكل هذه الفوضى، والاستحقاق المُتَوَقَع لهذا كله هو النهاية التي شهدناها؛ فقد تلاشى هذا الحراك وبقيت الحساسيات الشخصية، فهذه الأخيرة هي ألصق بالنفوس، وأقرب على مزاج بعض العراقيين، حتى لو اتخذوا من قيم الحداثة شعارًا لهم، ذلك أن الشعارات تفضح أصحابها عند أول مطب في عالم التجربة الحافل بكل ألوان المفاجئات.

اقرأ/ي أيضًا: الفصل بين السلطات.. "مجتمع بلا دستور"

وقبل عام ونصف اندلعت احتجاجات تشرين وغطّت الكثير من مناطق الوسط والجنوب، وشهدت بغداد انفجارًا جماهيريًا هائلًا كان قادته ومشعلي ناره هم الفقراء والكادحين، فجوبهوا من قبل السلطة  بعنف لم يحدث له مثيل في تاريخ العراق السياسي، وسقط على أثره مئات الشباب بين شهيد وجريح، واستمرت حكومة عادل عبد المهدي حينذاك بالصمت المريب، ولا زال هذا الصمت يخيّم على كل مسئولي السلطة، باستثناء الشعارات ذات الطابع التجاري، ولا أظن أنه، في المستقبل القريب على الأقل، سيتمّ التحقيق والكشف عن أسماء من تورطوا بدماء الشباب. فقد ألهمتنا التجارب منذ 2003 أن نموذج المحاصصة موزع بعدالة فائقة؛ فالسكوت والتغطية على هذه القضية الجنائية الخطيرة يدخل في عداد المحاصصة، لكي تبقى المغانم والامتيازات سارية المفعول، من يكسر هذا العهد فسيفتح عليه أبواب الجحيم، لذلك لم نجد كتلة برلمانية طالبت بشكل صريح ومباشر بفتح ملفات تشرين، باستثناء الكاظمي الذي لم يفعل شيئًا سوى الشعارات الحالمة والتخدير المستمر، فالبلد مقبل على فورة انتخابية وسيرتفع سقف الأكاذيب إلى عنان السماء.

لا أعرف في الحقيقة إن كان حال القائمين على أمر تشرين سينتهي بنفس النتيجة المزرية التي طبعت "الحراك المدني". ما أعرفه يتلخص بحالتين: الوعي السياسي المتقدم نسبيًا الذي يتمتع به القائمون على أمر تشرين بالمقارنة مع حراك "المدنيين" السابق، وحالة الإحباط العام الذي عاني منه الشعب العراقي. فالسياسية العراقية من انسداد إلى آخر، وقد يتفجّر الوضع في أي لحظة. لكن علينا ألا نراهن على الإحباط، أو بتعبير أدق، علينا ألا نراهن على الصيرورة وتراكماتها؛ فليس كل تراكم يفضي إلى نتائج مثمرة، بل قد يودي بنا نحو المجهول. فهذه التناقضات تحتاج قيادات سياسية بارعة تتبصر واقعها السياسي وشروطها الاجتماعية جيدًا، وأن لا تفرّط بهذه الورقة الوحيدة التي هي في طور النمو، وأعني بها الحاضنة الشعبية، إذ لا حراك سياسي، حتى لو كان مُنّظّم، يمكنه إحداث تغييرات ولو طفيفة بالمعادلة طالما تنقصه الحاضنة الشعبية. ثمّة علامة فاصلة ومنعطف مهم سيتعرّض له أي تنظيم سياسي، وهو مرحلة الاختبار العسير أثناء العمل السياسي، اختبار نظريته وأفكاره المنطقية، التي قد تكون محلّقة كثيرًا في سماء التجريد، ومدى صموده في هذا الامتحان. لا ننسى التنظيمات الإسلامية الحاكمة الآن أنها كانت ترفع لواء المظلومية، وتندد بالظلم، وتتخذ من زهد علي بن أبي طالب شعارًا لها. فلننظر الآن كيف انتهت بها الأمور. أما القائمون على أمر تشرين، بعد التمنيات الصادقة لهم في مسعاهم، يصعب التكهّن بمستقبلهم، فهو ليس غيبًا بل سيصنعوه بأنفسهم، وفي بلد مضطرب مثل العراق عليك أن تتوقع المفارقات، فـ "الليالي من الزمان حبالى.. يَلِدنَ كلِّ عجيبِ".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عن أمراضنا المزمنة

كلنا شيوخ!