تمثيل المعتصمين والحديث باسمهم.. انتحار في مسار

تمثيل المعتصمين والحديث باسمهم.. انتحار في مسار "أزمة الثقة"

أزمة الثقة والخوف من التمثيل يسيطران على آراء بعض المتظاهرين (Getty)

بعد اتفاق جميع المتظاهرين على جملة مطالب وإصرارهم على عدم العودة دون تحقيقها، اشتد الخلاف بشأن تعيين متحدّث أو مفاوض باسم ساحات الاعتصام، فيما برز رأيان متناقضان أثناء هذا الخلاف، الأول يتحدث عن ضرورة اختيار ذلك المتحدث للحفاظ على المطالب وعدم ضياعها واستثمار الوقت لصالح المعتصمين، أما الثاني فرفض رفضًا قاطعًا هذه الفكرة بسبب التخوّف من ركوب الموجة من قبل جهات أو شخصيات تُجيّر الاعتصامات لصالحها.

أزمة الثقة والخوف من التمثيل تسيطر على آراء بعض المتظاهرين لأسباب كثيرة، أهمها عدم تكرار تجربة تحالف الصدريين والمدنيين في 2015

وعلى الرغم من وجود هذا الخلاف، إلا أنه لم ينعكس على ساحة التحرير إلا في نقاش تفاعلي بين أصحاب الرأيين، حيث عم الحوار ساحات الاعتصام للوصول إلى صورة مرضية لجميع الأطراف، باعتبار أن هدف الجميع واحد، باستثناء أصحاب الانتماءات الحزبية وغيرهم ممن يحاول الظهور وأخذ دور ريادي في التظاهرات والاعتصامات، بحسب معتصمين.

اقرأ/ي أيضًا: حرب البيانات.. الحكومة والمعتصمون والأطراف الثالثة

لكن مراقبين يرون أن أزمة الثقة تسيطر على الأجواء بشكل كبير، فالجميع يحذرون ويشعرون بمسؤولية الحفاظ على مسار التظاهرات وعدم التفريط بدماء الضحايا التي سالت من أجل تحقيق المطالب، وفي ظل تلك الأجواء يصعب اختيار شخص واحد أو مجموعة أشخاص لتتصدر المشهد والحديث نيابة عن آلاف المعتصمين في بغداد وبقية المحافظات، بالإضافة إلى المخاوف من تكرار تجربة 2015 وما رافقها من "أخطاء" بعد دخول التيار الصدري في تحالف مع المدنيين.

بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" و"تويتر" حاولوا تصدر المشهد من خلال محاولة طرح فكرة الممثلية، والتفت حولهم مجموعة أشخاص يثقون بهم وحاولوا طرح الفكرة على بقية المعتصمين، لكن  تلك المحاولات باءت بـ"الفشل"، وتم اتهام بعضهم بـ"التسلق والبحث عن مجد شخصي أو الفائدة الشخصية وغيرها"، فيما تعرضوا لبعض المشاكل والمصادمات البسيطة في ساحة التحرير مع جهات أو شخصيات أخرى تحاول بدورها تصدر المشهد وقيادة الاعتصام.

وغالبًا، لا يتم تخوين أصحاب تلك المحاولات أو اعتبارهم عناصر غير مرغوب بها في ساحة التحرير من قبل الكثير من المعتصمين، لكن تتم نصيحتهم بترك هذه الفكرة لأنها قد تضعف الاعتصام بحسب ما يرى جزء من المشاركين في الاعتصام، الذين تحدث أحدهم لـ"ألترا عراق"، معلنًا رفضه لوجود ممثل لمعتصمي ساحة التحرير وبقية ساحات الاعتصام، معللًا ذلك بأن "الشعب خرج محتجًا على النظام برمته، وهدفه إسقاط النظام وجميع أحزابه، ولم يخرج بهدف الإصلاح، لأن جميع أركان النظام فاسدة لا يمكن إصلاحها".

ولفت إلى أن "المعتصمين لا يحتاجون ممثلًا، فقد أعلنوا مطالبهم بكل صراحة وأكدوا أنهم لن يتنازلوا عن أحدها تحت أي ظرف"، متسائلًا عن "فائدة الممثل أو المتحدث أو المفاوض ما دامت جميع المطالب واضحة؟".

أحزاب السلطة هي المستفيد الأكبر من وجود ممثل للاعتصام، بحسب مشارك آخر في الاعتصامات، يقول إن "الأحزاب تستفيد لأنها ستمارس جميع أساليب الضغط والمساومة للخروج بنتيجة مناسبة لها بهدف التحايل على مطالب المتظاهرين"، مستدركًا "ولكن عند عدم وجود ذلك الممثل، جميعنا نرى مدى تخبط السلطة وصراعاتها الداخلية وأزماتها الكبيرة وحيرة قادتها بالوصول لحل يمكنهم من الخروج من تلك الأزمة، وكل هذا يصب بمصلحة المتظاهرين ومطالبهم". 

يرى ناشطون أن السلطة هي المستفيد الأكبر من وجود ممثلين للاعتصام لأنها ستقوم بممارسة أساليب الضغط والمساومة للخروج بنتيجة لصالحها

على ضفة الآراء الأخرى، يرى بعض المعتصمين أن وجود مجموعة أشخاص يمثلون التظاهرات يصب في مصلحة المطالب وسرعة تنفيذها، خاصة إذا كانوا ممّن يفهمون بالأطر والسياقات القانونية المؤدية لتحقيق المطالب.

هنا يؤكد أحد المعتصمين لـ"ألترا عراق"، بخصوص خلاف الآراء بين الطرفين، أن "هذا أول خلاف يحدث في تاريخ العراق ينطبق عليه حرفيًا أنه لا يفسد للود قضية، حيث يشترك الطرفان بالشعور بالمسؤولية تجاه الوطن، ولكن كلٌ يرى من زاويته"، لافتًا إلى أن "رفض فكرة الممثلين تعرقل وتؤخر الوصول إلى هدف الاعتصام، كون المطالب لا يمكن أن تتحقق بدون سياقات قانونية ودستورية معروفة لدى الجميع، ولتحقيق هذه السياقات يجب أن يجري التفاوض بين ممثلين عن ساحات الاعتصام ليضغطوا على الممثلين عن السلطة القادرة على تحقيق وتنفيذ السياقات الدستورية".

اقرأ/ي أيضًا: إحاطة أممية مخضبة بدماء 20 ألف متظاهر.. العالم ينصت إلى صوت شبان العراق

كما يوضح أن "مطلب استقالة الحكومة قد تحقق، ولكن مطالب تغيير مفوضية الانتخابات واستبدالها بمفوضية نزيهة، وتعديل قانون الانتخابات بقانون منصف، فضلًا عن قانون الأحزاب والانتخابات المبكرة، لم تتحقق لغاية الآن، وتلك المطالب تحتاج لتشريع نيابي"، مشيرًا إلى أن "ذلك التشريع لا يمكن أن يتم دون وجود جهة تمثل المتظاهرين تضغط على أعضاء مجلس النواب بشكل مباشر للتصويت على تلك التشريعات وغيرها".

وخلال الفترة الأخيرة ظهرت عدة أسماء خارج ساحة الاعتصام، لكنها اقترنت بالمتظاهرين لتمثيلهم أو الحديث باسمهم أو ترشيحهم لقيادة مرحلة انتقالية أو تعيينهم بصفة وسطاء بين المتظاهرين والسلطة، ولعل أبرز تلك الأسماء هم كل من: الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، وعضو مجلس النواب فائق الشيخ علي، والمحلل السياسي أحمد الأبيض، ورئيس حزب المواطنة غيث التميمي.

تم طرح اسم الساعدي في الشارع العراقي ومواقع التواصل الاجتماعي قبل تظاهرات مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لقيادة العراق عند تغيير نظامه من برلماني إلى رئاسي، وعاد طرحه مرة أخرى على ألسنة بعض المعتصمين في الآونة الأخيرة لـ"ثقتهم بقدرته على قيادة العراق والقضاء على الفساد"، بحسب تعبيرهم، لكن هذا الطرح واجه سيلًا من الانتقادات تلخصت في أن الخلل ليس في النظام البرلماني إنما بالقائمين عليه، وإن العراق لا بد أن يكون مدنيًا يحتوي شرائح اجتماعية متعددة ولا يمكن أن يتم حكمه بواسطة شخص عسكري، فضلًا عن معتصمين أشاروا إلى أن الاحتجاجات تهدف إلى تصحيح المسار الديمقراطي في البلاد وليس إلى تأسيس نظام عسكري.

أما الشيخ علي، فقد انتشر بخصوصه وسم (هاشتاغ) "#ترشيح_فائق_الشيخ"، على موقع "تويتر"، تبنى خلاله بعض المغردين ترشيحه لرئاسة وزراء العراق في حكومة انتقالية يتم تشكيلها بعد أن يقوم مجلس النواب بحل نفسه، فيما رحب النائب بهذه الفكرة معتبرًا إياها "وسام شرف"، بحسب تغريدة له على الموقع نفسه.

 يرى معتصمون آخرون أن وجود مجموعة أشخاص يمثلون التظاهرات يصب في مصلحة المطالب وسرعة تنفيذها، خاصة إذا كانوا فاهمين بالأطر القانونية المؤدية لتحقيق المطالب

أخذ هذا الموضوع صداه على مواقع التواصل الاجتماعي، فقبل به البعض انطلاقًا من كونه "أفضل السيئين"، فيما رفضه الجزء المقابل لعدة أسباب أهمها أن "الشيخ علي أحد أفراد السلطة التشريعة سيئة السمعة لدى العراقيين، وإنه حتى وإن لم يشترك بفسادها، فإنه شاهد ومتستر عليه"، ولم يَدُم صدى ذلك الترشيح سوى يوم واحد، حيث سُلّطت الأضواء في اليوم التالي على أنباء اختيار المحلل السياسي أحمد الأبيض متحدثًا باسم المعتصمين.

اقرأ/ي أيضًا: "مبارزة" جديدة بين المتظاهرين وقاسم سليماني.. من يفرض شكل المرحلة المقبلة؟

أنباء اختيار الأبيض لم تجد الكثير من المؤيدين على مواقع التواصل الاجتماعي وفي ساحات الاعتصام، حيث رفضه أغلب المدونين والمعتصمين كونه "بعيدًا عن ساحات التظاهر ويسكن خارج العراق، وسيرته لا تخلو من الميول السياسية والتحيّز لجهات معينة داخلية وخارجية دون أخرى، فضلًا عن كونه لا يملك قاعدة جماهيرية على الإطلاق"، وانطلقت حملة في مواقع التواصل الاجتماعي تحت وسم "#أحمد_الأبيض_لا_يمثلني". 

وفي الأثناء، رافقت موجة كبيرة من السخرية تبني غيث التميمي للتظاهرات والحديث باسم المتظاهرين عبر منصاته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنباء عودته إلى العراق وتأسيسه حزب المواطنة، واعتباره البديل في المرحلة المقبلة، وعلى الرغم من تناغم خطاب ساحات الاعتصام وخطاب التميمي برفض إيران وتدخلها بالشأن العراقي، إلا أن ذلك لم يساعد الأخير على خلق قاعدة جماهيرية وسط المحتجين، وهو الأمر الذي يقول عنه أحد أصحاب خيم الاعتصام لـ"ألترا عراق"، إن "الأعم الأغلب من المعتصمين والمدونين رفضوا كل ما يصدر عن التميمي بسبب عدم ثقتهم به، معتبرين التميمي شخصًا يحاول استغلال الاحتجاجات لتحقيق مكاسب شخصية أو منصب مستقبلي أو تنفيذ أجندة غير ظاهرة". 

وعلى ما يبدو، فإن محاولة الحديث باسم المتظاهرين أو تمثيلهم، حتى وإن كان بحسن نية، أشبه بعملية انتحارسياسي في الوقت الحالي، فالشك وعدم الثقة هما الجو السائد على ساحات الاعتصام بسبب تخوّف المعتصمين من ضياع الجهود والدماء، وكذلك لردع أي محاولة تتبناها الطبقة السياسية بطريقة غير مباشرة لاحتواء التظاهرات أو إفشالها أو ركوب موجتها لضمان البقاء في السلطة. غير أن الجو نفسه، قد يحيل من وجهة نظر أخرى داخل أوساط المحتجين، إلى انعدام في الأفق السياسي، وعدم استثمار الفرص المتاحة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الاستقالة وطريق النضوج.. تحوّل المتظاهر إلى ناشط

استقالة عبد المهدي.. خطوة أولى نحو الإصلاح أم خطة بديلة للكتل السياسية؟