30-نوفمبر-2023
وزارة التعليم العالي

يهاجم قيس الخزعلي بين فترة وأخرى منظمات المجتمع المدني (ألترا عراق)

في وثيقة صادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، قرّرت الأخيرة إيقاف التعامل مع العديد من منظمات مجتمع مدني التي تعمل في داخل العراق، حيث واجه الأمر انتقادات عديدة من ناشطين وصحفيين لأنه يأتي في إطار "تعامل حكومة محمد شياع السوداني في تضييق مساحة الحريات"، وفق وصفهم، خاصة وأنّ المنظمات غالبًا ما تعتمد في عملها على الجامعات. 

قررت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي منع التعامل مع منظمات داخل جامعات العراق 

ووفق وثيقة اطلع عليها "ألترا عراق"، فإنّ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، خاطبت الجامعات الحكومية والأهلية كافة، لإيقاف التعامل مع عدد من المنظمات الدولية والمحلية، وهي: "المركز الإعلامي المستقل في إقليم كردستان، منظمة تمكين المرأة، منظمة إيما، منظمة عراق كوين، منظمة HIVOS الهولندية، جمعية الأمل العراقية، منظمة حرية المرأة، منظمة نساء من أجل السلام، مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، منظمة UPP الإيطالية، منظمة UNFPA".

وزارة التعليم، وبحسب الوثيقة، دعت إلى "إعلامها في حال وجود أي تعامل مع المنظمة"، موجهةً بالوقت نفسه بـ"ضرورة إعلامها بالمنح المالية المقدمة من وزارة الخارجية الأمريكية إلى الجامعات بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق المنظمات أعلاه، أو عن طريق منظمات دولية أو عراقية أخرى".

منظمات

ولم تكتف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وفق كتابها الذي قالت إنه معطوف على كتاب مكتب رئيس الوزراء، بالوثيقة أعلاه، إنما أصدرت كتابًا آخر وصفت فيه المنظمات بأنها "تستهدف المجتمع العراقي"، فيما وصفت أخرى بـ"المشبوهة"، كما رفعت توصيات، جاءت كما يلي: 

  • 1 ـ عدم السماح بدخول أي منظمة مجتمع مدني وممارسة نشاطها داخل (المدارس، الكليات، المعاهد) إلا بعد أخذ الموافقات الأصولية والتأكد من تسجيلها وموقفها الأمني. 
  • 2 ـ تزويد جهاز الأمن الوطني بقائمة عن المنظمات المشبوهة والتي رصدت بحقها مخالفات من قبل الوزارات الحكومية. 
  • 3 ـ فيما يخص المنظمات الدولية يتم إحالتها لوزارة الخارجية للتعامل معها. 
  • 4 ـ إلزام جميع المنظمات بتقديم تقارير سنوية بالنشاطات الخاصة وحركة الأموال يتمّ تقديمها إلى دائرة المنظمات غير الحكومية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء والمنظمة التي لا تلتزم بذلك، يتم رفع قضية حل عليها. 

أخرى

وتأتي القرارات من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بعد خطابات للأمين العام لعصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، قال في أبرزها، إنّ "الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلال مشاريع مؤسسات المجتمع المدني تصرف على العراق 3 مليار دولار سنويًا، متسائلًا: ماذا يريدون من صرف مبالغ كهذه على العراق؟"، مجيبًا بالقول: "كل هذا للتركيز على نقطة واحدة، هي محاربة القيم والعقائد والعادات التقاليد". 

وفي بداية تشكيل حكومة رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، أثار تعيين نعيم العبودي، وزيرًا للتعليم العالي والبحث العلمي الكثير من الجدل، خصوصًا أنه كان متحدثًا باسم "عصائب أهل الحق"، فضلًا عن وجوده كبرلماني في الدورة الرابعة، عن كتلة "صادقون"، وهي الجناح السياسي لـ"عصائب أهل الحق"، بالإضافة إلى أنه يحمل شهادتي دكتوراه في اللغة العربية وماجستير في حقوق الإنسان من الجامعة الإسلامية في لبنان، والتي كانت ضمن فضيحة مدوية في تزوير شهادات لعراقيين. 

وكان نعيم العبودي، قال في حوار تلفزيوني، إنه "تلقى اتصالًا هاتفيًا من قيس الخزعلي، وقال له: توكل على الله وقدم نفسك وزيرًا للتعليم العالي"، وهذه قصة حصول العبودي على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق، كما يرويها على لسانه. 

ولهذا الأمر، يتحدث كثيرون عن أن كتب المنع التي تصدر عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بحق منظمات، تأتي في سياق تعامل "عصائب أهل الحق" مع مؤسسات المجتمع المدني، قبل أن تتسلم الوزارة وتحاول السيطرة على الجامعات، وفق حديث مع الناشط كرار رافد الذي يقيم في أربيل. 

ويقول رافد لـ"ألترا عراق"، إنّ "منع المنظمات ليس غريبًا بما أن الوزارة مملوكة لعصائب أهل الحق، وقيس الخزعلي تعوّد على الهجوم ضد مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات ودائمًا ما يربطها بوجود مؤامرة تستهدف القيم والأخلاق"، مبينًا أنّ "العصائب طالما يمتلكون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وطالما يسيطرون على حكومة السوداني ويخضع الأخير لهم، فإنّ الحرب ستبقى مشتعلة ضد المنظمات والفعاليات المدنية"، معتبرًا أن "العبودي يطبّق أفكار الخزعلي في جامعات العراق". 

لم تتواصل وزارة التعليم العالي مع دائرة المنظمات غير الحكومية حين أصدرت كتب منع منظمات داخل الجامعات

ويؤكد مدير عام دائرة المنظمات غير الحكومية، في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، أشرف الدهان، عدم وجود علاقة لدائرته بالإجراءات التي اتخذتها وزارة التعليم العالي بحق مجموعة من المنظمات العاملة بالعراق وقطع التعامل معها. 

وقال الدهان في حديث لـ"ألترا عراق"، إنّ "الكتب الرسمية التي تشير لتوصيات وقرارات من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بقطع التعامل مع بعض المنظمات، ليس لدائرة المنظمات غير الحكومية علاقة به". 

وأشار الدهان إلى أنّ "الكتب لم تصدر من دائرتنا وليس فيها أية أشارة لها كدائرة معنية، كما لم تتخذ دائرة المنظمات أي إجراء بهذا الصدد"، موضحًا أنّ "دائرته "تحاول الاستفهام من وزارة التعليم العالي حول هذا الموضوع لغاية الآن". 

ويرى العضو السابق في المفوضية العليا لحقوق الإنسان، علي البياتي، أنّ هذه القرارات "تدفعنا للتساؤل حول التوقيت الذي صدرت به، كما تدعونا للاستغراب من تدخل مستشارية الأمن القومي وما هي علاقتها بعمل المنظمات وارتباطها بالجانب الأمني".

وبالنسبة للبياتي فإنّ الأجدر بمستشارية الأمن الوطني كان "محاسبة تلك المنظمات المخالفة للقانون والضوابط الأمنية بحال ارتكابها ما أشارت إليه التوصيات بدل منعهم من دخول المؤسسات التعليمية". 

ويستغرب البياتي في حديث لـ"ألترا عراق"، من توصيف تصنيف هذه المنظمات بـ"الخطر الأمني على المؤسسة التعليمية فقط دون المؤسسات الأخرى كالإعلام والثقافة، إضافة للمجتمع والعوائل والشباب"، مبينًا أنّ "هذه القرارات تدل على غموض في آلية التعامل سابقًا بين مؤسسات الدولة وهذه المنظمات، متسائلًا: "فكيف كانت تعمل سابقًا واليوم باتت ممنوعة، بل ولماذا لم تشر هذه التوصيات إلى محاسبة المسؤولين عن السماح للمنظمات بتنفيذ أعمالها؟".  

وكل ما أشارت إليه توصيات المستشارية وقرارات وزارة التعليم العالي تعتبر  بحسب البياتي بـ"مثابة نقاط فضفاضة وتخلو من الأسس القانونية والدستورية"، لافتًا إلى أنها "ستتغير كلها مع تغير الحاكم والمسؤول في السنوات المقبلة". 

وتحدث العضو السابق بالمفوضية، عن 3 أقسام للمنظمات العاملة في العراق، فصلها كالآتي: 

  • التطوعية: يكون كل العاملين فيها متطوعون، وإذا كانوا يحصلون على منح فهي محدودة جدًا، أما تكفى للمشاريع أو لا تكفي، ولا يوجد فيها جوانب ربحية إطلاقًا. 
  • المنظمات المدعومة: وهي من يدعمها أحزاب وسياسيون وتمثل واجهات للأطراف التي تقف ورائها، وتتمتع بتمويل كبير وضخم، وبعضها معروفة وأخرى غير معروفة، هدفها تلميع صورة الأحزاب والشخصيات. 
  • منظمات المُنح: وهي منظمات تأخذ القسم الأكبر من أموالها من الجهات الدولية وميرانياتها السنوية تكون ملايين الدولارات، ولكن لديها في الواقع مشاريع حقيقية، وسبب وجودها هو غياب المنافسة، كما أحيانًا يختلط العمل بين القسم الثاني والثالث من المنظمات. 

وفي الأثناء، رأت رئيس مؤسسة "هي"، للتنمية الثقافية والإعلامية، إسراء طارق، أنّ "التوصيات الصادرة من مستشارية الأمن القومي، وتوجيهات وزارة التعليم العالي بحق بعض المنظمات هي إجراءات يجب اتخاذها من قبل الجهة المختصة في أمانة مجلس الوزراء". 

وقالت طارق، في حديث لـ"الترا عراق"، إنّ "مثل هذه الإجراءات تجاه منظمات المجتمع المدني يفترض أنها تتخذ من قبل دائرة المنظمات غير الحكومية التابعة لرئاسة الوزراء، كونها هي المرجع لجميع المنظمات العاملة في العراق سواء كانت محلية أو دولية". 

وفي حال ثبوت أي مما ذكر في التوصيات ـ والكلام لطارق ـ فإنه "يفترض وجود إجراءات قانونية تتبعها دائرة المنظمات تجاه الموضوع، للحفاظ على مركزية العمل، لاسيما وأنّ البلاد بحاجة إلى عمل منظمات المجتمع المدني ولا يمكن أن يغيب دورها في مختلف الظروف التي مررنا بها". 

وأضافت أنّ "تعاون المنظمات الحاصلة على شهادة التسجيل والمستوفية لجميع الشروط من تقارير مالية وكشف الذمة المالية لرئيس/ رئيسة المؤسسة، وتقارير الأنشطة، يجب أن تتبعها تسهيلات في التعامل مع المدارس والجامعات، لاسيما تلك التي تسعى إلى بناء القدرات وتمكين الطلاب والطالبات". 

رأى أصحاب منظمات مجتمع مدني أنّ كل إجراء يجب أن يتخذ من دائرة المنظمات غير الحكومية التابعة لرئاسة الوزراء وليس من وزارة التعليم العالي

لكنّ رئيس منظمة "ومضة أمل الإنسانية"، حيدر العلوي، وصف إجراءات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بناءً على توصيات مستشارية الأمن القومي بمنع التعاون مع مجموعة من المنظمات العاملة في العراق، بـ"الصحيحة"، معللًا ذلك لـ"وجود مخالفات كبيرة للشروط والضوابط المنصوص عليها في القوانين العراقية". 

وقال العلوي، في حديث لـ"ألترا عراق"، إنّ "المنظمات التي تمت التوصية بعدم التعامل معها في المؤسسات التعليمية، قد خرقت العديد من الضوابط، وكان يجب الحد من أنشطتها وفعالياتها أو إلزامها بتطبيق فقرات قانون عمل المنظمات".

ورأى "وجود حاجة لتعديلات قانونية وتشريعات جديدة لترتيب عمل المنظمات في العراق لما فيه أكثر فاعلية وضبط"، مشيرًا إلى أنّ "هناك الكثير من المنظمات ليس لها أية نشاطات تذكر وهي مجرد أسماء تحمل أهدافًا بعيدة عن ما معلن".

ويرى الكاتب والصحافي، سامان نوح، توجيهات وزارة التعليم العالي بشأن قطع التعامل مع مجموعة من المنظمات العاملة في العراق، تحمل توجهًا سياسيًا ـ عقائديًا. 

ويقول نوح في حديث لـ"ألترا عراق"،  إنّ "التعليمات الصادرة، تظهر توجهًا سياسيًا ذا بعد فكري أو عقائدي، في وزارة يجب أن تكون منفتحة على كل الأفكار والتوجهات، وبعيدة كل البعد عن الرؤى السياسية لهذا الطرف أو ذاك، ومنفتحة على العالم ومدافعة عن أسس البحث والتواصل والتحاور والعمل المشترك". 

وأشار إلى أنّ "المنظمات المستهدفة بعضها يقوم بنشاطات مهمة، خاصة فيما يتعلق بدعم الفئات الهشة والمكونات والنازحين وغيرهم، وإذا كانت هناك ملاحظات على بعض أنشطتها، فيجب التحاور معها وفهم وجهة نظرها، خاصة أنها منظمات مجازة وتعمل وفق قوانين محددة، وإذا ما خالفت تلك القوانين فيتم اتخاذ إجراءات بحقها من قبل الجهة المعنية بذلك".

ولفت إلى أنّ "الكتاب الصادر لا يوضح تحت اي بند قانوني تم منع عمل تلك المنظمات، ولم تكلف الوزارة نفسها تبرير قرارها للنخب الأكاديمية التي جزء من عملها يفرض عليها التواصل مع مؤسسات ومنظمات وجهات متعددة في إطار كسب وتبادل العلوم والمعارف والمعلومات والخبرات، خاصة أن تلك المنظمات مسجلة قانونيًا في دائرة المنظمات ما يلزمها بتطبيق التعليمات والقوانين في تنفيذ أنشطتها وبرامجها، وهي تخضع للرقابة وتقييم الأداء من قبل أجهزة حكومية متعددة".

رأى صحفيون أن قرار منع منظمات سيؤدي إلى تراجع الجامعات التي باتت متخلفة حتى عن الجامعات العربية والإقليمية

واعتبر أنّ "واقع المؤسسات الجامعية يؤشر حاجتها إلى كل جهد داعم لتطويرها علميًا وإداريًا، أما الانغلاق عبر فرض رؤى فكرية محددة باسم مصلحة البلد، فهو لن يزيد إلا من تراجع تلك المؤسسات التي يفترض بها أن تركز جهودها على ما يرتبط بالبحث العلمي وتطويره، خاصة أن تلك المؤسسات أضحت وفق التصنيفات العلمية العالمية تتخلف حتى عن غالبية الجامعات العربية والإقليمية".