خيّاطُ الأرواح

خيّاطُ الأرواح

الروح تسمو حين تتحرر من الجسد (فيسبوك)

أي لحظة تلك التي وقفتُ بها على عتبة المنزل؟! نقرتُ بمفصل أصبعي الأوسط المنحني على بابه، بطرقات خفيفة كصوت نبضات قلب خافق. فُتِح البابُ، وأرشدني إلى الدخول رجلٌ قصير، يخفي ملامح وجهه بغُترة بيضاء. سرتُ وراءه كخروف ضال، أجرُّ قافلةً من الهموم والجروح النّدية. كنتُ قد سمعتُ بهذا الرجل، لقد تداولت الأحاديثَ عنه طائفةٌ من الناس، "خيّاط الأرواح" الذي يخيط تلك الجروح الغائرة في البواطن، التي لا يصل إليها دواءٌ شاف. أوصلني الرجل القصير إلى صالة صغيرة ضنكًا بزبائن الخياط. لاحظت هيئاتهم بالرغم من خفوت الضوء، كانوا يحرصون على إخفاء ملامحهم، النساء تغشين، الرجال مطأطئين رؤوسهم، والقصير ذو الغُترة البيضاء يدخلهم تباعًا إلى الخياط.. في تلك اللحظة وحين لم يتبق غيري من الزبائن، صار لزومًا أن أسأل الرجلَ القصير عن مصير من دخلوا  ولم يخرج أحد منهم. فأجاب بصوت بَحِيح "إنهم يخرجون من هناك" ثم أشار بإصبع مرتبط بكف تكاد تصل لركبته من فرط طول ذراعه، أشار صوب غرفة الخياط. وأعاد عبارته بصوت خفيض "إنهم يخرجون من هناك".

*

سمعتُ أحاديث كثيرة عن السحرة والمشعوذين والدجالين، وجلسات البخور والرقص والجربزة وخداع الضعفاء من الناس واستغلالهم. وداهمني خاطر وأنا في طريقي صوب باب الرجل، قد يكون هذا القابع خلف الباب أحد هؤلاء المكرة، سيدخلني في دوامة من الكلام المشفر، والنصائح والتخويف من أشياء لا يعقلها عاقل. لكن الخاطر الذي راوغ همتي وكاد يفتك بها، أختفى وشيكًا حين رأيت مشهد الخياط في جوف الغرفة. كان المكان ذا إضاءة غير مستقرة، تارة أراها حمراء وتارة تتدرج نحو الوردي الغامق، بالرغم من أنني فتشت كثيرًا عن مصدر الضوء الساحر ولم أعثر على المصباح!. أُغلِق الباب خلفي فجعلني أدور بكامل بدني صوبه، حينها قفز في قلبي خاطر آخر، خاطر سخيف يأمرني أن أفتح الباب وأخرج من المنزل، وأستجيب لرادع داخلي مبني على إحساس تمازج فيه الحذر والريبة. لكن صوت الخيّاط الذي دخل في أذني كما يدخل العصفور في عشه، جعلني أمطُّ مشاعري وبدني وأتوجه بخطوات حذرات خفيفات صوب مكان جلوسه. ماكنة الخياطة التي يجلس خلفها لم تكن كماكنة أمي العتيقة، التي كانت تخيط لنا بها السراويل "البازا" قديمًا. لقد كانت ماكنة أمي سوداء ذات كتلة حديدية باردة، وخيوط ملفوفة على بكرات موضوعات على عمود صغير مدبب. ماكنة الخياط لم أر مثلها في حياتي أبدًا. لونها فضي مُشع، وخيوط بكراتها لم تكن ذات ألوان مختلفة وحسب، بل كانت تشعُّ أيضًا ببريق فسفوري للون نفسه الذي في الخيط. جلست أمامه على "طابورية" أسطوانية الشكل، مغلفة بقماش حريري، وعلى جانبيها تدلت خيوط كريش طائر منفوش. عند اقترابي من ماكنة الخياط رأيتها بشكل أوضح من ذي قبل، لم تكن ذات لون فضي وحسب، بل كانت مائية الشكل، كأنها جزء مقتطع من دفقات شلال. وفي الوقت الذي انتهيت من مراقبة ما حولي، سألني الخياط الذي أمهلني تلك الفرصة للتعرف على المكان، بعد أن حان موعد العمل "روحك ممزقة  يا بني؟". لم أجبه بل أطرقت برأسي. نهض الخياط من مكانه وهتف بصوت يلقي في قلب سامعه الثقة  "إذًا لنبدأ العمل". شعرت بألم في صدري، ذلك الذي يداهمني حين يتمازج القلق والدهشة والشوق إلى رؤية شيء مختلف. طلب مني الخيّاط أن أجلس مستقيمًا، وامسكَ بباطن كفيه رأسي، واضعًا طرفي إبهاميه على المنطقة الجانبية لجبهتي، ثم ردد كلمات، ونزل بكفيه من على رأسي حتى أمسك بالكف اليسرى الرأس من الخلف، واليمنى قربها من فمي، وفي حينها شعرتُ أنني بدأتُ أخلع بدني، بعد أن سحب الخياط روحي من فمي، ومباشرة حلّقتُ في فضاء الغرفة، ناظرًا إلى جسدي الذي تكوّم على الكرسي، وسالَ على الأرض بعدها. 

*

في البداية كنت أشعر بالخفة، خفة لم  يتسن لي اجتراحها من قبل!. تلك التي جعلتني أطير من زاوية الغرفة إلى الأخرى المقابلة لها. والخياط ينظر إليّ كما ينظر مربي الحمام إلى حمامة، ويهش بيديه نحوي، وأنا غير مكترث له، بل كنت أبحث عن ثقب صغير أطير من خلاله إلى العالم الخارجي. رغبت بالطيران جدًا فوق المدينة، شعور لا يدانيه شعور وأنا بتلك الهيئة الأثيرية. حتى انتبهت إلى شيء جعلني أستفيق من نشوتي تلك. كمية الجروح التي تسيل من روحي!. كانت عبارة عن فتوق عميقة تسيل دمًا ضوئيًا. لامستها بيديّ الأثيريتين، وهبطت رويدًا رويدًا على أرضية الغرفة. حيث الخيّاط وكأنه ينتظر وصولي إلى هذه اللحظة التي كانت سبب هدوئي. ثم خاطبني ولكنني سمعت صوته بشكل مختلف عن سماعي له حين كنت محبوسًا في بدني، لقد كان صوته ذا صدى يتردد "لديك الكثير من الجروح يا بني!". طالعت عينيه اللتين شعّ فيهما وميض عجيب. أمسكني من طرف متني، وأخذني إلى الماكنة. أخرج عدة العمل الخاصة به، سألته "ماذا ستفعل؟". فضحك وأجاب "سأعيد تفصيل روحك.. جروحك القديمة والحديثة.. لا تقلق .. كل شيء سيكون على ما يرام". أخرج مقصًا ناريًا وراح يشق ويقيس ويدقق المسافات بين جرح وجرح، ثم يضع رقعة خضراء على كل جرح، ويسحبني تحت إبرة الماكنة مبتدئًا عملية الخياطة. خيطُ الماكنة الذي طرز تقاسيم روحي، صارا جزءًا مني. وكلما تخيط فتق، سحبني الخياط من جهة إلى جهة أخرى مدققًا النظر في الجرح التالي، وأنا في الحالة تلك كنت أضحك بسبب يديه اللتين تمران على روحي، والإبرة التي تدغدغني بشعور لطيف، والخيّاط ينظر لي مبتسمًا تارة، وتارة يضحك بصوت صدويّ ساحر. حتى أكمل عمله وهتف "انتهينا". سحبني مرة أخرى وذهب إلى منضدة مركونة في زاوية الغرفة وبدأ يتلمس بطرف إصبعه المكواة. أنزلها على جروحي المخيطة للتو، بعد أن رشَّ رذاذًا من فمه، بخات من الرذاذ تخرج من دون أن يضع في فمه الماء على مكان الكي!!. ثم أطلقني من جديد وصرخ ضاحكًا "طر.. طر الآن". طرتُ في فضاء الغرفة مرة أخرى، كان طيران أحلى وأخف ألف ألف مرة عن طيراني الأول. ومن شدة فرحي وراحتي العجيبة صرت أذرف دموعًا ضوئية كاللؤلؤ. وضحكت للمرة الأولى في حياتي ضحكات ذكرتني بطعم الفرح حين كنت طفلًا. وفي تلك اللحظة أشار إليّ الخياط أن انزل إلى الأرض لكي يعيد إدخالي في بدني.. نظرتُ إليه في حيرة وحزن، وأنا أرنو إلى بدني المتكوم على الأرض. وغمغمت في البدء وقلت له بصوت متهدج "هل أنتهى كل شيء؟". نظر إليّ الخيّاط نظرات كلها ثقة وقال "نعم.. انتهى كل شيء.. هل تريد النزول أم راق لك التحليق هكذا؟". أطرقت وأنا أنظر محزونًا إلى نهاية الأمر، هل أعود إلى هذا البدن مرة أخرى؟. وأعيش كما أنا مرة أخرى؟. وحين تعطلت على فمي الإجابة خاطبني الخيّاط "هل تريد النزول أم...؟".  طالعته متعجبًا واسرعت في السؤال "أم ماذا..؟ أجبني". قال لي "أم تريد البقاء محلقًا إلى الأبد؟". لم أجبه بما في قلبي من شدة فرحي، بل هززت رأسي بقوة موافقًا، فتوجه الخياط  صوب النافذة المغلقة ثم فتحها وقال مبتسمًا "لا داعي لأن تقول شيئًا.. كلكم تقولون الجواب نفسه". غمرتني نشوة ساحرة بالقبول، وطرتُ مسرعًا صوب النافذة ولمحت لبرهة قبل الخروج الرجلَ القصير ذا الغُترة، وهو يجرُّ بدني المطروح على أرضية الغرفة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

العجوز والأم

قفص

:دلالات