عن معجمنا

عن معجمنا "الثوري" الجديد

الميدان التجريبي الصادق بالنسبة للأخلاق هو العمل بمضامينها (Getty)

دائمًا ما تعمد المجتمعات المتقدمة إلى توسيع مساحة التعبير عبر إضافة مفردات جديدة لمعجمها اللغوي. نقرأ، مثلًا، أن بريطانيا تضيف سنويًا خمس مفردات على الأقل لمعجمها اللغوي من خلال البحث في اللغة اليومية لإثراء لغتها والحفاظ على ديمومتها. فنحن بالنتيجة لا نقول الحقيقية إلا بمقدار ما تمنحنا إيّاه اللغة، فهي مسكن الوجود بحسب تعبير مارتن هيدغر. ثمة معجم لغوي جديد آخذ بالتنامي في مجتمعنا العراقي، غير أنه معجم لا يطور من حقل اللغة الدلالي، وإنما استدعاء ما هو قديم للتعبير من خلاله على راهننا السياسي. وبطريقة غير محسوبة ولا متوقعة قفزت إلى سطح الأحداث مفردات جديدة من حيث التوظيف والاستعمال، وأعني بها لغة الزنى واللواط. حتى أن المرء يشعر بأن هناك ثورة جنسية على وشك الحصول في ساحة التحرير، بل أصبح الفساد والجريمة ونهب المال العام أمر ثانوي مقارنة بخطر وشيك يطفو على سطح الواقع.

ابتكرت جماهير الأحزاب المؤمنة شخصية "حسوني الوسخ" لتفكر من خلالها وتحتقر كل ما هو نبيل في انتفاضة تشرين

وقد نشطت هذه المفردات، من قبل بعض الجماهير المؤمنة، تزامنًا مع حدوث انتفاضة تشرين، على خلفية مفادها: أن ما حصل في هذه الانتفاضة شكّل فسحة رحيبة لأهل الزنى واللواط والحشاشين ليكونوا في مقدمة الانتفاضة. وتصر بعض الجماهير المؤمنة أن هذه الفئات الثلاث هيمنت على سير الانتفاضة كليًا. وفي هذه الأثناء، لم نسمع من هذه الجماهير ذكرًا لمن سقطوا غدرًا في هذه الانتفاضة، بقدر ما أصبحنا نصوم ونفطر على لغة اللواط والزنى.

اقرأ/ي أيضًا: عن الذات المحاربة

 ولم تتوقف لغة الاحتقار والاتهام عند هذا الحد، بل ابتكرت الجماهير المؤمنة "شخصية مفهومية" جديدة. لقد ابتكر أفلاطون شخصية مفهومية ليبث فيها أفكاره وتصوراته، ولذلك حينما نقرأ كتاب الجمهورية نجد أفلاطون يتكلم من خلال سقراط. نفس الحال ينطبق على نيتشة، إذ لم يجد شخصية مفهومية أقرب إلى تطلعاته وأفكاره غير زرادشت، فيكتشف من خلال هذه الشخصية أبعادًا أوسع بتعبير جيل دولوز. حتى ديكارت لم يسأل أسئلته البسيطة لولا الاستعانة بأبله ديستويفسكي. أما جمهورنا المؤمن فقد اخترع شخصية "حسوني الوسخ" ليفكر من خلالها، ويحتقر كل ما هو نبيل في هذه الانتفاضة، لأنها تأطرت بهذه الشخصية الحقيرة والمبتذلة التي صنعها خيال بعض المؤمنين. والخلاصة الوافية لهذه الشخصية المفهومية أنها جمعت ثلاث فئات واختزلتها بـ"حسوني الوسخ"، وأصبح هذا الأخير لسان حال اللوطين والزناة والحشاشين. إنه تكثيف مرعب لكل صنوف الرذائل، وتحقير لكل صفة نبيلة أظهرها المنتفضون. إنه معجم جديد يشجع بعض الجماهير المؤمنة لاستخدامه من جديد وتتذوقه بطعم ذي نكهة فريدة .

 وانطلاقًا من هذه المأساة المروعة التي يمارسها العراقيون على أنفسهم، يظهر أن عدد المعترضين على نوعية المتظاهرين ليس قليلًا مثلما شاهدناه في الشهور الماضية. إنّهم يبحثون عن متظاهر أنيق ومن ذوي البيوتات الصالحة، ومن أصحاب الشرف الرفيع. طبعًا لا نتعب أدمغتنا بهذه المعايير الكاذبة التي تبحث عن وصفة أسطورية لنوعية المتظاهرين. وابتعادًا عن الجدل الذي يحترفه ممن يعانون من أوقات الفراغ الطويلة، فأقترح أن يخرج للمظاهرات ممن تنطبق عليه صفات الخلق الرفيع والتاريخ النظيف والسيرة الحسنة، بدلًا من أهل "التكتك" الذين يكسفون طبقيتنا الموهومة. ويظهر كذلك، إن الاعتراض يطال الفئات الاجتماعية المنحرفة ولا يعترض على أصل الانتفاضة، خصوصًا أن بعض الجماهير المؤمنة تقف بالضد من السلطة، وأعني بهم بالذات أولئك الذين لم يمثلهم أحد بالبرلمان، ولم تشارك بالمهرجان الانتخابي على الإطلاق. أما الجماهير التي تتمتع بحظوة برلمانية واسعة ولديها من يمثلها في البرلمان العراقي فهي مستثناة كليًا، ولا يطالها هذا الكلام لا من قريب ولا من بعيد. بمعنى حتى لو استنفرت قاموس الزنى واللواط ومشتقاته ومرادفاته لا يعنينا من كلامها شيء، لسبب بسيط، وهو أنها تمثل السلطة، وهذه الأخيرة تقف بالضد من المعارضة بشكل عام. إذن المقصود هنا الفئات الاجتماعية المعارضة تحديدًا والتي يغلب عليها طابع التذمر والعدمية وهم بلا شك يمثلون أغلبية مؤمنة وليسوا حشدًا من الملحدين! على الرغم من طابع التعددية الذي أظهرته انتفاضة تشرين، غير أن أغلبية المنتفضين كانوا من الفئات المتدينة، سواء من المتحزبين أو غيرهم، وأنا اخص بالذات الصنف اللا متحزب للأسباب التي ذكرتها أعلاه.

 وعليه ينبغي أن تخرج هذه الفئات المعارضة لتصحيح المسار، وتطالب بنوعية النظام المرغوب لديها، بدلاً من أن تفسح المجال لذوي العاهات أن يأخذوا مكانها. وإن لم يحدث شيء من هذا فقد تكون هذه الفئات، أحد مطايا السلطة المخلصين، ووظيفتهم الأساسية الوقوف بالضد من كل حراك اجتماعي يحاول تصحيح مسار السلطة. أو يعترفوا بجسامة الوضع ومخاطره فيتوقفوا عن النحيب والضجيج والتذمر والشكوى.

لقد أظهرت انتفاضة تشرين مدى بؤسنا الاخلاقي المثير للشفقة، واتضح مدى تآمرنا على أنفسنا يوم صفينا بعضنا البعض! وكان المستفيد الأول والأخير هو السلطة. لكن هذا الكلام لم يعد مهمًا ومنتجًا، فالكرة الآن في ملعب الأغلبية الدينية في هذا البلد. وبالمناسبة، لا تنحصر الاختبارات في ميدان العلوم الطبيعية فحسب، بل الجوانب الأخلاقية لا تقل صعوبة وتعقيدًا في كشف الغموض المرافق لها.  الميدان التجريبي الصادق بالنسبة للأخلاق هو العمل بمضامينها وليس التحذلق بشعاراتها، سواء كانت أخلاقًا حزبية يفرضها الحزب على نفسه ويسعى لتطبيقها من خلال الشعارات التي يرفعها، أو أخلاقًا دينية يسعى المؤمن للتحلي بها والتخلي عن أضدادها. فكلما رأينا متحزبًا لفكرة أو متدينًا بدين يدافع عن شعاراته دون تطبيقها،  فمعنى ذلك أنه يدافع عن عاداته وهويته الشخصية. بمعنى أنه اعتاد على الثرثرة بالشعارات لكنه لا يؤمن بها ولا يصهرها في سلوكه اليومي.

لقد سقطت الأحزاب في وحل الشعارات والوهم الأيديولوجي الكاذب، وتسير اليوم بعض الجماهير المؤمنة في نفس المسار؛ لقد حولوا الدين الى طقوس شكلية رتيبة، ولم يعد يعنيهم غياب العدالة والحرمان من الحقوق، بقدر ما يعنيهم الحفاظ على ممثليهم في البرلمان! واحتراف لغة الزنى واللواط والصدام مع أي حركة اجتماعية راغبة بالتغيير. هذا الابتلاء لا يقتصر على المتدين حصرًا، بل آفة نخرت ثقافتنا نخرًا وفتكت بالمجتمع العراقي ولم تفرق بين متدين وغيره، غير أن السياسة والدين بيد الأغلبية، (وليست بيد المعارضة بالتأكيد)، وهي النافذة والمتحكمة بالقرار السياسي. ولذلك يتوقف مصير معظم الشعب العراقي على هذا الجمهور المؤمن، ولا سبيل لتغيير المعادلة في المستقبل القريب على الأقل،  لكن لا زال هذا الجمهور المتدين طويل النفس فيما يتعلق بحقوقه! وقد كفّت الناس اللامتحزبة أن تتظاهر وتطالب بحقوقها، لأنهم،  كما صوّرتهم بعض الجماهير المؤمنة، أغلبية من "اللوطية والزناة والمجرمين والحشاشين"،  فابطل الله شر هذه الانتفاضة! لذلك يبقى الثقل الأكبر على عاتق الجمهور المتدين، بيده الأقفال وبيده المفاتيح.

 الميدان التجريبي الصادق بالنسبة للأخلاق هو العمل بمضامينها وليس التحذلق بشعاراتها

  هذه ليست موعظة أخلاقية لبعض الجمهور المؤمن، فبصراحة لست معنيًا بالوعظ الأخلاقي، ولا أظنه مفيدًا لهذه العينات.  لكن لابأس بهذه الكلمات: عليكم أن تنظفوا قاموسكم من هذه المفردات المشينة لكي تقنعوا الآخرين بنبل مطالبكم على الأقل، لأنه من غير المعقول أقناع الناس بأن المتظاهرين عبارة عن حفنة من اللوطين والزناة والحشاشين فقط! إن الشتائم والاتهامات تترجم حقيقة ناصعة وجلية: إننا عاجزون سياسيًا عن إحداث التغيير، فمرحبًا بلغة الشتائم العزيزة على قلوبنا!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

في التضامن السياسي

ومن التبرير ما قتل