من الترحيل إلى

من الترحيل إلى "داعش".. الموصل وسامراء تحتفظان بـ"أسرار" يهود العراق

شهد الحي اليهودي في الموصل معارك محدودة خلال عمليات التحرير ونجا سوقهم في سامراء من بطش التنظيم (الترا عراق)

في مدينتين شهدتا أعنف الأحداث والأزمات وعاصرتا المجاميع المتطرفة ومعارك طردهم، لا يزال جانب من إرث اليهود عامرًا في سامراء والموصل على خلاف آثار القدماء التي طالها الحديد والنار.

نجا الحي اليهودي في سامراء من بطش الجماعات المتطرفة لكنه مغلق اليوم وسط محاولات لاستملاكه من قبل الوقف الشيعي

ظلت سامراء تحتضن "سوق اليهود"، وهو حي قديم سكنه اليهود يتميز بتصاميمه التراثية ومنازله من الجص والأقواس الخشبية وسط حارات متعرجة ضيقة في المدينة القديمة، حتى خلال سيطرة تنظيم "القاعدة"، الذي لم يقترب من الحي في حين دمر الكثير من المزارات الإسلامية أبرزها مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، وهي الحادثة التي مهدت لإشعال الحرب الطائفية في العراق.

اقرأ/ي أيضًا: آخر يهود العراق

تخضع المدينة اليوم لإجراءات أمنية مشددة، ويشارك في حمايتها أحد فصائل الحشد الشعبي "سرايا السلام" التابع لزعيم التيار الدري مقتدى الصدر، وبات الحي اليهودي مغلقًا وخاليًا من ساكنيه. تجول "الترا عراق" في الحي وحاور أحمد الحسيني أحد أبناء المدينة الذي يملك منزلًا كان سابقًا يعود لأسرة يهودية.

يقول الحسيني أو "أبو ياسر"، إن "الحي الذي يتوسط أحياء المسلمين كان بالكامل لليهود حتى أربعينيات القرن الماضي، وكان يضم محال الصاغة والنجارين، وعندما حل وقت ترحيل اليهود، باع أصحابه المنازل والمحال لجيرانهم المسلمين"، مبينًا أن أسرته تمتلك اليوم أحد تلك الممتلكات، وهو منزل مجاور للمعبد الخاص باليهود ويعرف بـ "التوراة" أو الكنيس.


سوق اليهود في مدية سامراء (صورة قديمة)

يضيف أبو ياسر لـ "الترا عراق"، أن "اليهود تركوا كتبهم بالعبرية والكثير من المقتنيات، لكنها ألقيت في نهر دجلة، حيث كانت الناس تخاف منها، ومن ثم تم محو الكتابات والنقوش عن جدران الحي وسكنه المسلمون، لكن الكثير من السائحين الأجانب ظلوا يأتون لالتقاط الصور في الحي اليهودي والمنازل وزيارة المعبد (التوارة) والذي كان مشغولًا من قبل أسرة مسلمة تحتفظ بالمذبح وتقدم الشاي للزائرين".

تضم سامراء الكثير من معالم التراث الإسلامي واليهودي ما يؤهلها لتصبح قبلة سياحية لكن ذلك الطموح يصطدم بواقع الخدمات والوضع الأمني

يبين الرجل السامرائي، أن "تنظيم القاعدة مر على الحي وهدد بتدميره لكنه لم يفعل، قبل أن يتم إغلاقه بأمر من السلطات الأمنية، للحفاظ على المزارات الدينية المحيطة به". كانت المنطقة قد عرضت قبل عشر سنوات للاستملاك لصالح الوقف الشيعي، حيث قدم الوقف مبالغ طائلة ما دفع الكثير من ملاكه إلى بيع منازلهم، لكن البعض يرفض بيعها حتى الآن.

يقول قائممقام سامراء محمود خلف أحمد، إن "طموح الاستثمار السياحي لا يزال قائمًا في سامراء، لكن الظروف الأمنية تحول دون تحوله إلى واقع، على الرغم مما تتمتع به المدينة من تراث إسلامي ويهودي"، مشيرًا في حديث لـ "الترا عراق"، إلى أن "المدينة تحتاج إلى توفر الخدمات وإنشاء الفنادق وإعمار الشوارع والأسواق والمطاعم، تمهيدًا لتحويلها إلى مدينة سياحية"، فيما يى أن هناك "تداخل لحقبات متعددة في المدينة يجب أن يحل".

الحي اليهودي في الموصل

في الموصل يختلف الوضع عما هو عليه في سامراء، حيث خضعت المدينة لسيطرة مطلقة لتنظيم "داعش" المتطرف استمرت عدة سنوات، عمد خلالها التنظيم إلى تدمير كل ما هو إرث حضاري أو ديني، والسطو على القطع الآثرية والمخطوطات والتحف ثم بيعها لتمويل نشاطه، لكن الحي اليهودي نجا إلى حدما أيضًا.  


المعبد اليهودي في الموصل 

الحي يقع في الموصل القديمة وقد شهد قتالًا محدودًا لطرد عناصر "داعش" ليغلق بعد ذلك أيضًا، للحفاظ على ما تبقى منه وسط دمار الحرب والإهمال الحكومي. يقول بندر العيكيدي وهو ناشط مدني مهتم بالتراث والآثار، إن "سبب عدم دمار ممتلكات اليهود هو أنها كانت منازل لسكان محليين حاولوا طيلة تلك العقود الحفاظ على سرية ما موجود فيها"، مبينًا في حديث لـ "الترا عراق"، أن "الأمور سارت على ما يرام، والحي غير مدمر ويحتفظ بالنقوش والكتبات العبرية، التي تعد تاريخًا وتراثًا للمدينة، التي غابت آثارها عنها".

حافظ الموصليون على "أسرار" الحي اليهودي لعقود وساهموا بنجاته من يد تنظيم "داعش" والحرب الطاحنة التي شهدتها المدينة 

ويؤكد العكيدي، أهمية الحي اليهودي والمواقع التراثية الآثرية المشابهة، وضرورة الحفاظ عليها باعتبارها شواهد على هوية المدينة التي فقدت الكثير من تراثها وآثارها، داعيًا إلى الاهتمام بما تبقى من مواقع تاريخية كمرقد النبي يونس ما تحته من آثار لا تزل متروكة حتى الآن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

من الدولة المبكرة إلى رعب الصهيونية.. العراقيون اليهود في صور نادرة

خبز الموصل ورجالها.. صور تروي واقع المدينة المنكوبة بداية القرن الماضي