من الموصل للناصرية.. ألم نقل إنهم إرهاب وجوكرية؟

من الموصل للناصرية.. ألم نقل إنهم إرهاب وجوكرية؟

يعالج النظام أزمة المواطنين الشيعة مع حكم الفساد والمحاصصة بوصفة "الجوكرية" (فيسبوك)

مرت تسع سنوات على واحدة من أكبر الصدمات التي تعرض لها العراق بل والمنطقة، حين سقطت إحدى أكبر الحاضرات في التاريخ على يد مجاميع إرهابية ذات قدرات عسكرية تقنية محدودة آنذاك، فيما انسحب الجيش العراقي وسط دهشة أخذت مأخذها لدى المواطنين عامة.

الذي لا يتخيل ما شَعر به الموصليون غير المنتمين للإرهاب، يُمكنه الشعور الآن عبر حالة الظلم والقمع التي مورست ضد من خرج يطالب بحقهِ في الوسط والجنوب

ليس من جديدٍ يُقال بعد كل هذه السنوات سوى الحديث عن "الاحتقان". قيِل الكثير عن "المؤامرات". تتحدث الحكومة العراقية في ذلك الوقت، ومؤيدوها حتى الآن، عن مؤامرة من دول عربية وغير عربية، وتضم القائمة كل من الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ودول الخليج وإسرائيل وحزب البعث وغيرهم في مساعدة العناصر الإرهابية لإسقاط ثلثي مساحة العراق؛ مقابل ذلك، يقول من هُم في الجانب الآخر إن النظام العراقي ذاته وبإيعاز من إيران فسح المجال لتنظيم داعش بالتمدد داخل أراضيه لتخفيف الضغط الحاصل على النظام السوري أثناء الحرب الأهلية التي اندلعت بعد الثورة السورية وسيطرة التنظيمات الإرهابية على مناطق شاسعة في سوريا وقتالها الشرس للنظام البعثي هناك.

اقرأ/ي أيضًا: قوى الدولة واللا دولة.. مواقع بلا وقائع

سيكون على صانع القرار السياسي "الوطني" في المستقبل إن وجد، البحث بشكل دقيق عن الدور الخارجي في تلك الحقبة السوداء وما ينبغي فعله بعد الوصول إلى فك خيوط الحدث وخلطة المؤامرات التي بعثرت الأوراق فوق ركام المدينة التاريخية وعلى جثث أبنائها وأبناء القوات الأمنية المُحرِرة.

أما المُتفق عليه، أو ما يَجب أن يُتفق عليه، الآن، وحين تأتي السلطة الوطنية المنتظرة، هو وجود حاضنة مجتمعية رحّبت بخروج القوات الأمنية العراقية من الموصل. نقول خروج الأمن العراقي ولا نقول دخول التنظيم الإرهابي، ونعني ذلك.

رغم العوامل الخارجية السياسية والاقتصادية والدينية وأزمة الحكم ومسألة العرب السُنة في العراق بعد 2003 والفساد وعدم الانضباط وغياب المهنية وقائمة الأسباب التي أدت إلى سقوط الموصل؛ لكن موضوعنا الأساس هنا والجذري برأينا هو الفجوة الكبيرة بين النظام والناس.

أدركت الحكومة الجديدة بعد سقوط المحافظات بيد التنظيم مثل قطع الدومينو أن التغيير على مستوى الخطاب والتعامل واجبٌ ليس أخلاقيًا بالضرورة، بل براغماتي يمثل الشرط الأساس لاستعادة الأراضي من عناصر التنظيم. وبالفعل، أصبحت القوات الأمنية ذاتها وبمؤسساتها ذاتها وجنودها ذاتهم محط ترحيب العائلات الموصلية بعد ثلاث سنوات فقط، بعد أن كانت مصدرًا لإرعاب المواطنين وخطفهم وابتزازهم والتنكيل بهم والتضييق عليهم سواء أكانوا مذنبين أم أبرياء.

من هذا الإدراك والتغيير، يفترض المرء أن النظام العراقي تعلّم الدرس. ثم عاود الفاسدون - بالمعنى الشامل - نشاطاتهم في بعض المناطق المحررة وعبر الأذرع الثلاثة: السياسية والعسكرية والاقتصادية.

عددٌ من العوامل يقف حائلًا دون إعادة سيناريو 2014 رغم الشكاوى التي يطلقها برلمانيون وسياسيون وناشطون من نينوى حول عودة بعض التصرفات التي كانت قبل سقوط الموصل والتي ساهمت بإسقاطها. واليوم، نرى مشهدًا مشابهًا نسبيًا في محافظات الوسط والجنوب مع اختلاف العناوين والأطراف والأسباب. لكن الأزمة ذاتها: فجوة بين النظام والناس.

الذي لا يتخيل ما شَعر به الموصليون غير المنتمين للإرهاب، المتهمون بالإرهاب على الدوام حتى يثبتوا يوميًا العكس آنذاك، يُمكنه الشعور الآن عبر حالة الظلم والقمع التي مورست ضد من خرج يطالب بحقهِ في الوسط والجنوب. قتلٌ وقمع وملاحقات واغتيالات واتهامات بالعمالة واستخدام السلاح في فرض واقع الحال بالإكراه. المعادلة واحدة شمالًا وجنوبًا: أنت تشعر بالظلم، فتشكو ذلك، فتُظلم أكثر.

أنتجت هذه المعادلة - وهي ليست حكرًا على العراق وإنما دليل الحاكمين في الوطن العربي - المزيد من المآسي والتمزق السياسي والاجتماعي والانكشاف على التدخلات الخارجية. قسّمت الشعب إلى شعوب بات الشرخُ بينها يصل إلى الاتساع الموجود بين الأعداء. أنتج هذا الشرخ الناتج من المحاصصة الطائفية والأسباب التاريخية الموضوعية المختلفة، حالةً من النفور لقطاعات مجتمعية ضد النظام وأجهزته إلى حد القبول بأي "فاعل تغيير"، والترحيب والاستعانة بالخارج على الداخل للخلاص من الواقع وظروفه. ومثل غالبية النماذج التي حصلت مؤخرًا في المنطقة، تكثّفت عملية التغيير لجهة أشد وأكثر إجرامًا، فتكت بالناس كما لم يحصل في السابق.

عالج النظام أزمة السُنة بعد 2003 مع الحكم الشيعي بوصفةِ "الإرهاب" حتى دفع جزءًا كبيرًا من المجتمع نحو الإرهاب بالفعل. ويعالج النظام منذ سنتين أزمة المواطنين الشيعة أنفسهم مع حكم الفساد والمحاصصة بوصفة "الجوكرية"، وقد يدفع جزءًا كبيرًا منه - لا سمح الله - نحو الحالة التي سبقت ليلة العاشر من حزيران/يونيو 2014.

عالج النظام أزمة السُنة بعد 2003 مع الحكم الشيعي بوصفةِ "الإرهاب" ويعالج النظام منذ سنتين أزمة المواطنين الشيعة أنفسهم مع حكم الفساد والمحاصصة بوصفة "الجوكرية"

الحالةُ التي نعني، بغض النظر عن الآليات والعناوين والطرق التي يسلكها المجتمع،  تقاطعت مع الظروف الداخلية والإقليمية في الموصل، وقد تتكرر بوصفها حالة عامّة، وتتغذى على ظروف مؤاتية داخلية وخارجية، لتنتج أزمة كبرى ودماءً جديدة في الوسط والجنوب، وحينذاك، ستقول أحزب السلطة إن المؤامرة التي كنّا نحذّر منها حصلت، وإن كل من يعارضنا هو "جوكري"، وها هو الدليل، إذ لن تكون للأحزاب - بحكم المعطيات والواقع والتاريخ - فرصةً كثيرة للاستمرار بهذا النهج دون الإصلاح أو المضي باستنساخ التجارب العربية في إنزال المؤامرة المُفترضة من السماء إلى الأرض، دون أن تلتفت للخراب الذي يحصل بعدها.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الفصل بين السلطات.. "مجتمع بلا دستور"

معادلة المحنة العراقية وإنتاج البديل السياسي