هل مات المستبد؟

هل مات المستبد؟

الحرية بالنسبة للمجتمعات التقليدية تعني الولاء والإخلاص (فيسبوك)

دائمًا ما يشغل هذا السؤال حيّزًا واسعًا في ذهني: هل ثمّة علاقة طردية بين زوال المستبد وبين صلاح المجتمع؟ بعبارة أخرى: هل يتوقف استقرار المجتمع على إزالة المستبد كشخص؟ قد لا يأتي الجواب بالإيجاب، ذلك أن الاستبداد يشكّل نظامًا اجتماعيًا كاملًا. النظام الاجتماعي هو شبكة من العلاقات والروابط التي تجمع بين الأفراد والجماعات والمؤسسات. وفي داخل هذا النظام الاجتماعي نظم اجتماعية؛ كالأسرة، والمصنع، والجامعة، ونحو ذلك. لكن يبقى السياق الثقافي هو المتحكم بصياغة العلاقات داخل هذه النظم الاجتماعية. إن النموذج المذهبي والقبلي هو المتسيّد في صياغة علاقاتنا الاجتماعية. ومن ثمّ نسأل مرة أخرى: في مثل هذا النظام الاجتماعي، هل يشكّل فارقًا زوال المستبد أم زوال الاستبداد؟ الأول فرد، والثاني نظام اجتماعي. والأول نتاج الثاني بكل تأكيد.

النظام الإداري الوحيد الذي تبرع فيه النظم الاجتماعية التقليدية هو النظام الهرمي؛ فإذا سقط رأس الهرم انهار الهرم بأكمله

وبهذه المقدمة المختصرة، يمكننا أن نولّد سؤالًا آخر لا يقلّ أهمية عن الأول: لماذا يعاني العراق من ظاهرة الاستبداد منذ عقود؟ لماذا لم يحسم هوية الدولة ويفشل في كل مرة من بناء مؤسسات عصرية، وتشييد بنية تحتية، ونظام سياسي واقتصادي واضح المعالم؟ سيرتدّ إلينا الجواب أعلاه مرّة أخرى، وهو النظام الاجتماعي القائم على علاقات تقليدية، النظام الذي يحسم قراراته دائمًا عبر الانتصار لقيم المذهب والقبيلة على حساب المؤسسة. النظام الاجتماعي التقليدي لا يفرز نظمًا إدارية، وسياسية، ولا اقتصادية، بالمعنى الحديث للكلمة، بقدر ما يفرز قيمًا تعلي من شأن الرمز. إن النظام الإداري الوحيد الذي تبرع فيه النظم الاجتماعية التقليدية هو النظام الهرمي؛ فإذا سقط رأس الهرم انهار الهرم بأكمله.

اقرأ/ي أيضًا: مجتمع الطاغية والعبيد

في الأدبيات القبلية والمذهبية نعثر على هذا النموذج؛ شيخ العشيرة، والرمز المذهبي يشكلان رأس الهرم، تغيب فيه القاعدة الأفقية، وتنتقل القيادة بحكم الوراثة، أو من قبل "الفضلاء" في الأدبيات الشيعية، وهذه الأخيرة أهون نسبيًا من النظام القبلي، لكنّهما يشتركان في جذر واحد: غياب القاعدة الأفقية، التي تشكل اتخاذ القرارات، السياسية خصوصًا، بالتشاور، نظرًا لحساسية القضية من منظور شرعي.

القبيلة لا تشارك في بلورة القرارات السياسية بالطبع، وهي بعيدة عن هذا المجال بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنّها تشكل البنية التحتية لطرق تفكيرنا وسلوكنا، كما نوهت سابقًا في إحدى المقالات. ماذا يعني أن القبيلة تشكّل البنية التحتية لطرق تفكيرنا وسلوكنا؟ حتى لو كان نمط تفكيرنا وسلوكنا يميل إلى الحياة العصرية، فذهنية القبيلة لا تفارقنا بوجه عام. إذ ماذا ننتظر من بلد لم يجرب حياة المؤسسات طيلة أكثر من قرن غير الارتماء في أحضان الذاكرة؟ لا توجد لدينا تقاليد سياسية حديثة يقرر على ضوئها الناخبون التنظيم السياسي الذي يترجم مطالبهم من حيث كونهم مواطنين لا رعايا. فنحن نختار التنظيم السياسي في كل مرة باعتبارنا رعايا لا مواطنين، نختار من هو أقرب لوجداننا المذهبي أو القبلي، ذلك أن العلاقات التي تحظى بشرعية اجتماعية وسياسية في المجتمع العراقي هي العلاقات القرابية. إذا رشّح أحد أقربائنا القبليين أو المذهبيين فسنختارهم على الفور.

نعلم جيدًا، أن هذا النظام الاجتماعي التقليدي هو من قرر الدفاع عن البلد اعتمادًا على فتوى المرجعية، ونعلم جيدًا أن الفتوى هي الحد الفاصل بين الخروج للقتال من عدمه. بعبارة أوضح: لم تستطع الدولة العراقية بكل أجهزتها الأمنية والعسكرية الضخمة لإجبار الناس على القتال؛ السلطات الثلاثة لم تستطع تحشيد الناس لقتال داعش؛ وحدها السلطة الهرمية الدينية من استطاعت ذلك، حيث تعطينا هذه الظاهرة إشارة جليّة عن قوة السلطة الهرمية ونفوذها في قلوب وعقول أتباعها. والإشارة هنا إلى المرجعية الدينية لا أعني به تجذّر الاستبداد من قبلها، بل هي إشارة إلى نظام اجتماعي يرتهن إلى مرجعياته الروحية أكثر من السياسية، حتى هذه الأخيرة لا تأخذ مشروعيتها إلا من حيث كونها تابعة لرمز روحي! مثلًا، لا أحد يهتم بالتحالف السياسي (سائرون) لولا إمضاء السيد مقتدى الصدر على هذا التحالف، فشرعيته نابعة من الرمز الروحي، والناخبون اتبعوه ليس لأنه تنظيم سياسي يحمل برنامجًا سياسيًا. ويبقى هذا الإمضاء ساري المفعول إلى أن يرفع عنه السيد مقتدى الصدر الشرعية السياسية، فعندها سيكفّ الأتباع من انتخابه!

وبالمناسبة، هذا الأوامر لا تشكّل إكراهًا لدى الاتباع بل حرية، ذلك أن الحرية، بالنسبة للمجتمعات التقليدية، تعني الولاء والإخلاص، والتفاني لرموزها الروحية. أما في المجتمعات الحديثة، فلا يوجد ولاء بهذا المعنى، بل توجد مصالح مشتركة: أنا مواطن مُكَلّف بواجبات وحقوق، وأنت سياسي مُكَلّف بتشريع قوانين تصب في صالحي، وبحكم هذه العلاقة أمنحك صوتي. هناك مؤسسة عسكرية تشرّع لي نظام التجنيد، ومؤسسة قضائية تشرّع لي الحقوق والواجبات، ومؤسسة صحية تشرّع لي نظامًا صحيًا يتناسب وحجم الخدمات التي أقدمها، ومؤسسة تعليمية تشرّع لي مناهج التعليم المناسبة لأكون باحثًا أو مفكرًا، أو عالمًا، ونحو ذلك. والحد الفاصل بين هذا وذاك، أعني المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث، هو الدولة، وهذه الأخيرة تعني نظامًا مؤسساتيًا تحكمه هيكلية قانونية سارية على الجميع دون استثناء.

إن المستبد ليس شخصًا؛ إنه سياق ثقافي لم نعلن القطيعة معه حتى هذه اللحظة

بعد هذا التمهيد السريع: ماذا أنتج لنا هذا النظام الاجتماعي التقليدي منذ عقود؟ أنتج لنا أنظمة سياسية قائمة على الإكراه، وهذا الأخير يعني نفي الحرية؛ فإذا حل الإكراه غابت الحرية، وإذا غابت هذه الأخيرة حلت مختلف صنوف الاستبداد؛ في الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمصنع، والشركة، والحزب، وغيرها من النظم الاجتماعية. لذا لا نستغرب من شيوع حالة الاستبداد في هذه النظم؛ الجميع ضد الجميع، ذهنية الفرد الواحد تهمين على كل مفاصل حياتنا. ثمة أمر طريف نتلمّسه من عموم العراقيين، وهو مناشداتهم الدائمة لشخص الرئيس حصرًا ولا يناشدون المؤسسات ذات العلاقة؛ لا بد لرئيس الوزراء، أو رئيس الجمهورية سابقًا، أن يكون "عرض حالجي" لكل المواطنين، ينبغي أن يكون القاضي، والضابط، والمعلم، والأستاذ الجامعي، ورئيس الشركة، والمدير العام، والأخ الأكبر، والوالد. فمصير البلد، سعادته وشقائه، فشله ونجاحه، حياته وموته، بيد السيد الرئيس.. من هو السيد الرئيس يا ترى؟ إنه نظام اجتماعي بأكمله! لذلك، أن المستبد ليس شخصًا؛ إنه سياق ثقافي لم نعلن القطيعة معه حتى هذه اللحظة. فالتركيز على الأشخاص، يشبه التركيز على بعوضة واحدة في بركة واسعة. والسؤال الأخير: هل مات صدام حسين حقًا؟! 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

من العقيدة إلى السياسة

العلاقة بين المجتمع والنخبة: محاولة للفهم