وزراء مستقلون بتفاهمات

وزراء مستقلون بتفاهمات "تحت الطاولة".. هل العودة إلى المرشح الحزبي أفضل؟

المعادلة الصحيحة تنتج من خلال حكومة غير محاصصاتية (فيسبوك)

ألترا عراق ـ فريق التحرير

منذ تموز/يوليو 2016، التحق ما سمي بـ"الوزراء التكنوقراط" بمجلس الوزراء، بعد موافقة  رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي على استقالة خمسة وزراء وهم وزير النفط عادل عبد المهدي، ووزير النقل باقر جبر، ووزير الإعمار والإسكان طارق الخيكاني، ووزير الموارد المائية محسن الشمري، ووزير الصناعة محمد صاحب الدراجي، على خلفية احتجاجات واسعة طالب خلالها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بإسناد الوزارات إلى مستقلين. 

ما يعزز الحديث عن وجود تفاهمات وتخادم بين الوزير المستقل والقوى السياسية، استمرار سيطرة كل كتلة على الوزارة التي عرفت أنها من حصتها

منذ هذا الوقت بدأت تتعاظم الدعوات إلى تسمية وزراء تكنوقراط مستقلين، وشهدت حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي مجموعة من ما أُطلق عليهم بـ"الوزراء المستقلين"، لكن مصادر سياسية تحدثت عن استمرار المحاصصة بآلية جديدة، إذ "تبرم كل كتلة اتفاقات تحت الطاولة مع المستقلين وتقدمهم كمرشحين للوزارات التي من حصتها".

اقرأ/ي أيضًا: بعد فشل التوافق وتشويه التكنوقراط.. نحو انقسام صحي

وما يعزّز الحديث عن وجود تفاهمات وتخادم بين الوزير المستقل والقوى السياسية، استمرار سيطرة كل كتلة على الوزارة التي عرفت أنها من حصتها، حتى بات واضحًا التوغل في كل وزارة، ويتسلم المراكز "الناعمة" في الوزارة أشخاص بتوصية من الكتلة، خاصة مدير مكتب الوزير، حتى وصلت صلاحيات بعضهم إلى السيطرة بشكل تام على الوزارة.

في المقابل، تحول الحديث عن دور مدراء المكاتب إلى الجو العام، ففي حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي تجاوز الحديث الأروقة السياسية والإعلامية عن سيطرة مدير مكتبه، والمكنّى "أبو جهاد الهاشمي"، على الكثير من القرارات، أو أنه "رئيس الوزراء الفعلي" كما يقول السياسي غالب الشابندر، فيما وصف النائب طلال الزوبعي، حكومة عبد المهدي، بـ"حكومة مدراء المكاتب"، لافتًا إلى أن "بعض الوزراء لا يستطيعون التحدث مع مدراء مكاتبهم"، وانسحب الأمر على وزارات عديدة، إذ كشف المرشح لمنصب مدير عام في وزارة الصناعة فؤاد وتوت في وقت سابق  لـ "ألترا عراق" عن إدارة الوزارة المذكورة بواسطة مدير مكتب الوزير، أما عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية رياض التميمي فيقول، إن "مدير مكتب وزير النقل في الحكومة السابقة (الأستاذ حسام) هو من يقود الوزارة، وقد يكون المسؤول عن مصادقة الوزير على عقود مليئة بالمخالفات والفساد وهدر المال العام كالعقد مع شركة منسز البريطانية".

وعن صلاحيات الوزير في اختيار أعضاء مكتبه، يقول النائب عن تيار الحكمة ستار الجابري إن "رئيس الوزراء عادل عبد المهدي نفسه لم يختَر فريق عمله، والوزراء فرضوا عليه كواقع حال". ويضيف: "حتى القائمقام لا يستطيع اختيار ولو نسبة 10% من فريقه وفق الصلاحيات".

تكنوقراط "سياسي.. مستقل"

ويدور النقاش حول اختيار وزراء تكنوقراط سياسيين، إذ يدافع أصحاب هذا الرأي عن ضرورة أن يتسنم الوزير، وهو ممثل بشكل علني عن حزب معيّن، ليتحمل الحزب فشله، ويواجهون الجمهور بذلك، دون أن تتمّ التسويات تحت الطاولة، وتبقى الأحزاب تتحدث عن الفساد والمحسوبية، وهم يسيطرون على الوزارات، وكان رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم،  قد دعا إلى "اختيار كابينة وزارية من التكنوقراط المتخصص المستقل أو السياسي"، معتبرًا أن "الأغلبية الوطنية تمثل حلًا واقعيًا ومقبولًا لبعض إشكالات النظام السياسي".

وقال الحكيم في خطبة سابقة اطلع عليها "ألترا عراق"، "يتحتم علينا اختيار كابينة وزارية من التكنوقراط المتخصص المستقل أو السياسي"، موضحًا أنه "ما زلنا نعتقد أن الأغلبية الوطنية تمثل حلًا واقعيًا ومقبولًا لبعض إشكالات النظام السياسي".

يرى الباحث السياسي عقيل عباس أن المحاصصة لحد الآن ما زالت راسخة، بالرغم من حدوث بعض التغييرات التي تعتبر هامشية

يتفق السياسي حيدر الملا مع الحكيم في ضرورة أن يكون الوزير سياسيًا وتكنوقراطًا، ويقول إن "المسألة تتعلق بشكل مباشر بالمادة 80 من الدستور، التي رسمت مواصفات السلطة التنفيذية، من خلال تحديدها المهام السياسية لمجلس الوزراء، على المستوى الأمني والاقتصادي وإبرام الاتفاقيات، فالوزير لديه مهمتان، الأولى تتعلق بإدارة الوزارة، والثانية كونه عضو في المجلس وهذه المهمة السياسية"، معتبرًا هذه المادة "هي إلزام بأن يكون الوزير سياسيًا وليس مستقلًا".

اقرأ/ي أيضًا: مواجهة جديدة بين دعاة "التكنوقراط".. الفساد "يفشل" المستقل والسياسي!

وأضاف الملا أن "الواقع العراقي بعد 2003 يعاني من تصدع ثقافي وجهل دستوري وقانوني لدى الأغلب من مراكز القرار سواء سياسية أو دينية أو مجتمعية، والقضية لا تتعلق بالرأي السياسي، فالقاعدة القانونية تقول إنه "لا اجتهاد أمام النص، وإخضاع الأمر إلى المزاج غير صحيح".

وحول إسناد الدرجات الخاصة إلى مرشحين حزبيين قال الملا لـ"ألترا عراق"، إن "المعيار الأول هنا يجب أن يكون الكفاءة، ويفضل أن يكون في الهيكل الإداري للدولة مستقلًا"، لافتًا إلى أن "اختيار الدرجات الخاصة، لا يتعلق بالدرجة الأساس بكونه حزبي أو مستقل، وهنا يجب أن يفعل مجلس الخدمة الاتحادي، ليتدرج فيه الموظف حتى وصوله إلى الدرجة الخاصة، أما إخضاع الاختيار للإرادة الحزبية فهذه مشكلة سواء كان مستقلًا أو حزبيًا".

في السياق يرى الباحث السياسي عقيل عباس، أن "المحاصصة لحد الآن ما زالت راسخة، بالرغم من حدوث بعض التغييرات التي تعتبر هامشية، مثل إدخال المستقلين أو منح رئيس الوزراء حصة محددة كما حصل في الحكومة الحالية، مستدركًا "لكن ضعفها والعدد القليل للمستقلين يمنع حدوث تغيير المعادلة كاملة، بالإضافة إلى أن الأحزاب بدأت بنفسها ترشيح شخصيات مستقلة، ولكنها تفقد استقلالها بسبب طريقة التعيين".

وحول العودة إلى تقديم مرشحين حزبيين تتبناهم قوى سياسية بشكل علني، قال عباس لـ"ألترا عراق"، إنه "لا يعطي ذلك أية ثمار، لأن هؤلاء وصلوا إلى وزاراتهم عن طريق حزبي وليس مهاراتهم، من دون تغيير البنية السياسية للنظام من خلال برلمان فيه ممثلون لقوى سياسية جديدة غير التي سيطرة على مراكز القرار بعد 2003، تستطيع نسف المحاصصة كممارسة، وهنا نحتاج إلى برلمان مختلف إلى حد واضح، وليس كبير".

ويعتبر عباس الرأي الذي يعتقد بأن المرشح الحزبي يضع حزبه في مواجهة مع الشارع ويحمله الفشل، "كلمة حق يراد بها باطل، وفيه تزييف"، ويقول إن "التجارب محدودة جدًا ضمن الديمقراطية التوافقية التي تعتبر فاشلة، مثل لبنان التي تعتبر قريبة من تجربة العراق، ما زالت الحكومة لا تعيين على أساس الكفاءة، فهذا يعني تمثيل لإرادة الأحزاب"، مشيرًا إلى أن "المعادلة الصحيحة تنتج من خلال حكومة غير محاصصاتية ناتجة من قوى سياسية واحدة في البرلمان، لا تضطر للمحاصصة".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ثلاث حكومات وجغرافية واحدة

النخب العراقية: كائنات ما قبل التاريخ