"الإقليم السني".. استثمار إماراتي في فشل النظام السياسي في العراق

بعد تحركات إخراج القوات الأمريكية من العراق ظهرت فكرة إنشاء الإقليم السني في العراق (فيسبوك)

لم تحظ المحافظات الغربية في العراق بالهدوء طوال الفترة الممتدة من سقوط بغداد إبان الغزو الأمريكي إلى لحظات قريبة. سنوات لم يذق سكّان تلك المناطق طعم الاستقرار خصوصًا على مستوى الأمن، مع انتشار جماعات مسلحة من جيش رجال الطريقة النقشبندية وصولًا إلى الجيش الإسلامي وتنظيم القاعدة في سياق مواجهة الاحتلال الأمريكي، وختامًا بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، الذي اجتاح هذه المناطق عام 2014.

رفضت الكتل السياسية التي تمثل المناطق الغربية والمحرّرة إخراج القوات الأمريكية وإغلاق قواعدها

رفضت الأطر السياسية في تلك المناطق المشاركة في الانتخابات الأولى بدعوى الاحتلال، كما رفضوا الدستور، لكن موقفهم تغيّر تدريجيًا بعد تحرير العراق من "داعش"، رغم أن عودة القوات الأمريكية إلى العراق، جاءت من خلال حكومتي نور المالكي وحيدر العبادي، تحت مبرر مواجهة داعش. بعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، سعت بعض الكتل السياسية الشيعية لإخراج القوات الأمريكية وإغلاق قواعدها في البلاد، في نوع من الاستقطاب السياسي المدعوم إيرانيًا، رأى فيه متابعون أنه محاولة لتغيير مسار الاحتجاجات الساخطة على النظام السياسي الطائفي الموالي لطهران في العراق، فيما استمر المحتجون في التأكيد على أنهم يطالبون بسيادة وطنية، ويرفضون التبعية لإيران أو لواشنطن. رفضت الكتل السياسية في المحافظات الغربية والشمالية إغلاق القواعد الأمريكية في مناطقهم أو إخراج القوات فيها.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا تعرف عن القواعد الأمريكية في العراق؟

صوت البرلمان العراقي وفي جلسة صاخبة مؤخرًا، وبمقاطعة الكتل السنية والكردية، على إخراج القوات الأمريكية من العراق وإلغاء الاتفاقية الأمنية، وهو ما أثار الحديث مؤخرًا عن سبب رفض هذه الكتل لطرد الأمريكيين من العراق، فيما كشف تسجيل مسرّب لجلسة البرلمان التي شهدت التصويت، عن تحذير رئيس البرلمان محمد الحلبوسي لـ"جميع الأعضاء في مجلس النواب، بأنهم يرتكبون خطأ كبيرًا بهذا القرار"، مشيرًا إلى أن "الولايات المتحدة يمكنها أن تتسبب بأضرار كبيرة للعراق في حال قرر معاداتها"، كما لفت إلى أن "قرار إخراج القوات الأجنبية هو شيعي"، وكان هذا بداية لانقسام سيطرح بشكل أكبر في أروقة السياسة العراقية. 

محمد نوري العبد ربه، وهو سياسي من محافظة نينوى، قال إن "الوضع اختلف حيث في الماضي كانت القوات الأمريكية بصيغة احتلال حتى توقيع اتفاق أمني معها، وأصبحت شريكًا تربطنا بها مصالح دولية ولا نرى مشكلة في بقائها".

يضيف العبد ربه لـ"ألترا عراق"، أن "هناك تحركات لـ(داعش) في المناطق الغربية المحرّرة، ولو كانت الحكومة العراقية تستطيع الإعلان عن السيطرة والتخلي عن الغطاء الجوي والتدريب الدولي لوافق أهالي هذه المناطق مباشرة على إخراج الأمريكان والأجانب من العراق".

وأوضح أن "الفترة الحالية فترة حرجة جدًا على جميع الشركاء في العراق، واتخاذ قرار عاطفي في ساعة غضب دون الرجوع للمكونات العراقية يعني الوصول إلى طريق مسدود".

محمد العبد ربه لـ"ألترا عراق": أبناء المناطق الغربية يرفضون التدخل الأمريكي لكنهم بالمقابل يرفضون تدخل إيران أيضًا

لفت العبد ربه إلى أن "أبناء المناطق الغربية يرفضون تدخل أمريكا، وبالمقابل يرفضون تدخل إيران أيضًا، ولا يريدون سوى السيادة الكاملة للتراب العراقي، ويجب على الجميع تفهم ذلك".

"الإقليم السني" المدعوم أمريكيًا ـ إماراتيًا

ومع تصاعد حدة الخلافات وتصويت البرلمان العراقي على إخراج القوات الأمريكية، والتضارب الأمريكي في الخروج أو البقاء، وحرب الصواريخ الموجهة بين إيران وأمريكا على الأراضي العراقية، تظهر إلى الواجهة فكرة "الإقليم السني" في العراق، بعد تسريبات عن دور إماراتي بدأ بالتبلور، يستغل واقع التهميش في تلك المناطق، ويستثمر في فشل النظام السياسي في إنتاج هوية وطنية جامعة.

اقرأ/ي أيضًا: اتفاقية فعالة وحكومة دون صلاحيات.. ما مصير القوات الأمريكية في العراق؟

يرى المحلل الأمني مهند الغزي أن تخوف أبناء المناطق الغربية من خروج القوات الأمريكية يأتي من عدة أسباب، منها أن "التمدد الإيراني والميليشيات المحلية يجعل من الصعوبة المواجهة معهم لذلك يطالبون ببقاء الأمريكان في العراق".

وقال الغزي لـ"ألترا عراق"، إن "الفرصة الآن، والتي يجري الحديث عنها هي مشروع الإقليم السني، والذي يحتاج فعلًا لتعاون أمريكي لتوفير الحماية، وتقديم المساعدات الأساسية لقيام هذا الكيان، مثل ما جرى في عام 1991 عندما تم منح الكرد حق إنشاء منطقة آمنة في شمال العراق، وأصبح الآن الإقليم دستوريًا".

ليست فكرة الإقليم جديدة تمامًا في المناطق المحررة، إذ أعلنت محافظة صلاح الدين في 2011 الشروع بتأسيس الإقليم الخاص بها، لكن حكومة نوري المالكي أخّرت الأمر، ولحقت ذلك ديالى بذات الإعلان، مما كاد أن يشعل فيها حربًا طائفية، وفي الأنبار ونينوى استمرت التهديدات حينها بالمسير نحو الأقلمة للخلاص مما وصفوه في ذلك الوقت "الظلم الموجه لهم".

فشل مشروع الإقليم المحلي في هذه المناطق التي تمتد من الأنبار وصولًا إلى صلاح الدين، ومن ثم إلى نينوى ومحافظة ديالى التي يسكنها خليط من السنة والشيعة والكرد، "لكن المشروع لم يمت حتى الآن"، بحسب مراقبين.

لكن تسريبات ظهرت ونشرتها قناة الجزيرة، تقول إن "اجتماعًا عقد في الإمارات ناقش فكرة إنشاء إقليم سني برعاية إماراتية"، في الوقت الذي كتب الإعلامي المعروف، نبيل جاسم، عبر صفحته في "فيسبوك"، إن "عاصمة عربية شهدت يومي الخميس والجمعة اجتماعات لمجموعة شخصيات سنية لإحياء فكرة الإقليم"، لافتًا إلى أنه "قبل شهر تقريبًا، الزيارة غير المعلنة والسريعة لرئيس مجلس النواب إلى واشنطن كان موضوعها الأساس هو الطرح الأمريكي لإحياء فكرة الإقليم السني".

القيادي في جبهة الإنقاذ والتنمية، أثيل النجيفي، وهو من نينوى، قال: "كنا ولا زلنا نرفض الأقاليم المذهبية ونؤيد الأقاليم الإدارية لتحسين مستوى الأداء الإرادي في العراق"، مستدركًا: "ولكننا نعطي الأولوية لدعم المطالبة بالتعديل الشامل لمسار الوضع السياسي وعدم تشتيت الجهود في إثارة قضايا خلافية لا يمكن حلها إلا في ظل حوار هادئ بين ممثلين يقبل بهم الشعب العراقي". 

وتأتي فكرة الإقليم أثناء وجود الاحتجاجات المستمرّة منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر وإلى الآن، في ضوء الاستقطاب السياسي المفروض من طهران، من أجل ما يقول متابعون إنه حرف لمسار الانتفاضة العراقية، وتحويل الاصطفاف نحو ملف الوجود الأمريكي في البلاد. حيث يقول المتظاهر محمد علي لـ"ألترا عراق"، إن "المتظاهرين أعلنوا موت الطائفية في العراق، لكن الموجودين في السلطة يحاولون إعادتها عبر الأفكار التي تتحدث عن الأقاليم الطائفية وبالتالي ستخلق الاصطفافات وتتوحد الجهود لقتل التظاهرات الوطنية"، لافتًا إلى أن "شعارنا كان "نريد وطنًا"، والوطن يشمل الجميع ولا يقوم على الانقسامات التي هي سبب خروجنا". 

مدن حرة مدمرة

لا يخفي أبناء المناطق الغربية، أنهم بعد سنوات من شعورهم بـ"التهميش السياسي من الاحتلال وإلى الآن، باتوا يعيشون في عهد الجلاء، وهم يفقدون حتى مدنهم التي كانت عامرة، بسبب الحرب على تنظيم (داعش) في مناطقهم.

تأتي فكرة الإقليم أثناء وجود الاحتجاجات المستمرّة منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر وإلى الآن، في ضوء الاستقطاب السياسي المفروض من طهران، من أجل ما يقول متابعون إنه حرف لمسار الانتفاضة

يقول الشيخ الأنباري عمر الدوحان إن "أبناء هذه المناطق بالمجمل يشعرون الآن بأنهم فقدوا كل شيء، ولم يعد لديهم أي شيء يستقوون به ليتسنى لهم تقرير مصيرهم ومصير البلاد بشكل عام، لذلك ينظرون لوجود التحالف الدولي وعلى رأسهم الأمريكان، وفق الاتفاق السابق المبرم مع الحكومة العراقية أمرًا مهمًا لهم في بدء حياتهم مجددًا".

اقرأ/ي أيضًا: رسالة مسربة تربك واشنطن.. وأرتال عسكرية أمريكية تدخل بغداد!

يرفض الدوحان في حديث لـ"ألترا عراق"، الإقليم السني، ويقول إنه "تقسيم لبلاد منهكة لا تقوى على فعل شيء، وهو كما الحال بالنسبة لانسحاب الأمريكيين والأجانب من العراق الذين يقدمون الدعم الأمني للعراقيين".

وأضاف الدوحان أن "أبناء هذه المناطق الآن يرون أن الأمريكيين ليسوا محتلين، وإنما متعاونين، وعلى أهالي هذه المناطق بشكل عام التعاون معهم للخروج بالعراق من النفق المظلم الذي يعيشه، والعشائر العربية في كل من نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى لا ترى ضرورة في إخراج الأمريكان أو التوجه نحو الإقليم السني، وإنما تخفيف الاحتقان وتقديم المساعدة لمن يقدم لنا المساعدة في أراضينا".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تحرّكات عراقية نحو "مناوئي" أمريكا.. استعداد للعقوبات أم أوراق ضغط على واشنطن؟

واشنطن توجه رسالة "غاضبة" إلى الحكومة.. أول تعليق أمريكي على مهاجمة قاعدة بلد