09-أبريل-2019

جاء الغزو الأمريكي لتفكيك الدولة ونهب خيراتها (جيروم ديلاي/ أسوشيتد برس)

حمل يوم التاسع من نيسان/أبريل 2003 حالة من الذهول الممزوج بالخوف والفرح والحزن والأمل. خوفٌ من مصير مجهول بعد انهيار النظام وحالة الانفلات التي شهدها الشارع. فرحٌ بزوال نظام مستبد. حزنٌ على التخريب والسرقة والحرائق التي طالت مؤسسات الدولة. أملٌ بغدٍ أجمل محمول على ظهر الدبابة الأمريكية بعهدٍ من الحريةِ والديمقراطية التي وعد بها بوش الابن الشعب العراقي.

انفجرت بالوعة الإرهاب حالما دخلت القوات الأمريكية إلى العراق، وفَتحت حدود البلاد على مصراعيها، حتى أمست بغداد ساحة لصراع أجهزة المخابرات التابعة لدول الشرق والغرب

ما كان يومًا للديمقراطية ولا هم يحزنون. كان يوم استعراض العضلات الأمريكية على الوطن العربي من خلال تركيع رأس العراق. يوم أعلنت الولايات المتحدة قيادتها للعالم من خلال احتلال بلد دون تفويض من الأمم المتحدة، وإنهاء سياسة المُشاركة العالمية في القرار التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية وإعلان سياسة "البقاء للأقوى"، والتي بدورها جلبت معها ما جلبت، مع انهيار الاتحاد السوفيتي وفشل الدول العربية في بناء الدولة الوطنية والاقتصاد الفعّال، فضلًا عن توحيد الأقطار وتحرير فلسطين.

انفجرت بالوعة الإرهاب حالما دخلت القوات الأمريكية إلى العراق، وفَتحت حدود البلاد على مصراعيها، حتى أمست بغداد ساحة لصراع أجهزة المخابرات التابعة لدول الشرق والغرب. تزامن ذلك مع حل الحاكم الأمريكي سيّئ الذكر بول بريمر، الجيش العراقي والأجهزة الأمنية. صب ذلك مع العديد من العوامل بمصلحة أن يتحول العراق قبلة للجماعات الإرهابية من كل حدب وصوب، والتي شوهت صورة المقاومة العراقية ذاتها التي انطلقت فور سقوط بغداد.

لقد جرى حديث طويل عن مرحلة دعم الولايات المتحدة للحركات الأصولية لمقارعة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، لكن الإرهاب لم يكن منتشرًا في العالم كما أصبح الحال بعد غزو العراق. إنها المرحلة الأولى، قبل أن تليها مرحلة ثانية بعد الثورات العربية في 2011، حيث انقلب سحر الأسد على ساحره، وتداعى النظام في ليبيا، وكذلك أحداث مصر واليمن، لتتسلح المجاميع الأصولية وتنتشر في المنطقة وسط تفرج أمريكي.

أصبح العراق ساحةً لمن يريد تصفية حسابه مع الأمريكان، بل ومع إسرائيل في بعض الأحيان، وليس فلسطين ـ باعتبار أن الحماية الأمريكية لإسرائيل مسألة مغروسة في اللاوعي العربي ـ خاصة بعد أن ضيّقت الدول العربية على المقاومة الفلسطينية. وقد قال بوش "كل من ليس معنا فهو ضدنا"، ليَقسم العالم نصفين، حلفاء أمريكا وإرهابيين بجملة واحدة. وتعززت حالة استقطاب "المجاهدين" بعد فضيحة سجن أبو غريب المعروفة، التي هزت كيان الإنسان العربي. اكتسب الإرهاب شرعية "الجهاد" ضد الأمريكان رغم بطشه بالمدنيين فضلًا عن القوات العراقية المسلحة المُشكّلة حديثًا.

تحسست إيران الخطر والفرصة الثمينة في آن واحد واندفعت بقوة في العراق، ودعمت سوريّا  الجماعات المسلحة بمختلف أنواعها في العراق لدرء الخطر عنها وانتزاع الشرعية للنظام، وبعض الدول العربية التي دعمت الجماعات الإرهابية بهدف إفشال التجربة الجديدة "الديمقراطية اسمًا" خوفًا من عدوى تنتشر في مجتمعاتها.

إضافة للعوامل أعلاه، جاءت التصفية الممنهجة لكبار ضباط الجيش السابق والبعثيين عن طريق الاغتيالات من قبل مسلحين مجهولين، أو الاعتقالات بواسطة النظام وقوات الاحتلال، لتضع هؤلاء أمام خيارين: إما الهروب خارج البلاد، أو اللجوء للجماعات المسلحة. وتكونت فصائل مختلفة منها من انخرطت في مقاومة الأمريكان، ومنها من تورطت بقتل الأبرياء. وتشكلت مجاميع شيعية مسلحة قاتلت القوات الأمريكية، سرعان ما تورط البعض منها في الحرب الطائفية بعد تفجير الإمامين في سامراء.

لم تحتل الولايات المتحدة دولةً مستقرة وشعبًا صاحيًا، لقد بدأ المجتمع المدني بالتحلل إلى أصوله الفرعية وانهارت الطبقة الوسطى جرّاء الحصار الذي فرضته أمريكا

لم تحتل الولايات المتحدة دولةً مستقرة وشعبًا متماسكًا. لقد خلق الحصار الذي فرضه بوش الأب على العراق حالة من تفكك الأواصر الاجتماعية والوطنية والدينية والأخلاقية لدى شرائح كبيرة في المجتمع العراقي، وبدأ المجتمع المدني بالتحلل إلى أصوله الفرعية، وانهارت الطبقة الوسطى. أتت الضغوط التي عانى منها الشعب في حصار بوش الأب بنتائجها لبوش الابن بعد انتشار السلاح عقب سقوط نظام صدام، إذا ما سلمنا بأن استقطاب المتطرفين إلى العراق هدف أمريكي/صهيوني.

شوهد سلاح الجيش العراقي، الخفيف والمتوسط والثقيل، فضلًا عن عتاده وهو يُسرق ويُنقل في العديد من المحافظات أمام أعين الجيش الأمريكي الذي لم يهمه سوى الحفاظ على آبار النفط.

فَتح السّراق أبواب مقر منظمة حزب البعث في منطقتنا يوم العاشر من نيسان/أبريل، ودخلوا ومعهم "المتطفلون" أمثالي إلى المنظمة المليئة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، الأسلحة الرشاشة الروسية والرمانات اليدوية وقاذفات "آر بي جي 7". سُرق جزء كبير من الأسلحة الخفيفة. وعند دخول القوات الأمريكية برتل راجل إلى المنطقة ناشدهم بعض سكانها بالتدخل وسحب الرمانات والقاذفات الموجودة في المقر لعدم استغلالها من قبل العصابات ضد العوائل، وبعد أن ألقت القوات الأمريكية نظرة على السلاح الموجود في المكان خرجت ووضعت "سلسلةً وقفلًا" هزيلًا للباب الرئيسي للمنظمة، بإمكان أي صبي متطفل في العاشرة من عمره كسر القفل. الله والأمريكان والمسلحون اللاحقون وحدهم يعرفون مصير هذا السلاح، ومن قُتل بواسطته فيما بعد.

تكاملت جميع المسببات التي ذكرنا لتنقلب حالة الأمل التي تمسك بها العراقيون إلى كابوس من تفجيرات وعمليات قتل وتسليب وخطف وابتزاز وتصفية على الهوية المذهبية؛ لكن الطاقة المتولدة من ضغط السنوات السابقة، والأحداث المذكورة، ووضع أعضاء النظام السابق وحزب البعث وقانون اجتثاثهم، ودخول دول الجوار إلى الساحة العراقية، وانفلات السلاح في الشارع وتدفقه من الحدود، والاعتقالات الجائرة في السجون الأمريكية، أدى ما سبق ـ في جانب منه ـ إلى تقوية سلاح المقاومة المُتشكلة في المناطق السنية، وإعلان مقتدى الصدر الجهاد ضد الأمريكان بعد عامٍ من الاحتلال، واندلعت عمليات عسكرية كبيرة في الفلوجة وديالى وبغداد والنجف وغيرها. لكن الطائفية خير من يحوّل هذه الطاقة من مقاومة نحو الخارج إلى قوة تدميرية داخلية. تحولت حركات التحرر الوطني عشية تفجير الإمامين في سامراء إلى فصائل تتقاتل وتتقاسم النفوذ في العراق وفق التقسيم الطائفي، عدا المناطق الكردية التي بقيت في مأمنٍ من الجماعات المسلحة غير المحكومة بدستور ونظام.

كانت تلك المقدمة التي مهّدت لظهور تنظيم داعش. أسقطت الولايات المتحدة الدولة العراقية وليس النظام، ولم تمضِ بأية خطوات لبناء دولة ديمقراطية كما ادّعت، بل مثّلت الجماعات المذهبية والقومية سياسيًا، وشكّلت جيشًا على أساس طائفي، وغادرت البلاد باتفاقية أمنية لم تحترمها هي بعد سقوط الموصل بيد التنظيم، وبقيت تتفرج على الأخير حتى وصل إلى أسوار بغداد.

بات واضحًا لكل ذي عقل أن عبارة "الحرب على إرهاب" التي أطلقتها الولايات المتحدة لم تكن تعنيها بأي شكل من الأشكال. زاد الإرهاب، وزادت معدلات الهجرة إلى الغرب جراء انهيار الدول، وتصادم ذلك في بعض المناطق مع المجتمع الغربي وصب في مصلحة اليمين المتطرق. ومن أمثلة نتائجه صعود ترامب، على مستوى السياسة، وتارانت "إرهابي نيوزلندا" على المستوى الاجتماعي.

لم يُخلق الإرهاب من العدم، فالاستبداد والتدهور الاقتصادي وعدم حل مسألة الدولة في الوطن العربي وقضية فلسطين بالإضافة إلى استخدام النصوص الدينية في التعبئة الطائفية، كل ذلك ساهم في صناعة الإرهاب، تلك معضلات علينا الاعتراف بها والعمل على حلها، لكن من دون استصغار وجلد للذات وتحميلها أكثر من طاقتها، فكل سبب من الأسباب أعلاه لو فككتها ستجد يد أمريكية أو غربية قد تدخلت في تأزيمها أو تغاضت عنها، وما الثورات العربية والتدخل السلبي إلا دليلًا على استمرار المنهج الأمريكي رغم كارثة العراق.

أسقطت الولايات المتحدة الدولة العراقية وليس النظام ولم تمض بأية خطوات لبناء دولة ديمقراطية كما ادّعت بل مثّلت الجماعات المذهبية والقومية سياسيًا وشكّلت جيشًا على أساس طائفي إضافة إلى مغادرتها البلاد باتفاقية أمنية لم تحترمها!

إن الحديث الدائم عن "الإرهاب الإسلامي" في أيامنا يستوجب ـ خصوصًا مع ذكرى احتلال العراق ـ التذكير بعبارات مثل "الفوضى الخلاقة" التي قالتها كلينتون، و"الحرب الصليبية" التي أعلنها بوش، والتذكير بالظلم الذي تعرضت له الشعوب العربية مثل الشعب الفلسطيني والعراقي والجزائري والصومالي. التذكير بكل مسببات الإرهاب، ذلك إن غضضنا النظر عن تعريف الإرهاب وأنواعه ومن يشمله هذا المفهوم.