الرابحون والخاسرون من انخفاض النفط.. رواتب العراقيين ودينارهم في خطر

الرابحون والخاسرون من انخفاض النفط.. رواتب العراقيين ودينارهم في خطر

أغلقت أسعار النفط عند 37.63 تحت الصفر للبرميل (فيسبوك)

سجلت أسعار العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي يوم الاثنين 20 نيسان/أبريل أسعارًا سلبية للمرة الأولى في التاريخ، حيث أغلقت عند 37.63  تحت الصفر للبرميل، مع امتلاء مستودعات التخزين وكثافة العرض في مركز التسليم بولاية أوكلاهوما، وانتهت جلسة التداول لشهر آيار/مايو عند 55.9 دولار لعقود خام القياس الأميركي غرب تكساس. فيما أغلقت عقود البرنت عند 25.57 دولار للبرميل.

يرجّح خبراء توقف إنتاج دول الخليج وأغلب دول العالم إذا ما استمر الانخفاض، كونه لا يعد مربحًا

وبينما تنتهي مهلة عقود يوم الثلاثاء 21 نيسان/مايو، اضطر المستثمرون على البحث عن مشترين في أقرب وقت، ما أدى إلى استعدادهم للدفع من أجل التشجيع على الشراء مقابل التخلّص من الخام المخزون، لتجنب المزيد من الخسائر، حينها وصل سعر برميل الخام إلى مستوياته الدُنيا المذكروة قبل انتهاء التعاملات.

اقرأ/ي أيضًا: أيام على انتهاء "الاستثناء الأخير" والعراق ما زال بحاجة الطاقة الإيرانية

ومنذ بداية العام، انخفضت أسعار برنت بنحو 60% فيما انهارت عقود الخام الأميركية بنحو 130%، الأمر الذي يُصعّب من إمكانية الاستمرار في إنتاج النفط الصخري غالي التكاليف الإنتاجية.

ترامب يستثمر كالعادة

تعليقًا على الانهيار الكبير، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة تدرس إضافة 75 مليون برميل من النفط إلى الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للبلاد، مشيرًا في مؤتمره الصحفي اليومي إلى نيته الاستفادة من الانهيار "المثير جدًا" لملء الاحتياط الاستراتيجي.

وتواجه أسعار النفط اضطرابات كبيرة منذ أشهر، فمع انحسار الطلب على الخام نتيجة تفشي فيروس كورونا، والتزام مليارات البشر منازلهم كإجراءات وقائية ضد الوباء، تولّدت تخمة في المعروض العالمي، مع حرب أسعار نفطية بين السعودية وروسيا وتسابقهما على زياة ضخ النفط الخام تعويضًا للخسائر، حتى اتفقت الدولتان على خفض الإنتاج بنحو 10 ملايين برميل يوميا، على أمل أن التخفيف من السنق العالمي، لكن ليس على نحو سريع، إذ لجأ تجار إلى استئجار سفن لاستخدامها في تخزين فائض النفط، في حين يوجد 160 مليون برميل مخزّنة في ناقلات حول العالم.

بالعودة إلى هوايته المفضلة، قال ترامب في سياق الحديث عن انهيار أسعار النفط إن "الأصدقاء الذين نقوم بحمايتهم عليهم أن يدفعوا لنا وليس علينا أن نحمي الشعوب بالمجان"، وأشار إلى أن "إدارته ستدرس وقف شحنات النفط القادمة من السعودية"، مضيفًا: "أنفقنا 8 ترليونات دولار في الشرق الأوسط وكنا أغبياء عندما فعلنا ذلك".

فيما قال السيناتور الأميركي الجمهوري جيمس انهوف إن تصرفات روسيا والسعودية تهدد اقتصاد الولايات المتحدة وأمنها القومي عبر إغراق السوق العالمية بالنفط، داعيًا حكومة ترامب إلى فرض تعرفة جمركية على النفط المستورد من الدولتين.

أميركا.. رابح أم متضرر؟

في السياق، يرجّح خبراء توقف إنتاج دول الخليج وأغلب دول العالم إذا ما استمر الانخفاض، كونه لا يعد مربحًا، خاصةً وأن بعض الدول ذات "النفط العميق" تصل كلفة إنتاج البرميل الواحد فيها إلى 8 دولارات، وأحيانًا إلى 10 دولارات بسبب الشركات الاستثمارية الكبرى.

يقول الدكتور غالب الدعمي، الأستاذ في جامعة أهل البيت، إن انخفاض الأسعار سيقلل من إنتاج النفط الأمريكي بسبب أن كلفة النفط الصخري هي 50 دولارًا للبرميل الواحد. ويرجح في حديث لـ"ألترا عراق" أن تكون الآثار الاقتصادية للانخفاض "ضرب الدول الأخرى التي تعتمد على النفط كموارد اقتصادية واستنزافها"، مبينًا أن "الشركات الأمريكية بدأت بتخزين ملايين الكميات النفطية التي تكفيها من 6 أشهر إلى 7 من الإنتاج الأمريكي".

أكد الدعمي أن "الدول النامية المصدرة للنفط هي الأكثر تضررًا من الولايات المتحدة كون الأخيرة تعتمد في اقتصادها على الشركات ولديها بدائل كثيرة ومصافٍ نفطية متنوعة".

ومع توقعات بصعود العقود الأجلة لنفط تكساس لشهر حزيران في الساعات المقبلة، يتفق نوعًا ما مع الدعمي، المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة العراقية مظهر محمد صالح، الذي يشير إلى أن حرب الأسعار ستشكل "انهيار قوة أوبك كسوق بائعين وانتصار سوق المشترين بقيادة الولايات المتحدة".

خبير اقتصادي: الضرر الذي يلحق بالعراق جراء انهيار الخام الأميركي ليس كبيرًا جدًا بسبب محدودية الصادرات العراقية إلى الولايات المتحدة

يقول صالح إن هناك فرصتين للانتصار، الأولى هي "الطلب المنخفض على النفط العالمي"، والثانية "وجود وجود فائض إضافي في سوق المستقبليات"، مبينًا أنها "فرصة الرابح الأخير الذي حصد خسارات العالم النفطية أجمع، فالرابح هم المضاربون من بحوزتهم مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة، وعلى وفق استراتيجية ستبقى سوق النفط سوق مشترين إلى الأبد".

العراق والانخفاض الأمريكي

عن تأثر العراق بذلك، يقول أستاذ الاقتصاد نبيل المرسومي إن الضرر الذي يلحق بالعراق جراء انهيار الخام الأميركي ليس كبيرًا جدًا بسبب محدودية الصادرات العراقية إلى الولايات المتحدة البالغة 400 ألف برميل يوميًا.

اقرأ/ي أيضًا: أوبك يفقد العراق ربع إنتاجه وارتفاع الأسعار "غير مضمون"

أشار المرسومي إلى أن "السعر الذي يبيع به العراق يعتمد على خمس نشرات لخام (اسكي) وليس (غرب تكساس) وبعد 15 يومًا من تحميل الناقلة، وليس على أساس معدل السعر ليوم واحد".

ويطلق خبراء اقتصاديون أجراس الإنذار منذ مدة وفي فترات متقطعة من احتمالية أن يمر العراق بنكسة اقتصادية قد تؤثر على رواتب الموظفين، وقد وصل سعر برميل النفط العراقي حاليًا إلى 16 دولار بغض النظر عن انهيار العقود الآجلة في أميركا، وبحسب اقتصاديين، ستصل واردات العراقية وفق الأسعار الحالية إلى قرابة 700 مليون دولار، بعد أن كانت 9 مليارات دولار قبل عقد تقريبًا.

ويشير الدكتور غالب الدعمي في حديث لـ"ألترا عراق" إلى أن "أموال النفط العراقي تصل إلى صندوق التنمية بعد 45 يومًا، وقد حُسِب النفط على 28 دولارًا للبرميل الواحد في شهر نيسان/أبريل، لكنه انخفض اليوم.

توقعات مفزعة

ينقسم النفط العراقي إلى خفيف وثقيل، أما الخفيف فهو أقل من السعر العالمي بدولارين، إضافةً إلى استحقاقات عالمية كتعويضات العراق إلى الكويت والشركات المستثمرة، لذا يهبط من 7 إلى 8 دولارات عن النفط العالمي، أما الثقيل فيكون سعره 12 دولارًا أقل من النفط العالمي. وكانت تكلفة إنتاج البرميل الواحد في العراق خلال ثمانينيات القرن الماضي دولار واحد، لكن الكلفة ارتفعت كثيرًا بحسب الدعمي، بسبب الشركات العالمية التي تعاقد معها العراقي في زمن حسين الشهرستاني.

وفق تلك المعطيات، يرى الدعمي أن الدولة "غير قادرة على الاستمرار في دفع رواتب الموظفين دون تخفيضها، وقد بدأ العجز من الآن، واعتمدت الدولة على الاقتراض، إذ ستسحب من البنك الاحتياطي المركزي مليارين ونصف المليار دولار لتسديد الرواتب".

يضيف: "سيزداد الاقتراض في شهر أيار/مايو إلى 3 مليارات دولار من الاحتياطي المركزي، وتزداد معه قيمة الدولار مقابل انخفاض قيمة الدينار العراقي".

بقاء أسعار النفط منخفضة حتى شهر أيلول/سبتمبر يعني أن الدولة لا تستطيع دفع نصف رواتب الموظفين بحسب خبير اقتصادي

استمرارًا للتوقعات غير المفرحة، يقول الدعمي إن بقاء أسعار النفط منخفضة حتى شهر أيلول/سبتمبر يعني أن "الدولة لا تستطيع دفع نصف رواتب الموظفين"، وأضاف أن "استمرارها بالاقتراض 10 أشهر من البنك المركزي يعني أن الاحتياطي سيهبط إلى 20 مليار دولار".

اقرأ/ي أيضًا: التفاوض السيئ يضيع الملايين.. العراق يخضع لـ"تقسيم غير عادل" في تخفيض أوبك

وعقد المجلس الوزاري للاقتصاد برئاسة نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية اجتماعًا طارئًا لبحث تداعيات انخفاض النفط غير المسبوق، وأصدر المجلس بحسب بيان النائب الأول لرئيس البرلمان "عددًا من القرارات والتدابير التي تحد من خطورة انخفاض أسعار النفط التي تهدد الأمن الغذائي للبلاد والرواتب وجهود مكافحة كورونا".

وكان المتحدث باسم مكتب الإعلام في أمانة مجلس الوزراء قد صرح لصحيفة شبه رسمية أن خبراء وزارة المالية يدرسون عدة مقترحات بينها تغيير الرواتب بنسبة 25% لجميع الموظفين أو اللجوء إلى الادخار الإجباري".

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

العراق يلتقط أنفاسه: سنراقب سوق النفط.. ودرسنا البدائل

بغداد تقرر الانضمام لـ"حرب الأسعار" وعودة الحياة الصينية قد تنعش "نفط العراق"