16-سبتمبر-2019

التركيز على نقد الخطاب الديني سيؤدي إلى فتح الحوارات المهمة ويطلق أسئلة النهضة (أ.ف.ب)

في الوضع الذي نمر فيه يصعب أن نعثر على استثناء؛ فبعض المثقفين ورجال الدين يتماثلون من حيث المواضيع التي ينشغلون بها؛ مواضيع تمثل أقصى الهامش، ويتجاهلون ما هو ضروري. إنّهم صنّاع أحداث مُتَخَيلَة لا وجود لها إلا في أذهانهم. وقصتنا هنا ينحصر سردها تحديدًا بفئة مؤثرة في محيطها، وأعني بهم طلبة العلوم الدينية. إذ يتجاهل بعضهم أهم القضايا التي تتعلّق بالخطاب الديني، ويسخّرون إمكانياتهم الذهنية لمهاجمة العَلمانية. وكأنما لم يتبقَ شيء غيرها ليهاجموها، علمًا أن نقد الخطاب الديني أولى من هذه الأمور.

 التحايل على الأولويات، وقلب الحقائق، والهروب والتبرير هو السمة الغالبة وسط ثقافة تعاني من موروث استبدادي ثقيل

وفي الوقت الذي يتصدى فيه السيد كمال الحيدري لنقد القراءة الرسمية للدين، يتجه بعض طلبة العلوم الدينية للتغطية على ذلك حتى لو كانوا يوافقون الحيدري. ولخوفهم من رأي العوام وجدوا سوقًا رائجة الآن وهي العلمانية!. سيقال هنا، أليس الحوار مفيد؟ نعم الحوار مفيد لكن، إن لم يكن تعبويًا من جهة، ولا يزاحم الأولويات من جهة أخرى. ولعل الأولوية القصوى لطلبة العلوم الدينية هي التركيز على نقد الخطاب الديني مثلما يفعل الحيدري لكي يتحول إلى ثقافة شعبية ويساهم في  تعميق الحوار!.. هذا هو الحوار الحقيقي، وما عداه قفز على الضروريات والأولويات.

اقرأ/ي أيضًا: الحقوق المقدسة في ضمير المتديّن

غير أن التحايل على الأولويات، وقلب الحقائق، والهروب والتبرير هو السمة الغالبة وسط ثقافة تعاني من موروث استبدادي ثقيل، وكانت حصة بعض طلبة العلوم الدينية منها ليست بالقليلة، وانعكاساتها على طرق تفكيرهم الذي يميل إلى الارتياب والتشكيك والتخوين. لذا يعمد بعض رجال الدين بالتشكيك وعدم التشجيع على هكذا حوارات،  بحجة قلة الخبرة بين المتحاورين لأنهم خارج التخصص من جهة، أو لأن الطرف الآخر من المتحاورين "ضد الدين". وبكلتا الحالتين فقد سقطتَ في الدور المنطقي، هذه الدور نفسه التي تنحبس فيه فيما لو تعرضت للخطاب الديني. ثمّة  تفريعات أخرى لهذا الدور المنطقي تظهر لقمع الحوار ومنها: أنت بعيد عن التخصص في العلوم الشرعية وتجهل قضايا الاستنباط، ومن باب آخر لا يحق لك التعرض لهذا الخطاب ما لم تكن من "الفضلاء" (أصحاب الرتب العلمية العالية في العلوم الدينية)، وإن كنت من هؤلاء سيجري تخوينك لو تكلمت!. لا بل حتى لو كنت أستاذًا أو مجتهدًا كمثال السيد كمال الحيدري، لا تُؤخذ آرائك على محمل الجد ويجري تجاهلها كليًا.

إن أفضل طريقة للتنصّل من قبل طلبة العلوم الدينية للابتعاد عن "شبهة" التجديد الديني هذه العبارة "إن هذا المجتهد لا يمثلني ولا أقلده"، ومن جهة ثانية إذا تصدى أحد الأكاديميين للبحث في التراث الديني سنسمع هذه العبارة "إنه ليس مختصًا بالعلوم الدينية فرأيه ليس بحجّة". وبهذه الطريقة يتخلّص طلبة الحوزة من هذا الواجب بطريقتين: التنكر للمجدد الديني باعتباره ليس حجة على غير مقلديه (وإن لم يكن مجتهدًا فهذه طامّة أخرى!)، ويتنكرون للأكاديمي باعتباره خارج المؤسسة الدينية. إن ما يقوم به الحيدري، على سبيل المثال، لا يهمهم لأنهم لا يقلدوه!، كما لو أن تجديد الفكر الديني ينحصر بالتقليد!، ثمّ أنهم يخافون من الترويج لهذه الأفكار خوفًا على مكانتهم حتى لو لم تكن لهم مكانة.

العلمانية هي شغلهم الشاغل، ومؤخرًا وجدوا ضدًا يعززون فيه سكوتهم وخوفهم من ترويج الفكر التجديدي، لذا وجدوا من "المدنية" ملاذهم الآمن والممتع. وهم يعلمون جيدًا لا المدنية ولا العلمانية ولا الليبرالية تحظى بتأثير عميق في المجتمع العراقي، إذ لم تتحول إلى ثقافة راسخة؛ فلا زال شيخ القبيلة والمؤسسة المذهبية هي الحاكم الفعلي. إنهم يعلمون علم اليقين، لو ركزوا اهتمامهم على ما يُنشر من مؤلفات تختص بتجديد الفكر الديني لأفادوا الناس فائدة قصوى. لكن يصعب الاهتداء لنتيجة واضحة ومرضية حينما نتأمل هذه الظاهرة، ومن يريد أن يفهم ما معنى العاطلين عن العمل فما عليه سوى متابعة مثل هذه الاهتمامات.

إن أغلب مواقفنا التي نتخذها لا تعبر بالضرورة عن طبيعة الحدث الحقيقية، وإنما ننساق مع مزاج الرأي العام لنغدو مقبولين، حسب طبيعة الحدث؛ إن كان منتشرًا وتلوكه ألسنة الناس، سننساق معه ونحوز على نجومية سريعة، وهذا ما يحدث في وضعنا الحالي، فجأة يحصل إجماع على قضية ما وتغدو نبرة الخطاب متشابهة. ليس لشيء سوى حماية مصالحنا الشخصية لكيلا نتعرض للنبذ من محيطنا. والأغرب من ذلك كله، نتصرف بهذا الشكل حتى لو كنّا نفتقر لكل هذه الامتيازات.

 التفكير في الصالح العام وعدم مخالفة الضمير، يبدأ بالانسلاخ من الأساطير الشخصية، ومحاولة خلق إمكانات جديدة في الفكر والحياة

 إن اتخاذ موقف ما، لا ينبع من نظرة موضوعية محايدة في مواقف كثيرة، وإنما تابع ومتأثر بشبكة المصالح التي ننتمي لها. يندر جدًا اتخاذ مواقف أخلاقية، مواقف تتعلق بالمبادئ التي نؤمن بها، بل مواقف تؤهلنا للحظوة والإعجاب والمقبولية ووهم التميز وترضية لمن ينجذبون لمثل هذه المواقف. والأهم من ذلك كله، ترضية لجمهورنا.

اقرأ/ي أيضًا: عقوبات رمزية وحفلات لجلد الذات

التفكير في الصالح العام وعدم مخالفة الضمير، يبدأ بالانسلاخ من هذه الأساطير الشخصية، ومحاولة خلق إمكانات جديدة في الفكر والحياة، والتفكير في الآخرين أكثر من التفكير في أنانيتنا. فمن وجهة نظري الشخصية، كلما دخل المتدينون في معترك الحياة ليعالجوا مواضيع قريبة إلى هموم الناس، والانشغال بأمورنا الضرورية، كانوا إلى قلوب الناس أقرب. فالضرورات تتسع لكثير من المواضيع، وبالطبع ليست العلمانية من ضمنها في هذه المرحلة لو كانوا يعلمون.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عن العدالة والاستبداد في واقعنا العربي

هل يمكن بناء دولة في ظل ذاكرة تكره الديمقراطية؟