توزيع الأراضي محظور دوليًا.. ومبادرة

توزيع الأراضي محظور دوليًا.. ومبادرة "داري" تحرم العراق من 15 مليار دولار

آلاف القطع متروكة دون بناء (فيسبوك)

تتفاقم أزمة السكن في العراق منذ أن بدأت تظهر في تسعينيات القرن الماضي، وفي ظل نسبة الزيادة السكانية المخيفة التي تواكب عداد السنين (2.5% سنويًا) أصبحت الأزمة تتعقد أكثر فأكثر، لتصل إلى مراحل خطيرة كانتشار العشوائيات وتقسيم البيت الواحد، ويقابل كل ذلك؛ غياب الخطط الحكومية للمعالجة والاكتفاء ببعض الإجراءات الترقيعية التي تتصف بأنها "بسيطة ومعقدة"، ومتواضعة مقابل التحذيرات الدولية التي تطلق بين الحين والآخر للوقوف على حجم الملف، ومعقدة بالنسبة للمواطن الذي يسعى للحصول على منزل. 

حاجة العراق

ومع دخول العام 2022، أكدت الجهات الحكومية الرسمية والمتمثلة بوزارة التخطيط في وقت سابق أن حاجة البلاد لنحو 3.5 ملايين وحدة سكنية، لكنّ الحاجة ووفقًا لتقديرات الخبراء والمختصين، تصل إلى أكثر من 6 ملايين وحدة سكنية، وفي حال اعتماد أي من الرقمين المذكورين فأنّ المبادرات الحكومية الأخيرة التي تحدثت عنها الحكومة العراقية لن تحل المشكلة، بل ستزيد الأمر تعقيدًا، وفقًا لوكيل وزارة الإعمار والإسكان الأسبق ثائر الفيلي. 

وأعلن رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي توزيع نحو 186 ألف قطعة أرض للمواطنين ضمن مشروع "داري" السكني، خلال الأسابيع الماضية.

أكثر من 760 ألف قطعة أرض موزعة منذ زمن النظام السابق ولغاية الآن لا تزال متروكة دون بناء

ويقول ثائر الفيلي لـ"ألترا عراق"، إنّ "مبادرة داري الحكومية تعتمد على توزيع قطع الأراضي للمواطنين"، متسائلاً عن "جدوى تسليم الفقير قطعة أرض لا يستطيع بناءها؟"، مضيفًا أنّ "جميع دول العالم لم تعالج أزمة السكن بتوزيع أراضي لمواطنيها لأن ذلك ممنوع دوليًا، ودراسة الإسكان العالمية تشير إلى أنّ الإنسان يحتاج إلى بيت وليس أرضًا".

اقرأ/ي أيضًا: المجمعات الاستثمارية ليست لأزمة السكن.. من يشتري "الشقق" ذات الأسعار الخيالية؟

وأغلب عمليات توزيع الأراضي في العراق تستخدم كدعاية سياسية أو لـ"شراء الذمم" (وهب الأمير ما لا يملك) كما يصفها الفيلي، الذي يؤكد أنّ "هذا الأمر يعتبر رشوة وليس حلًا للمشكلة، بل تتفاقم عام بعد عام لأن الحكومة لا تمكن المواطن من بناءها"، مشيرًا إلى أنّ "أكثر من 760 ألف قطعة أرض موزعة منذ زمن النظام السابق ولغاية الآن لا تزال متروكة دون بناء لعدم وجود بنية تحتية".

الحظر الدولي

ويعاني العراق من غياب الدعم الدولي فيما يخص هذا الملف رغم قلّة أعداد مشاريع الاستثمارية فيه، على عكس دول العالم التي تتلقى بين الحين والآخر عروضًا ودعمًا في هذا القطاع، وأرجعت بعض المصادر الحكومية ذلك إلى "عدم ملائمة البيئة داخل البلاد لجذب رؤوس الأموال للاستثمار لأسباب عديدة أهمها الأمنية"، لكنّ الفيلي أكّد أنّ "العراق وقع في مؤتمر شرم الشيخ معاهدة مع 62 دولة مشاركة تتضمن الالتزام بمعايير السكن الدولية مقابل الحصول على دعم دولي للإسكان ومنح من منظمات متخصصة تصل إلى 15 مليار دولار، مبينًا أنّ "العراق فقد تلك الأموال بسبب مخالفته وعدم التزامه بقانون الإسكان الدولي الذي يمنع توزيع قطع أراضي للمواطنين (والموضوع أشبه بالحظر الدولي)".

المسؤول عن الإسكان

وفي العراق، الجهة الرسمية المسؤولة عن ملف الإسكان هي وزارة الإسكان والأعمار والبلديات العامة، إضافة إلى أمانة بغداد، لكنّ ما يثير الاستغراب بأن هاتين المؤسستين لديهما مشاكل بشأن نفس الملف المذكور، فالكثير لا يعلم بأن هناك العديد من المجمعات السكنية التابعة لأمانة بغداد ووزارة الإسكان ما زالت عبارة عن "كرفانات الخشب"، مشيدة منذ أكثر من 50 عامًا في بعض مناطق العاصمة، ولم تحل المشكلة إلى الآن بسبب تداخل الصلاحيات والأملاك الحكومية بينهما، بحسب مختصين.

بغداد من بين اسوأ مدن العيش

ومعظم التصنيفات الدولية للعيش في المدن حول العالم تعتمد على صعوبة المسكن وارتفاع تكاليفه ضمن مؤشر تكلفة العيش في المدينة المقصودة، ولذلك اختيرت بغداد من بين اسوأ مدن للعيش، وفقًا لتصنيف مؤسسة ميرسر للاستشارات العالمية، وخروجها من تصنيف أفضل المدن للعيش، بحسب مجلة غلوبال فاينانس، وذلك بفعل ارتفاع أسعار العقارات في العاصمة وتصنيفها الأعلى في العالم، مما دفع الكثير من العراقيين إلى البحث عن عقارات في دول مجاورة مثل تركيا أو الأردن نتيجة انخفاض الأسعار مقارنة بأسعار العراق. 

ويتصدر العراقيون باقي الشعوب العربية في الأكثر شراءً للعقارات في تركيا منذ عام 2015 وإلى غاية الآن حيث اشتروا 7 آلاف و622 منزلًا خلال 11 شهرًا فقط من عام 2021، بحسب هيئة الإحصاء التركية.

يوجد في العراق أكثر من 4 آلاف عشوائية منتشرة في كل محافظات البلاد وبواقع 3 ملايين و300 ألف شخص يسكنون فيها

وأطلق البنك المركزي العراقي في الآونة الأخيرة قروضًا لشراء وحدات سكنية في المجمعات الاستثمارية، لكن خطوة المركزي لم تسعف ذوي الدخل المحدود الذين يعجزون عن دفع الأقساط بسبب القيمة وحجم الفوائد، فيما يشير الوكيل الأسبق إلى أنّ "مبادرة البنك المركزي العراقي جاءت بعد الإلحاح من قبل الجهات الدولية وصندوق النقد الدولي ومنظمة المستوطنات البشرية التابعة للأمم المتحدة، وهو الدعم الدولي الأول من نوعه للعراق في مجال الإسكان".

الحلول والمعالجات

وأكثر من 4 آلاف عشوائية منتشرة في كل محافظات البلاد، وبواقع 3 ملايين و300 ألف شخص يسكنون فيها وفق البيانات الحكومية الرسمية، علمًا أنّ العاصمة بغداد تحتل المركز الأول بالعشوائيات بواقع 522 ألف وحدة سكنية، فضلًا عن 700 وحدة في محافظة البصرة، يقابل ذلك قلة في أعداد مشاريع المجمعات السكنية وارتفاع أسعارها. 

لكنّ وكيل الوزارة الأسبق، الفيلي أفاد بأنّ "استراتيجية الإسكان تم إقرارها من جميع الجهات الحكومية وصدرت عام 2011 لحل أزمة السكن في العراق وهي استراتيجية دولية نفذتها شركة كندية متخصصة باستشارات حل مشاكل الإسكان بالعالم بإشراف منظمة المستوطنات البشرية التابعة للأمم المتحدة وصرف عليها مبالغ طائلة وأقرها مجلسا الوزراء والنواب وأصبحت شبه قانون، لكنّ الحكومة العراقية لم تنفذها ولم تتبعها، بل خالفت فقراتها لأسباب سياسية"، موضحًا أنها "تتضمن بناء مجمعات سكنية أفقية وعمودية مؤسسة بالبنية التحتية وعملية توزيعها تتم وفق ثلاث فئات، للفقراء مجانًا على نفقة الدولة بدون تمليك والثانية بقسط شهري للموظفين والمتقاعدين أما الثالثة فتباع بقيمة الوحدة السكنية المعروضة"، فيما اعتبر أنّ "مبادرة البنك المركزي المدعومة دوليًا هي الخطوة الحكومية الوحيدة التي ستساعد في حل الأزمة والسيطرة على ارتفاع أسعار العقارات بشكل عام عن طريق التنافس". 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"المربع الذهبي".. تسمية ابتدعها الأمريكان وتحولت لعرف بعالم العقارات في بغداد

توضيح مفصل من المالية بشأن تغيير سعر الصرف ومستقبل الاقتصاد