"جثث بابل" تُعيد الخطاب الطائفي.. ما علاقة شقيق رئيس لجنة الأمن النيابية؟

تم تصفية الكثير من المدنيين الذين اعتقلوا أو اختطفوا في المناطق المحررة (Getty)

ألترا عراق ـ فريق التحرير

لطالما نادت قوى سياسية ومنظمات مدنية بالكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسريًا، خاصة بعد عمليات التحرير التي انطلقت فور احتلال تنظيم الدولة (داعش) لأراضٍ عراقية، صاحبها نداءات من أبناء وممثلي تلك المناطق بإيقاف عمليات الاختطاف غير الرسمية من جماعات تدعي انتمائها للقوات الأمنية والحشد الشعبي، ولعبت مثل هذه الملفات دورًا مهمًا بعد الانتخابات البرلمانية لعام 2018، إذ كانت من أولويات القوى السنية المُمثِّلة للمناطق المحررة أن تحل تلك الإشكاليات مع الحشد الشعبي، بل واعترف بعضها بأن سبب التحالف مع ممثلي الحشد وتكوين تحالف بناء هو اشتراطهم على القوى الشيعية انسحاب الحشد الشعبي من المناطق المحررة، نظرًا لشكاوى مواطني تلك المناطق من عمليات خطف وغيره.

قضية الكشف عن جثث مجهولة الهوية في محافظة بابل خلقت خطابًا تصعيديًا أفسد أجواء العيد بالتزامن مع حادثة انفجار كدس العتاد

لكن القضية أخذت منحى آخر مع الكشف عن جثث مجهولة الهوية في محافظة بابل، خلقت خطابًا تصعيديًا أفسد أجواء العيد، بالتزامن مع حادثة انفجار كدس العتاد في معسكر الصقر.

القوى السنية تُهدد بالتدويل

تحالف المحور الوطني، أدان واستنكر ما أسماه "الفعل الشنيع من حيث التكتم على الجريمة لسنوات"، مطالبًا الرئاسات الثلاث بـ"موقف حازم، وفوري وتحقيق عاجل" ومهددًا بـ"عرض الجريمة على المجتمع الدولي".

اقرأ/ي أيضًا: الجثث المفقودة.. حصيلة جديدة صادمة لقتلى الموصل "تجهلها" السلطات!

استغرب التحالف ببيانه في 11 آب/أغسطس الصمت المحلي من حكومة بابل، مبديًا "قلقه الكبير من أن يجد المختفون قسرًا في الرزازة والصقلاوية وسامراء وحزام بغداد وغيرها نفس المصير في ظل التكتم على تلك الجرائم وتسويفها بمرور الوقت".

من جانبه اتهم تحالف القوى  في 12 آب/أغسطس، حكومة بابل المحلية وبلديتها وصحتها بالتكتم على 120 جثة لعراقيين مغدورين وتسليمها إلى منظمة مجتمع مدني لتقوم بدفنها في محافظة كربلاء دون أن يكون  للحكومة الاتحادية موقف أو بيان أو تصريح أو قرار جريء للتحقيق في هذة الجرائم التي ترتقي لجرائم ضد الإنسانية".

لهجة حادة استخدمها التحالف في بيانه، إذ قال إن هذه الجرائم تشابه من حيث أسلوب منفذيها وإن اختلفت مسميات داعش عن مسميات المجاميع المسلحة التي تسيطر على مناطق شمال بابل بشكل عام ومناطق جرف الصخرعلى وجه الخصوص.

يقول التحالف إنه "قدم قوائم بأسماء آلاف العراقيين الذين غُيّبوا في معابر بزيبز والرزازة وسامراء والصقلاوية ويثرب، مستدركًا "لكن الحكومة الاتحادية فشلت في الكشف عن مصيرهم أو فرض سلطتها وهيبتها على من يحجزهم، واتخذت من التسويف سبيلًا".

وطالب "القوى"، الحكومة بـ"إصدار قرار بإعادة فتح المقابر والسماح لذوي المغدورين للتعرف على جثث أبنائهم قبل دفنها وتغيير ملامحها"، مهددًا ـ خلاف ذلك ـ بـ"موقف عربي واسلامي ودولي أمام الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي والمجتمع الدولي ومجلسي الأمن وحقوق الإنسان ‏الدوليين لفضح وتوثيق الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية من قبل المجاميع المسلحة أمام مرأى ومسمع الحكومة العراقية".

تحالف القوى: قدمنا قوائم بأسماء آلاف العراقيين الذين غُيّبوا في معابر بزيبز والرزازة وسامراء والصقلاوية ويثرب، لكن الحكومة الاتحادية فشلت في الكشف عن مصيرهم 

في السياق، حذرت مقرر لجنة حقوق الإنسان النيابية وحدة الجميلي، الحكومة العراقية من "انشغالها عن واجبها في معرفة مصير الآلاف من المفقودين والمغيبين من أبناء المناطق المحررة".

دعت الجميلي، الحكومة إلى احترام توقيعها على الاتفاقيات الدولية التي تنص على ترسيخ وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان في العراق، وخلاف ذلك سيكون العراق ‏بموقف محرج ومخجل أمام مجلس حقوق الإنسان العالمي، إضافة إلى تعرض العراق إلى ارتدادات سلبية سياسية واقتصادية نتيجة ‏لذلك".

نواب بابل: 31 جثة فقط

وفي ظل الاتهامات الواضحة والصريحة، واللهجة الحادة المُستخدمة ربما لأول مرة منذ انخفاض الخطاب التصعيدي بين القوى السياسية عشية الحرب ضد تنظيم داعش، رد نواب عن محافظة بابل في البرلمان، في بيان مشترك، قالوا فيه إن "عدد الجثث الجهولة التي أعلنتها صحة بابل هو 31 جثة، وليس 120 كما أشيع".

اقرأ/ي أيضًا: جثث مقطّعة تدفن سرًا.. وثائق وصور جديدة عن جرف الصخر و"المغيبين"!

نواب بابل تحدثوا عن "صوت طائفي مقيت يظهر بين الحين والآخر يُحاول من يطلقه العودة للواجهة السياسية والاجتماعية من جديد".

وأشار بيانهم المشترك إلى أن "الجثث التي عثر عليها متراكمة منذ عام 2016 ومستلمة من مناطق متعددة من محافظة بابل وليس شمالها فقط كما حاول البعض توجيهه"، لافتًا إلى أن "ماجرى هو إجراءات رسمية من المفروض أن تقوم بها بلدية الحلة وهو دفن هذه الجثث حسب التعليمات القانونية والشرعية بعد العجز عن التعرف على هويتها وعدم الوصول لذويها، مستدركًا "ولكن بسبب عدم وجود تخصيصات مالية لهذا الغرض كان لا بد من الانتظار لحين توفر متبرع. وقد بادرت إحدى منظمات المجتمع المدني بتكاليف الدفن وفقًا للشريعة الإسلامية وفي مقابرالمسلمين وتحت إشراف منظمة حقوق الإنسان".

المحافظ: الجثث تعود لأربع سنوات

بدوره، قال محافظ بابل كرار العبادي ببيان في 13 آب/أغسطس إن "الجثث مجهولة الهوية التي دفنت قبل أيام، هي جثث لمجهولين تمتد لأربع سنوات مضت في الثلاجات الخاصة بالطبابة العدلية، وهي ناجمة عن حوادث وجرائم مختلفة وبعضها نتيجة ظروف اجتماعية وقبلية حيث تتوزع على أغلب مراكز شرطة بابل".

محافظ بابل: الجثث هي لمجهولين وتمتد لأربع سنوات مضت، وهي ناجمة عن حوادث وجرائم مختلفة وبعضها نتيجة ظروف اجتماعية وقبلية

وأظهرت وثائق من مديرية بلدية الحلة إلى دائرة صحة بابل، إطلع عليها "ألترا عراق" تفاصيل الجثث مجهولة الهوية ومراكز استلامها وتواريخها، والجهة المخولة بالاستلام، وهي "مؤسسة الزهراء الخيرية" بإدارة شخص يدعى قيس علي مسير.

وبحسب الوثائق، فأن أغلب الجثث تعود لعام 2018، منها ست جثث مجهولة الهوية تم تسليمها في 2019، وسبع عشرة جثة في عام 2018، وسبع جثث في 2017، وجثة واحدة "غير مجهولة الهوية"، لشخص يُدعى محمد حامد غيث تم تسليمها في 2016 من جهة التحقيق "مركز شرطة جرف النصر".

وتداول نشطاء وصفحات في "فيسبوك"، منشورات لفتت إلى أن "حجي رعد الشوك هو صاحب مؤسسة الزهراء الخيرية وينتمي إلى الحشد الشعبي، وهو من قام بدفن الجثث".

تحذيرات من عودة الخطاب الطائفي

تبادل الاتهامات التي حملت معها خطابًا طائفيًا دعا قوى وشخصيات سياسية للتحذير من عودة الأمور إلى سابق عهدها في ظل التصعيد بين الأطراف السياسية. وحذر ائتلاف النصر بقيادة العبادي من إعادة إنتاج الخطاب الطائفي بعد أن طويت صفحته بهزيمة داعش"، مطالبًا الحكومة بـ"التحقيق السريع وإعلام الرأي العام والمواطنين بالحقائق وعدم الاستهانة بالدماء وغلق الباب في وجه الجدل الإعلامي الذي يؤدي لإعادة الترويج للطائفية".

وأعرب النصر عن قلقه البالغ من طبيعة التصريحات التي صدرت من قبل عدد من الجهات السياسية وتبادل الاتهامات فيما بينها.

في سياق التصريحات الطائفية، استنكر النائب عن كتلة صادقون النيابية (الجناح السياسي لعصائب أهل الحق) عبد الأمير الدبي ما وصفها بـ"الأصوات التي تولول وتصرخ حول جثث مجهولة الهوية في بابل"، متسائلًا  في تغريدة له على تويتر: "أين كانت أصواتهم عندما تم قتل 1700 شابًا في مناطقهم وأمام أعينهم من أبناء الناصرية والشطرة والغراف في مجزرة سبايكر؟".

اقرأ/ي أيضًا: من "داعش" إلى الميليشيات.. بيجي رهينة الدمار والفساد

كما أكد المتحدث باسم كتلة "صادقون" نعيم العبودي في تغريدة له، رفض كتلته "ظاهرة المتاجرة بدماء الأبرياء واستغلال هذا الملف لتسقيط حسابات سياسية ضيقة ومعروفة الهدف".

وكان النائب السابق مشعان الجبوري أحد أوائل من أثاروا القصة، بعد حديثه في منشور له على "فيسبوك" عن "200 جثة من أبناء المناطق المحررة بينهم أطفال ونساء مضى عليهم ثلاث سنوات في ثلاجات الطب العدلي تم العثور عليهم في جرف الصخر".

يطرح الجبوري سؤالًا استنكاريًا: "يلوموننا حين نتحدث عن الظلم الذي يتعرض له أهلنا؟".

بدوره، قال القيادي في تحالف القرار ومحافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي في تغريدة له على تويتر: "عليهم أن يعترفوا بأن عراق العمائم انتقل من مرحلة المقابر الجماعية الى مرحلة رمي الجثث في البراري وعلى حافات الطرق".

أثيل النجيفي: عليهم أن يعترفوا بأن عراق العمائم انتقل من مرحلة المقابر الجماعية إلى مرحلة رمي الجثث في البراري وعلى حافات الطرق

‏أضاف النجيفي: "بينما تبدو الحكومة عاجزة عن متابعة ما يجري في جرف الصخر وأطراف بابل. فلم يعد من المجدي مطالبة الحكومة باتخاذ أي إجراء. وعلينا أن نطالب المجتمع الدولي بمتابعة انتهاك حقوق الإنسان التي تجري في تلك المنطقة"، مشيرًا إلى أنها "ليست قضية طائفية، فلا زال ملايين الشيعة يرفضون هذا التعامل اللا إنساني". 

الحلبوسي.. قُضي الأمر؟

عقد رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي اجتماعًا مع وزير الداخلية الياسري ورئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية محمد رضا، وقائد شرطة بابل، ليخرج بمؤتمر صحفي يُعلن فيه أن "الحادث ليس طائفيًا، بل مجموعة حوادث متفرقة"، مشددًا على أن "زمن الطائفية قد ولى، ولا عودة للوراء".

اقرأ/ي أيضًا: ثلاثينية "يائسة" و5 أطفال.. قصة يرويها عيد الموصل على لحن "المغيبين" والأزمات!

ولم يأتِ الياسري ورضا والآخرون بجديد، إذ قالوا في ذات المؤتمر الذي عُقد مساء 13 آب/أغسطس إن "الجثث هي نتيجة جرائم جنائية وموزعة على عدد من مراكز الشرطة في أكثر من مكان في المحافظة وليس في شمال بابل فحسب".

حاول "ألترا عراق" الاتصال بإحدى النائبات للاستفسار عن موقفهم كقوى سنية بعد تصريح الحلبوسي، إلا أنها أجابت بعبارة واحدة: "قُضي الأمر".

وفي تغريدة أخرى، أشار النجيفي إلى أن " القضية ليست قضية ٣١ أو ٥٠ أو ١٣٠ جثة مجهولة الهوية. بل هي قضية آلاف المغيبين والمخطوفين الذين اختفوا او نقلوا الى شمال بابل. ولا يمكن اختصار مصيرهم بالتصريح الذي صدر عن رئيس البرلمان ومن معه".

من هو سيد علي؟

مصادر أمنية في بابل تحدثت عن تفاصيل لم تُكشف من المسؤولين ووسائل الإعلام، عن الجثث التي عُثر عليها في المحافظة، وإذ تؤكد أن الحوادث لا تعود لمرحلة القتال ضد تنظيم داعش، إلا أنها كشفت عن "سبع جثث من مجموع الجثث المدفونة الـ 31، تعود إلى ضحايا أعمال إجرامية بقيادة شخص يُدعى (سيد علي)، سبق وأن هرب إلى إيران بعد حادثة مقتل مدير جوازات بابل التي أتهم بتدبيرها".

أشارت المصادر التي رفضت الكشف عن هويتها لأسباب أمنية، في حديث لـ"ألترا عراق"، إلى أن "سيد علي إدّعى انتمائه إلى حركة بدر بقيادة هادي العامري، ونفّذ عمليات قتل بحق شخصيات، كان هدف تلك العمليات هو السطو والتسليب، مغلفةً أحيانًا بغطاءٍ طائفي".

مصدر: سبع جثث من مجموع الجثث المدفونة، تعود إلى ضحايا أعمال إجرامية بقيادة شخص يُدعى (سيد علي) هو شقيق رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية محمد رضا

لفتت المصادر إلى أن "المذكور هو شقيق رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية والنائب عن تحالف سائرون محمد رضا، الذي ظهر في المؤتمر الصحفي رفقة الحلبوسي ووزير الداخلية وقائد شرطة بابل".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"صراع طائفي" على إرث الأموات في الموصل.. كلٌ يدعي وصلًا بـ "بنات الحسن"!

هكذا بدأت "النكبة".. قصص لم ترو من "سقوط" الموصل وتكريت!