سحب الثقة عن عبد المهدي.. تفجير الصراع المُقنن؟

سحب الثقة عن عبد المهدي.. تفجير الصراع المُقنن؟

تم طرح خيار سحب الثقة عن عبد المهدي من أطراف سياسية، خاصة التي تقول إنها معارضة (فيسبوك)

حين يُطرح ملف سحب الثقة من رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، لا بد من العودة سريعًا إلى سياق اختياره لتشكيل الكابينة الوزارية قبل نحو عام. فاز تحالف سائرون بالمرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية عام 2018 وشكّل بعد ذلك تحالف الإصلاح الذي ضم كتلًا شيعية وسنية، وجاء بعده تحالف الفتح بالمرتبة الثانية الذي شكّل تحالف البناء الذي ضم كتلًا متنوعة هو الآخر. وفي ظل الصراع على من يُشّكل الحكومة تصاعدت الأحداث السياسية والأمنية: هبّ المتظاهرون في البصرة، اتخذ قرار بإعادة العد والفرز اليدوي لصناديق الانتخابات، احترقت بعض الصناديق في جانب الرصافة، وانفجرت بضع أكداس للعتاد بعضها خلّف كارثة بشرية ومادية كما حدث في مدينة الصدر. الأحداث المتتالية أنبأت بأن الأمور تسير نحو ما ذهب إليه بعض المعلّقين حول حرب شيعية ـ شيعية طرفاها التيار الصدري والحشد الشعبي.

اختير عادل عبد المهدي من قبل الخصمين (سائرون والفتح)، وبدعمٍ غير مُعلن من مرجعية النجف، بعد مخاضٍ عسيرٍ، ليكون الطرف المستقل الذي يحكم بأمرهم!

كانت الأيادي على الزناد، والعتاد مشحون بالمعادلات الإقليمية المتناقضة في العراق، التي تُحاول رسم شكل المرحلة التالية ما بعد تنظيم داعش، أدت تلك العوامل مجتمعة إلى سحب تحالف سائرون يده من دعم حيدر العبادي لولاية ثانية، والدخول بمفاوضات مع خصمهم الفتح لتشكيل حكومة دعاها سياسيون بحكومة "الفرصة الأخيرة"، واختير عادل عبد المهدي من قبل الخصمين، وبدعمٍ غير مُعلن من مرجعية النجف، بعد مخاضٍ عسيرٍ، ليكون الطرف المستقل الذي يحكم بأمرهم!

اقرأ/ي أيضًا: "مأزق" يطيل عمر حكومة عبد المهدي حتى "حلول الكارثة"!

 كالهرم المقلوب، ولأول مرة، يجلس رئيس الوزراء في منصبه كطرف ثالث دون كتلة كبرى تتبناه أو يتبناها في مجلس النواب. إنها معادلة غريبة، لكن ذلك ما حصل.

من هذه المقدَمة السريعة يُمكن التنبؤ بالصعوبات التي تواجه الكتل السياسية في حال قررت سحب الثقة عن رئيس الوزراء، فالمخاض العسير الذي ولد عبد المهدي يُدلل على أن عملية اختيار البديل هي أول حجرَ عثرةٍ في وجه عملية طرح الثقة عن الرئيس، ومثلما يُسهّل "عدم وجود كتلة كبرى خلف رئيس الوزراء" عملية سحب الثقة دون الدخول بمعارك سياسية، كذلك يُصعّب من إمكانية طرح بديل بواسطة تحالف واسع في مجلس النواب. ومن العوامل المهمة التي تعقّد إمكانية طرح البديل هي "تفكك" تحالفي الإصلاح والبناء، فلا وجود لهذين التحالفين على المستوى "العملي" في مجلس النواب، يُضاف لتلك العوامل غياب جبهة معارضة كبيرة تضم عددًا معتبرًا من النواب. وما حديث تيار الحكمة المُعارِض عن تشكيل حكومة ظل إلا للاستهلاك الإعلامي، ولا يعني ذلك أنهم يُخادعون، فمثل تلك التصريحات والتحركات هي من صلب عمل المعارضة المُفترَض، لكنه في الحسابات الواقعية صعب التطبيق. كما لا يُمكن للحكمة ملئ الفراغ الحاصل إذا ما سُحبت الثقة من الحكومة، هذا قبل السؤال عمّن سيسحب تلك الثقة وما هو دور الكتل الكبيرة، الفتح وسائرون، في هذه العملية.

واجهت الأحزاب الدينية أو ما يُعرف بـ"الإسلام السياسي" مأزقًا حقيقيًا بعد المُشاركة الشعبية الضعيفة في انتخابات البرلمانية الأخيرة، وإضافة المرجعية الدينية العليا في النجف للجمهور خيار عدم المُشاركة في تلك الانتخابات من على منبر الجمعة في كربلاء، والاحتجاجات الواسعة التي انطلقت في المحافظات الجنوبية، والتدهور الاقتصادي الناجم عن الحرب مع تنظيم الدولة "داعش"، وفَرّض صندوق النقد الدولية شروطه على الحكومة العراقية التي تُلزم الأخيرة بعدم فتح المزيد من التعيينات والوظائف في دوائر الدولة.

حاولت تلك الأحزاب إنقاذ نفسها باختيار عبد المهدي، وهي تعي الآن، أن الإطاحة بالرئيس تعني تفجّر الصراع دون حدود، فالكتلتان اللتان شكّلتا الحكومة تمتلكان أجنحة مسلحة مُدربة ومجهزة تمتلك المال والسلاح والولاء، فكان وصول عبد المهدي إلى رئاسة الحكم "تقنين للصراع"، وشكّلّت ـ بدلًا من الاحتكام لسلاح الميليشيات ـ شُبه حكومة برئاسته، وانكفأوا على الدرجات الخاصة، محاولين السيطرة على "الدولة العميقة". تراكمت عدّة معطيات أدت إلى قناعة لدى الكثير من الأطراف السياسية بأن الانهيار قادم بعد الإقالة، لا محالة.

استدارة العراق بالكامل نحو أحد الطرفين، الولايات المتحدة أو إيران، يَعدُ مغامرة محفوفة بالمخاطر، كذلك فأن مسك العصا من المنتصف عملية غير مضمونة الاستقرار

الآن، لا يُمكن القطع بعدم إمكانية سحب الثقة عن عبد المهدي رغم كل الصعوبات المذكورة أعلاه. فالتناقضات والتقاطعات متغيّرة في العراق باعتباره منطقة ملتهبة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

اقرأ/ي أيضًا: صراع أمريكا وإيران.. هل يمكن مسك العصا من المنتصف؟

 تبدو شخصية رئيس الوزراء متسقة مع ما تُريده الأطراف الداخلية والخارجية، هو لناحية ميوله للسوق المفتوح، وتوسيع صلاحيات المحافظات، منسجمٌ مع الرغبات الأميركية الرأسمالية والفيدرالية. وهو لا يسعى لتجريد الحشد الشعبي من سلاحه، ويُحافظ على المصالح الإيرانية الاقتصادية والسياسية في العراق، وهو يُعطي لإقليم كردستان أكثر مما حصلوا عليه في فترة رئاسة المالكي قبل أن يُضيق حيدر العبادي الخناق عليهم، وليس للتكتل السني النيابي الأكثر عددًا خصومة واضحة مع عبد المهدي، وكذلك بالنسبة لسائرون فيما يخص مساعي التحالف للحصول على الدرجات الخاصة والمناصب العليا دون الوزراء.

مرةً أخرى، إن هذه العوامل معرّضة للتغيير، فالتلاعب بوجود الحشد الشعبي، تمكينًا ـ كما أراد المهندس باستحداث قوة جوية ـ ، أو تقيّدًا/دمجًا ـ كما يُريد الصدر ـ ، يُمكنه أن يضرب الهرم المكوِّن لهذه الحكومة: الفتح ـ سائرون ـ عبد المهدي.

كما أن استدارة العراق بالكامل نحو أحد الطرفين، الولايات المتحدة أو إيران، يَعدُ مغامرة محفوفة بالمخاطر، كذلك فأن مسك العصا من المنتصف عملية غير مضمونة الاستقرار.

نشأ نوع من التوازن بعد الأمر الديواني الخاص بالحشد الشعبي، الذي أصدره رئيس الوزراء، والإغلاق الاستعراضي لبعض مقار الحشد، بمقابل إغلاق ملف إخراج القوات الأمريكية في العراق بعد موجة من التهديدات النيابية التي لم تنتج شيئًا سوى التصريحات. لكن الأحداث الأمنية والسياسية التصعيدية كفيلة بضرب هذا التوازن وانقلاب أحدهما على الحكومة العراقية ورئيسها.

قلنا في السابق إن الحكومة الحالية هي حكومة تصفير العدّاد حتى لحظة 2003، والبدء من جديد؛ لكن التفاعل الداخلي لا يُمكن تجاهله، فاستمرار فضائح الفساد الإداري والمالي التي تطال المسؤولين والوزراء، وتصاعد الاحتجاجات والاعتصامات، ربما يؤدي إلى وضع الأطراف التي تقف في ظهر الحكومة ـ الصدر والفتح والمرجعية ـ في زاوية حرجة قد ترغمها على التخلي عن رئيس الوزراء إنقاذًا لموقعها الاجتماعي والسياسي.

كما علمتنا الثورات العربية.. يبقى الشارع العراقي غير خاضع للقراءات السياسية المجردة وغير آبهٍ بموازين القوى الداخلية والخارجية

ويبقى الشارع العراقي غير خاضعٍ للقراءات السياسية المجرّدة التي تُساق هنا وفي غير محل، غير آبهٍ بالتفاهمات والتحفظات والاتفاقات السياسية وموازين القوى الداخلية والخارجية، كما علمتنا الثورات العربية.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تقدير موقف: مستقبل الحشد الشعبي في العراق.. بين سيادة الدولة وصراع المحاور

قراءة في مشهد التحالفات: نشازٌ لن يدوم