قراءة في مشهد التحالفات: نشازٌ لن يدوم

قراءة في مشهد التحالفات: نشازٌ لن يدوم

لا تبنى التحالفات في العراق وفق برامج سياسية طويلة الأمد، المكتسبات حاكمة عليها غالبًا (AFP)

بدا المشهد بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة ضبابيًا إلى حدٍ كبير، فاق ما كان عليه في الانتخابات السابقة. كان الفرزُ الطائفي هو الصورة الثابتة بعد كل انتخابات منذ عام 2005، على الرغم من الخلافات الحاصلة داخل التكتل الطائفي ذاته، كما حصل بعد انتخابات 2010. كان التكتل الكردي متماسكًا قويًا في بغداد. اختلفت القوى الشيعية حتى اتفقت على تشكيل الحكومة والمشاركة فيها. شَعَرَ السُنة بالحيف بعد إقصاء القائمة العراقية (الفائز الأول في الانتخابات)، والتي ضمت أغلب القوى السنية من تشكيل الوزارة، وربما ذلك الشعور هو الحافز الأكبر للنزول إلى ساحات الاعتصام في المحافظات الغربية بعد الثورات العربية.

في انتخابات 2010 شعر السُنة بالحيف بعد إقصاء القائمة العراقية وربما ذلك الشعور هو الحافز الأكبر للنزول إلى ساحات الاعتصام في المحافظات الغربية

من زاوية معينة، تبدو الصورة اليوم أكثر تعقيدًا من السابق. فالعنوان العام هو الفوضى. وفي التفاصيل، تجري اصطفافات مُغايرة عمّا شهدناه في الأعوام السابقة. وبغض النظر عن المكاسب التي حصل عليها الكرد من حكومة عبد المهدي؛ إلا أن تكتلهم في بغداد لم يعد قويًا مثل السابق، وكان مشهد الصراع على رئاسة الجمهورية ومن ثم وزارة العدل كافيًا لتبيان حجم الانقسام والتضعضع داخل هذا التكتل، الذي كان "تكتلًا" في بغداد رغم الصراعات في الإقليم.

اقرأ/ي أيضًا: شرط الدولة المفقود عراقيًا

وفي الجانب السني، حيث دخلت القوى مبعثرة إلى الانتخابات الأخيرة، شهدت انقسامات قبل الانتخابات، وبعد ظهور النتائج، وبعد التصويت على رئيس البرلمان، وأثناء توزيع الوزارات، وأثناء توزيع الدرجات الخاصة، وأثناء التصويت على محافظ نينوى. وبالرغم  من الانفتاح العربي على العراق، والذي من المفترض أن يكون عامل قوة للقوى السنية، إلا أنهم مشتتون بطريقة دراماتيكية.

في الطرف الشيعي، كان الاصطفاف بعد الانتخابات مباشرةً موضوعيًا، لناحية التوجهات التي تتبناها الكتل المتُحالفة. فموقف زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم من أزمة الأنبار وساحات الاحتجاج، والمسافة الأبعد نسبيًا ـ ضع خطوطًا تحت نسبيًا ـ من إيران، مقارنة بالفصائل الشيعية الأخرى، ثم انشقاقه من مجلس الأعلى والحرس القديم، والنزول وحيدًا في الانتخابات بتيار الحكمة، والخطاب المعتدل طائفيًا، كل تلك التوجهات وضعته في مرمى نيران إعلام الكتل الشيعية الأخرى، وبدورها جعلته أقرب إلى الصدر من غيره.

 كما لا نحتاج لوصف التغييرات التي طرأت على الخطاب والسلوك الحكومي بعد تولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء مقارنة بسلفه، ما جعله ـ رفقة الصدر والحكيم ـ في جبهة تتبنى "الاعتدال" الداخلي، وكذلك الانفتاح على الدول العربية والخارجية بشكل عامٍ. وتشكل تحالف الإصلاح والإعمار بقيادة هذا الثلاثي رفقة كتل سنية، أبرزها رئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي، ووزير الدفاع السابق خالد العبيدي، ورئيس البرلمان الأسبق أسامة النجيفي، ونائب رئيس الوزراء صالح المطلك، وغيرهم.

ولا حاجة للقول إن كل من كان في الجبهة الأخرى، من فصائل في الحشد الشعبي ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، ومن في هذا الركب، مع أمين عام المشروع العربي خميس الخنجر، والكرابلة، وأحمد الجبوري "أبو مازن"، قد شكلوا تحالف البناء.

هل يُعطينا ذلك تصورًا عن الأزمة؟

يصف الكثير من المتابعين والمعلقين، هذا الانقسام العمودي بين الكتل، بالحالة الصحية، وهو من الناحية النظرية يُعتبر صحيًا لاعتبارات مغادرة التكتل الطائفي، ودخول كتل سنية وشيعية في تحالفين منفصلين؛ لكن الواقع فرض نفسه في نهاية المطاف.

ذهاب سائرون والفتح إلى اختيار رئيس الوزراء كان جرس الإنذار العالي الذي يُعلن قرب وفاة التحالفين، رغم إصرارهما على التكتل في "الإصلاح" و "البناء"

بالغ تحالف سائرون بدعم من الصدر، قبل الانتخابات وبعدها، بالتعويل على ولاية ثانية للعبادي، الذي خسر نسبة عالية من حظوظه بتصريحه عن "التزام العراق بالعقوبات الأميركية على إيران"، ثم جاءت الأحداث الكبيرة في بغداد، من تفجير كدس العتاد، وحرق الصناديق الانتخابية، لتكون انتفاضة البصرة وقمعها صيف العام الماضي، القشة التي قصمت ظهر ولاية العبادي الثانية.

اقرأ/ي أيضًا: معركة التكنوقراط في العراق.. المحاصصة توحد الأضداد

أدت "المبالغة" بالتعويل على العبادي للتخبط بعد سحب الصدر يده من دعمه لترأس الوزارة. وتظافر هذا العامل مع العوامل الإقليمية الأخرى لتنتج ما أسموه "تفاهمات" بين سائرون والفتح لتشكيل حكومة يقودها الطرفان، لرئاسة طرف ثالث: عادل عبد المهدي.

والنتيجة هي: تحالفان شيعيان يختاران رئيسًا شيعيًا لمجلس الوزراء.

ذهاب سائرون والفتح إلى هذا الخيار، كان جرس الإنذار العالي الذي يُعلن قرب وفاة التحالفين، رغم إصرارهما على التكتل في "الإصلاح" و "البناء".

لم تدم القصة طويلًا. سرعان ما بدأت بوادر انفراط عقد التحالفين، بانسحاب تيار الحكمة صوب المعارضة مع تلويحات مُشابهة من تحالف النصر بقيادة العبادي، بمقابل الانشقاقات السنية بسبب الدرجات الخاصة ووزارة التربية.

والنتيجة هي: مُطالبات سُنية بـ"حصة المكون"، واختلافات على من يستحق الحصة!

تكوّن تحالف الإصلاح، في جوهره، على أساس "الندية" مع الأطراف الأخرى، خاصة من قبل الكتل الشيعية المُعترضة على الخطاب الطائفي، والمتبنية لمشاريع وطنية عابرة للطائفية. بالمقابل، اصطف العدد الأكبر من النواب السنة مع تحالف الفتح ومن معه، وفي الذهن ثلاثة أهداف: انسحاب الحشد الشعبي من مناطقهم، توفير الحماية السياسية خاصةً للأسماء المُتهمة قضائيًا، والحصول على الاستحقاقات الانتخابية في الكابينة الحكومية والدرجات الخاصة.

كان تقرّب سائرون للفتح، وانفراده في القرارات بحسب حلفائه، الرصاصة التي ضربت أساس تحالف الإصلاح القائم على "الندية" مع الجانب الآخر

من هنا، كان تقرّب سائرون للفتح، وانفراده في القرارات بحسب حلفائه، الرصاصة التي ضربت أساس تحالف الإصلاح القائم على "الندية" مع الجانب الآخر. فيما كان تخلّف الفتح عن وعوده لحلفائه السنة حسب ما يقولون، بدايةً للمشكلات التي نراها في ملف المحافظات ووزارة التربية والدرجات الخاصة، بالإضافة إلى انسحاب "أو تهديد مبطن بالانسحاب" من بعض الشخصيات السنية المنضوية في البناء.

لقد تشكل البناء على أسس المصلحة الآنية، وباعتقادنا لن يصمد كثيرًا.

هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟

ربما، لناحية تعزيز ثقة الشارع، وصون الخطاب الوطني، كان يُمكن لتحالف سائرون أن يسلك طريق المعارضة منذ البداية طالما لم تتشكل الوزارة على أسس ومطالب ساحة التحرير التي تبناها التحالف قبل الانتخابات. ولأن سائرون مدعومٌ من شخصية فاعلة مثل الصدر، فأنه لن يتلقى مصير القائمة العراقية التي تشظت بعد أن فازت في انتخابات 2010 وأٌقصيت من الحكم. وبالذات، مع وجود حالة النفور الشعبي من الكتل السياسية الحاكمة، سيستطيع سائرون أن يُشكل ـ لاحقًا ـ الحكومة بالأغلبية. لكنهم اختاروا الطريق الوعر.

اقرأ/ي أيضًا: كشف حساب مع سائرون.. أربع صدمات بعد عام

كان يُمكن للأغلبية السنية أن تنضم إلى التحالف الإصلاح الأقرب إليها على جميع الأصعدة، أي أن تصبح الصورة مقلوبة: أغلبية سنية مع الإصلاح، وأقلية سنية مع البناء. ويُمكن لهذه الأغلبية أن تحقق هدفها بخروج الحشد الشعبي من المناطق المحررة بالقوة البرلمانية، خاصةً وأن الكتل الشيعية في الإصلاح تتفق "نسبيًا" مع الأطراف السنية في ملف الحشد الشعبي. لكن ملف الحماية من الملفات القضائية، والسعي للحصول على الاستحقاقات النيابية، حال دون انضمام الأغلبية إلى الإصلاح رغم كل الضغوط، حسب ما نرى.

ظني أن ما حصل ويحصل، رغم "إمكانية الأفضل"، هو نتيجة واقعية تتناسب مع النظام السياسي في العراق. إذ نشأت أحزاب دون مناهج عامة، تغيب الديمقراطية عن نظامها، وعن الفكر السياسي لدى قادتها وأعضائها.  فلا منهج عام تلتزم به، ولا عملية ديمقراطية داخل الحزب يُمكنها تصحيح المسار حين ينحرف عن الالتزام.

أصبح مملًا، القول، إن الأحزاب لا تمتلك أهدافًا عامة غير الحصول على المكاسب، ولكن؛ يجب ألّا نغفل تبعات ذلك بحجة التكرار، لأن ما يترتب عليه من تحالفات وتكتلات وسياسات دولة ومواقف دولية هو الحاسم في المجال السياسي العراقي. فحين يكون للحزب استراتيجية عامة تتمثل في أهداف معينة، وخطط للوصول إليها، يُمكننا الحديث عن مستقبل الحزب وعلاقته بمصالح البلاد؛ لكن خلو الحزب من تلك الاستراتيجية يضعنا في موضعٍ حرج، كدولة وشعب وباحثين.

تحدثنا عمّا هو كائن، وعمّا كان يجب أن يكون. ولكون الثاني يندرج ضمن الـ "لو" في التأريخ والسياسة، فأن الأول قد يُعطينا تصورًا للمشهد التالي.

وباختصار، فأن حالة التشظي من التكتلات الطائفية إلى أجزاء أصغر تُصارع داخل ذلك التكتل، لا يعني أننا في "حالة صحية" تُنبئ بمغادرة الخطاب الطائفي والتوزيع المحاصصاتي.

حالة التشظي من التكتلات الطائفية إلى أجزاء أصغر تُصارع داخل ذلك التكتل، لا يعني أننا في "حالة صحية" تُنبئ بمغادرة الخطاب الطائفي والتوزيع المحاصصاتي

في الأفق احتمالان: إما أن تنسحب كتل رئيسية إلى المعارضة لتصنع توازنًا لعجلة العملية السياسية المشروخة بانقسام الأطراف على أساس التوجهات السياسية العامة كما هي، أو أن تعود لحظة الثاني عشر من آيار/مايو 2018، وتُعاد ذات الأسئلة المطروحة آنذاك.

قد تنشأ عواملُ أخرى تخلق احتمالات أخرى؛ لكن حالة النشاز السياسي هذه لن تدم طويلًا.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عام على انتخابات 2018.. كيف أجهض حلم التغيير؟

أكثر من 6 أشهر على عهدة عبد المهدي.. مالذي تغيّر؟