كشف حساب مع سائرون.. أربع صدمات بعد عام

كشف حساب مع سائرون.. أربع صدمات بعد عام

خرج تحالف سائرون من ساحات الاحتجاجات لكنه حتى الآن لم يعمل على تحقيق مطالب التظاهرات في البرلمان (فيسبوك)

خَلَقَ تكرار الوجوه عبر كل انتخابات نيابية منذ عام 2005 حتى 2018 حالة من اليأس لدى شرائح الشعب المختلفة. في المناطق الغربية والشمالية بسبب ما آلت إليه أوضاع محافظاتهم حين ناشدوا التغيير. في المناطق الوسطى والجنوبية بسبب الوضع الاقتصادي والعمراني والخدماتي المتردي وانتشار البطالة والأمراض وغيرها من المشكلات التي يُعاني منها الناس هناك رغم أن النظام يُحسب عليهم مذهبيًا. بالإضافة للشعور الكردي المتذمر من بغداد والوضع الاقتصادي الذي أخذ بالانحدار منذ سيطرة تنظيم الدولة (داعش) على محافظات العراق المُتاخمة لمحافظات الإقليم.

كانت الاحتجاجات الشعبية المتواصلة منذ عام 2015 دليلًا آخر على عدم تعويل الناس في التغيير عبر العملية الانتخابية، وذلك شرخٌ أصاب العملية السياسية إصابة مميتة إن صح المجاز

ونحن على أعتاب الانتخابات النيابية في العام الماضي، لم تكن الحالة المعنوية للناس بأحسن حال. كاد التفاؤل أن ينعدم مع مشهد إعادة تدوير أحزاب السلطة بعضها بمسميات أخرى وبعضها بذات المسميات. وقد جاءت نسبة المُشارَكة في الانتخابات لتُعطي الدليل الدامغ على هذا الشعور بالإحباط واليأس من التغيير.

اقرأ/ي أيضًا: عام على انتخابات 2018.. كيف أجهض حلم التغيير؟

كانت الاحتجاجات الشعبية المتواصلة منذ عام 2015 دليلًا آخر على عدم تعويل الناس في التغيير عبر العملية الانتخابية، وذلك شرخٌ أصاب العملية السياسية إصابة مميتة إن صح المجاز. رغم ذلك، ورغم أن الاحتجاجات ـ تحديدًا في بغداد ـ  صفت لأتباع التيار الصدري والحزب الشيوعي ومن معهم من شخصيات مدنية، أي من أحزاب شاركت في العملية السياسية وتمثّلت في الحكومة عبر وزراء، وفي البرلمان عبر نواب، إلا أن شعورًا بـ "الحيوية" ساد بعض الناس في أن تتحول مطالب المتظاهرين هؤلاء وشعاراتهم إلى أفعال سياسية بعد الانتخابات. أن تُتَرجم على أرض الواقع. 

الصدمات الأربع

أقول، رغم انقسام المجتمع بين شريحة كبيرة قاطعت الانتخابات، وشريحة تنتمي للأحزاب الموجودة، إلا أن نسبة من الناس هنا وهناك كانت تعوّل ولو على استحياء في أن يضغط تحالف سائرون باتجاه حكومة تكنوقراط، ويستبعد الأحزاب والشخصيات المعروفة عن مقاليد السلطة؛ لكن أولى الصدمات كانت بالتفاهم الذي حصل بين سائرون وتحالف الفتح بقيادة هادي العامري واختيارهم لرئيس وزراء (عادل عبد المهدي) من خارج الكتل المُشاركة في الانتخابات. وقد يجد الباحث المُهتم أسبابًا منطقية لهذا التحالف تتعلق بالوضع الداخلي المرتبط بالوضع الخارجي والتخوف من حرب أهلية؛ إلا أن المواطنين المُتابعين "المتفائلين قليلًا" اعتبروا هذه الخطوة انقلابًا على شعارات ساحة التحرير التي تُطالب بالقرار الوطني.

جاء تحالف سائرون بأربعة وزراء مستقلين للوزارات التي من استحقاقه، قال إنهم من اختيار عبد المهدي، ولم يقتنع العديد من المتابعين فضلًا عن قوى سياسية أخرى بأن الوزراء الأربعة غير تابعين لسائرون. وبغض الطرف عن ذلك، فأن الكابينة المتبقية وزعت بذات طريقة المحاصصة بين الأحزاب والكتل السياسية وبحسب نسب كل مكون، ما شكّل الصدمة الثانية للمعوّلين على سائرون.

مثّل الأداء البرلماني الصدمة الثالثة، حيث لم يشهد مجلس النواب الذي تُشكّل سائرون أكبر كتلة فيه، أي تشريع لقانون يلبي طموحات الناس، ما عدا قانون الموازنة الذي تأخر هو الآخر وحَمل معه امتيازات كبيرة لصالح إقليم كردستان على حساب المناطق الجنوبية التي تمثل القاعدة الشعبية لسائرون. وفضلًا عن انشغال هذه الكتلة بتشريع قوانين تافهة مثل حظر لعبة بوبجي وغيرها، جاء تصويت أعضائه على امتيازات النواب المستبعدين من البرلمان ليُمثل خيبة أمل ملموسة لدى جماهيره.

جاء الحديثُ عن إصرار تحالف سائرون على نيل الدرجات الخاصة في الدولة، وعدم نكران، بل اعتراف التحالف بأنه يسعى للتدخل في ملف الدرجات الخاصة، ثم تسريبات لأسماء قدمتها كتل بينها سائرون لشغل بعض مناصب الدرجات الخاصة، ليُمثّل الصدمة الرابعة لجمهور هذه الكتلة، الباحث عن مسؤولين مستقلين يُساهمون بإصلاح تقرحات العملية السياسية الناتجة عن المحاصصة.

رغم انقسام المجتمع بين شريحة كبيرة قاطعت الانتخابات، وشريحة تنتمي للأحزاب الموجودة، إلا أن نسبة من الناس كانت تعوّل في أن يضغط تحالف سائرون باتجاه حكومة تكنوقراط

لا شك، أن من بين الداعمين لسائرون أولئك (الواقعيون) الذين يهمهم ملف الاحتلال والهيمنة على القرار العراقي خصوصًا في ظل الوضع المتأزم في المنطقة، والمتأرجح في الداخل بين الولايات المتحدة وإيران، أكثر من الملفات الأخرى. وأن من بين الداعمين أولئك (العاطفيون) الذين لبوا نداء زعيمهم مقتدى الصدر، وأنهم ملتزمون مع  تحالف سائرون بقدر قربه أو بعده عن الصدر. إلا أن وجود هذين النوعين لا يمنع من ظهور صوت شعبي نقدي اتجاه تحالف سائرون، وما زاد هذا الصوت قوة هو الاجتماع غير المُتفق عليه، بين ناخبي سائرون، والناقمين عليه، إذ اجتمعا على توجيه النقد الأكبر لنواب سائرون من غير الآخرين، عبر منصاتهم المختلفة. وبذلك، فأن بعض الناقمين على سائرون يُساهمون من حيث لا يدرون بدعم الصدريين في مساعيهم لتقويم عمل نوابهم.

اقرأ/ي أيضًا: أكثر من 6 أشهر على عهدة عبد المهدي.. مالذي تغيّر؟

وبالعودة للصدمات الأربع، فأن تفاهم سائرون مع الفتح كان الحدث الذي أزاح من جلد الأول صبغته غير الصدرية، بخيبة أمل الذين اصطفوا مع سائرون خصومةً مع الفتح والفصائل المسلحة المقربة من إيران. لكن الملف الرابع ـ الدرجات الخاصة ـ ومعها ما تبقى من الكابينة الوزارية، سيكونان العامل الأساسي في حسم هوية سائرون المستقبلية، خاصة مع بداية تفكك تحالف الإصلاح بإعلان الحكمة والنصر الذهاب صوب المعارضة، وعودة التظاهرات تدريجيًا في البصرة وبغداد.

معضلة سائرون

تكمن مشكلة سائرون بما يلي: عزمهم ـ  بتوافق مع الصدر على ما يبدو ـ للدفع باتجاه السيطرة على مناصب الدولة الثانوية الخاصة، أو ما يُصطلح عليها في العراق "الدولة العميقة"، خاصة وأن الصدريين واثقون من سيطرة خصومهم، حزب الدعوة وزعيم دولة القانون نوري المالكي، على هذه المناصب. وهو ما يجعل التحالف أمام خيارات صعبة، إما أن يتنازل عن هدفه فيما يخص الدرجات الخاصة، أو أن يمضي بهذا الاتجاه بتفاهم مع تحالف الفتح ويخسر حلفائه في تحالف الإصلاح والإعمار، أو أن يُرّضي الجميع ويطبّق المحاصصة كما لم تُطبق من قبل.

أود الإشارة إلى نقطتين مكمّلتين لمشكلة سائرون قبل الختام: الأولى، أن توجيه سهام النقد ضد سائرون دون غيرها ليس استهدافًا للصدر والتيار الصدري وكتلة سائرون، وإن كان العمل السياسي ونوع الصراعات السياسية في الداخل والخارج يُفسّر وجود مثل هذا الاستهداف؛ لكننا نرى أن النقد اللاذع لسائرون نابعٌ من ذات الأهداف التي رفعها التحالف قبل وبعد فوزه في الانتخابات، خاصة وأنه خرج من رحم ساحة التحرير وساحات الاحتجاجات طوال الثلاث سنوات. ومن هنا فأن الضغط المسلّط عليهم أكبر من غيرهم.

وعليه، وهي النقطة الثانية، فأن خيارَ التنازل عن هدفهم يعني ترك الحكومة ومناصب الدولة الثانوية للكتل الأخرى، وخيار المضي باتجاههم الحالي يعني خسارة الحلفاء (النصر والحكمة وغيرهم)، وهو ما قد يَنتج صورة مقلوبة عن السنوات المقبلة: مُعارضةٌ في البرلمان، ومتظاهرون في ساحة التحرير، وصدريون في الحكم!

ليبقى خيار إرضاء الكتل جميعًا، الذي رغم صعوبته، لكنه يعني دون شك، فقدان التحالف لمصداقيته أمام قاعدته الشعبية، وفي ذلك تأثير كبير لناحية العمل السياسي بشكل عام.

النقد اللاذع لسائرون نابعٌ من ذات الأهداف التي رفعها التحالف قبل وبعد فوزه في الانتخابات، خاصة وأنه خرج من رحم ساحة التحرير وساحات الاحتجاجات طوال الثلاث سنوات

كيف سيخرج تحالف سائرون من هذه الإشكالية المُعقّدة ؟ سيتبين لاحقًا، وسنرى إن كانت حركة رئيس الكتلة البرلمانية حسن العاقولي الأخيرة هي بداية لإبعاد كرة النار عن التحالف عبر قنابل دخانية! وللحديث بقية..

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

بين "سائرون" و "الفتح".. القصة الكاملة لصفقة المناصب السيادية وغيرها!

الصدريون في سلامهم وحروبهم.. من الثورة إلى سائرون